في الأغلب لا تطلق التحذيرات من فراغ، ويكون هناك سبب أو آخر لوجودها، وعدم الاقتناع بالأسباب ربما يؤدي إلى تجاهل التحذيرات، لكن هذا كله يمكن أن نتقبله في أمور حياتية عادية، لكن حين يتعلق الأمر بحياة أناس آخرين، لا بد من أن تأخذ التحذيرات بشيء من الجدية، لأنه في حالات خاصة جدًا كانت التحذيرات صائبة؛ ولم يلتفت لها أحد، فكانت النتائج النهائية كارثية.

بويسولي.. حذر «ناسا» من الكارثة ولم تلتفت له

قبل ستة أشهر من انفجار مكوك الفضاء «تشالنجر» التابع لـ«وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)»؛ فوق ولاية فلوريدا الأمريكية، في 28 يناير (كانون الثاني) عام 1986، كتب المهندس روجر بويسولي مذكرة شديدة اللهجة إلى ناسا؛ حذر فيها من انطلاق المكوك في مناخ شديد البرودة.

«قد تكون النتيجة كارثية للغاية، وستفقد الأرواح البشرية» هذا ما كتبه روجر بويسولي في مذكرته لناسا، ولم تكن توصيته تطفلًا منه بل كان من صميم عمله، فروجر بويسولي مهندس صواريخ منتدب في شركة «مورتون ثيوكول» المتعاقدة مع «ناسا»، وواحد من المتهمين الذين استجوبتهم السلطات الأمريكية في كارثة تحطم مكوك الفضاء تشالنجر، إلا أن مذكراته التي قاوم فيها إطلاق المكوك برأته تمامًا.

 

انفجر المكوك بعد 73 ثانية من انطلاقه، مما أدى إلى مقتل جميع أفراد طاقمه السبعة، وتدمر المكوك فوق المحيط الأطلسي، والسبب تفكك الدوائر المطاطية المربوطة بالمكوك في الجو؛ وتشققها بسبب انخفاض درجة الحرارة مع سرعة اندفاع المكوك، مما أثر على خزان الوقود الخارجي، وبالتالي الانفجار، وكان هذا ما حذر منه بويسولي، بل إنه في ليلة 27 يناير (كانون الثاني) 1986، اتصل بويسولي ومعه أربعة مهندسين آخرين من شركته بالوكالة، للضغط عليهم لتأجيل موعد انطلاق المكوك بسبب البرد، لكن لم يستمع له أحد، فكانت الكارثة.

عالمان أرادا إنقاذ مدينة فاعتقلتهم سلطاتها

كان العالمان الأمريكيان ديفيد بيرنياز، وتشارلز سوير؛ يستكشفون سلسلة جبال كورديليرا بلانكا عام 1962، وقررا تسلق جبل هواسكاران القريب من مدينة يونجاي؛ ولاحظوا أن الجبل به كتل هائلة غير مستقرة من الجليد والحجارة، ويمكن أن تنهار في أية لحظة، أنهى الأمريكيان رحلتهما واتجها بسرعة نحو مدينة يونجاي القريبة لاطلاع المسؤولين عن الأمر، وكان رد المسئولين اعتقالهما بتهمة نشر الإشاعات وإثارة الفوضى، فضّل بيرنياز وسوير التراجع عن أقوالهما ومغادرة بيرو.

عام 1970 أي بعد ثماني سنوات من تحذير بيرنياز وسوير، ضرب زلزال «أنكاش» جمهورية بيرو، وعلى إثره حدث الانهيار الجليدي المتوقع؛ والذي قتل معظم سكان مدينة يونجاي المقدر عددهم من 20 إلى 25 ألف شخص، ولو كانت التفتت السلطات البيروفية إلى تحذيرات بيرنياز وسوير لتمكنت من إنقاذ مدينة يونجاي وسكانها.

كولشيستر.. الروحاني الذي حذر الرئيس الأمريكي من اغتياله

لم تكن الأمور الروحانية؛ والسحر، حكرًا على الدول العربية، بل كانت منتشرة في الدول الأوروبية وأمريكا، ولا يزال هناك أتباع لها في الدول الغربية، بيد أن ماري زوجة الرئيس الأمريكي إبراهام لينكولن كانت واحدة من المهووسين بالأمور الروحانية، وكان يتردد عليها في البيت الأبيض رجل روحاني بريطاني يدعى تشارلز ج. كولشيستر.

لجأت ماري تود لينكولن، زوجة الرئيس إلى كولشيستر حين كانت تتطلع إلى التواصل مع روح ابنها ويلي المتوفى في سن الحادية عشر، وتمكن كولشيستر بطرقه المخادعة أن يقنع السيدة ماري، لكن كولشيستر لم يستطع أن يقنع الرئيس الأمريكي إبراهام لينكولن، لكن تردده في البيت الأبيض جعل له مكانة اجتماعية كبيرة في العاصمة الأمريكية واشنطن، وصادف أن التقى كولشيستر بالممثل جون ويلكس بوث؛ وأصبح الرجلان صديقين يسهران سويًا للشرب في الحانات.

قبل عدة أسابيع من اغتيال إبراهام لينكولن، حذر كولشيستر الرئيس من أن حياته في خطر، ولم يلتفت له الرئيس لينكولن، بل إن صديقًا آخر لإبرهام لينكولن حثه توخي الحذر، فأجابه لينكولن: «لقد أخبرني كولشيستر بذلك»، وفي أبريل (نيسان) عام 1865 اغتيل الرئيس الأمريكي إبراهام لينكولن علي يد الممثل جون ويلكس بوث أثناء حضوره عرضًا مسرحيًا في مسرح فورد، وكان كولشيستر محقًا لكن ليس لأنه روحاني بل لأنه كان رفيق الشراب للقاتل بوث.

تتحدث وتجري العمليات الجراحية.. تعرف إلى جمعيات «تحضير الأرواح» في الغرب

 

فليمنج.. مخترع المضاد الحيوي الذي حذر منه

توقع العالم الأسكتلندي ألكساندر فليمنج الذي اكتشف البنسلين أول مضاد حيوي في العالم؛ أن البكتيريا يمكن أن تحصن نفسها ضد المضادات الحيوية، وبعد حصوله على جائزة نوبل للطب عام 1945، ألقى فليمنج محاضرة حذر فيها من أن الميكروبات يمكن أن تقاوم المضادات الحيوية، لكن ما قاله فيلمنج لم يكن مثبتًا طبيًا بعد، فلم ينتبه أحد إليه.

Embed from Getty Images

ألكسندر فلمنج

عُرف البنسلين الذي بدأ العمل به عام 1943؛ بأنه معجزة الطب الحديث، ووصف بأنه مضاد حيوي لقدرته على قتل البكتيريا، وكان متاحًا في البداية بدون وصفة طبية، واستهلكه الناس مثل الحلوى، لذا خرج مكتشف البنسلين، ألكسندر فليمنج، وحذر من أن إساءة استخدام البنسلين يمكن أن يؤدي إلى انتشار أشكال متحولة من البكتيريا التي تقاوم الدواء المعجزة الجديد، وبالتالي ظهور أمراض جديدة.

ولكن لم يستمع له أحد، وظل الناس يستخدمون المضادات الحيوية بإسراف وبلا ضرورة طبية أحيانًا، وكانت النتيجة أن ما يقدر بنحو 14% من سلالات المكورات العنقودية المعزولة من المرضى في أحد مستشفيات لندن؛ واجهوا مقاومة للبنسلين بحلول عام 1946، أي بعد ثلاث سنوات فقط من تقديم البنسلين، وبالتالي كان لا بد من بحث عن بديل آخر له.

تيتانيك.. تلقت تحذيرًا أخيرًا وردّت «شكرًا»

كان غرق السفينة الإنجليزية تيتانيك في أبريل (نيسان) عام 1912 صدمة كبرى، فوقتها كانت أكبر باخرة نقل ركاب في العالم، ومزودة بأعلى معايير السلامة، وشيدت بأكثر أنواع التقنيات تقدمًا آنذاك، وساد الاعتقاد بأنها سفينة غير قابلة للغرق، ويبدو أن هذا كان سببًا كافيًا لأن يتجاهل المسؤول عن قسم الاتصالات اللاسلكية في سفينة تيتانيك التحذير الذي تلقاه من سفينة ميسابا.

كانت سفينة ميسابا تبحر من نفس المكان التي أبحرت فيه تيتانيك، وتمكنت من تغيير مسارها بسبب الجبال الجليدية، لذا أرسلت السفينة تحذيرات عبر اللاسلكي تنوه وتحذر السفن التي تسلك نفس الطريق من الجبال الجليدية؛ بما في ذلك سفينة تيتانيك، وتلقى طقم سفينة تيتانيك الرسالة بالفعل، لكن المسؤولين عن قسم الاتصالات اللاسلكية، كانوا منشغلون في عمل آخر وهو نسخ وتوصيل الرسائل للركاب.

الحقيقة أن تيتانيك تلقت تحذيرات عديدة من سفن، لكن ميسابا أرسلت التحذير الأخير قبل وقوع الكارثة، وحددت أماكن الجبال الجليدية وفقًا لخطوط الطول والعرض، وقالت في رسالتها: «شاهدنا عددًا كبيرًا من الجليد الكثيف، وعددًا كبيرًا من الجبال الجليدية الكبيرة» وتلقت سفينة ميسابا ردًا من تيتانيك مقتضبًا «شكرًا» وهذا بمثابة إقرار وصول الرسالة بوقتها وتاريخها، لكن الرسالة لم تتحرك داخل سفينة تيتانيك أكثر من ذلك، ولم تصل إلى القبطان، وانتظر قائد سفينة ميسابا ردًّا رسميًا جديًا من تيتانيك لكن لم يتلق شيئًا، وربما إن عوملت رسالة ميسابا بجدية أكثر لكان من الممكن أن تتفادي سفينة تيتانيك مصيرها المشؤوم.

11 سبتمبر.. كان يمكن تلافي كل هذا الخراب

في اللحظة التي وقعت فيها هجمات 11 سبتمبر (أيلول) من عام 2001؛ دخل العالم منحنى آخر من الدمار، المسألة ليست فقط في انفجار برجي التجارة العالمي في نيويورك، أو حتى ضرب مقر وزارة الدفاع الأمريكي البنتاجون، بل أيضًا في ما خلف ذلك من إعلان حرب أمريكا على الإرهاب، وما تلاه من تدمير لأفغانستان، ثم غزو العراق، المؤسف في أن جميع تلك الأحداث التي أوقعت مئات الآلاف الضحايا كان من الممكن تفاديها لو أن الرئيس الأمريكي بوش الابن وحكومته؛ استمعوا لتحذير «وكالة المخابرات المركزية (CIA)» الأمريكية.

كان كوفر بلاك رئيس «وحدة مكافحة الإرهاب» بـالوكالة عام 2001؛ الرجل الرئيسي الذي حذر الرئيس بوش من وقوع هجمات إرهابية كبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية، ففي 10 يوليو (تموز) عام 2001، عقد بلاك وزملاؤه في «وكالة المخابرات المركزية» لقاء مع كونداليزا رايس؛ مستشارة الأمن القومي الأمريكي آنذاك، وحذروها من «هجمات إرهابية كبيرة» ستحدث في الولايات المتحدة في غضون أشهر أو أسابيع، وتجاهلت رايس والحكومة الأمريكية والرئيس بوش؛ تحذيرات بلاك، لذا وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) وما تلاها من أحداث.

«كان من الواضح جدًا أننا سنضرب، وسنضرب بشدة، وسوف يموت الكثير من الأمريكيين» هذا ما ذكره كوفر بلاك في مقابلة له بعد سنوات من الهجمات، ويذكر أن تحذيراته راحت هباء، استمعت له رايس جيدًا، ثم عُلق الأمر، ووقعت الهجمات، واستبعد اجتماع يوليو (تموز) بين بلاك ورايس بالكامل من التقرير الرسمي للجنة 9/11 المسؤولة عن التحقيقات في الهجمات، وكأن هذه التحذيرات لم تحدث أصلًا.

لماذا تنزعج منها أمريكا؟ 4 أسئلة تشرح لك علاقة خفض قيم العملات بالتجارة

 

المصادر

تحميل المزيد