بعدما أدلى مسؤولان كبيران في حزب «بهاراتيا جاناتا» القومي الهندوسي الحاكم، بتصريحات مسيئة للإسلام والنبي محمد والسيدة عائشة، اشتعلت موجة من الغضب على صفحات التواصل الاجتماعي، وانتشر وسم «#إلا_رسول_الله_يا_مودي»، وانتشرت دعوات لمقاطعة المنتجات للهندية في الدول العربية.

وقد عرفت الهند مع وصول رئيس الوزراء ناريندا مودي وحزبه إلى السلطة، صعودًا للتوّجه الهندوسي القومي المتطرّف، وانتشار الخطاب العنصري والتمييز الطائفي، وأعمال عنف ضد الأقلية المسلمة وباقي الأقليّات في البلاد، مع تغطية سياسية وتواطؤ صريح من طرف الحكومة الهندية، فيما ذكر تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» يوم أمس الإثنين 6 يونيو (حزيران) 2022، أن المسلمين في الهند، والذين يشكلون حوالي 14% من إجمالي السكان البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة؛ يتعرضون للاستهداف في طعامهم وملبسهم وزواجهم من أتباع الديانات الأخرى.

لكن ما الذي نعرفه عن تاريخ الإسلام والمسلمين في الهند؟ في هذا التقرير نسلط الضوء على مختصر هذا التاريخ القديم المستمر في الهند.

البداية من عند التجار العرب.. هكذا وصل الإسلام إلى الهند

قبل ظهور الإسلام، كان تجار العرب على صلات بأهل الهند لقرب بلاد العرب من الهند جغرافيًا، وحين ظهر الإسلام، نقل التجار العرب المسلمون دينهم الجديد إلى الهند، وتحدثوا عنه في مجالسهم مع الهنود. ومن هنا بدأ الإسلام ينتشر بين بعض جماعات الهنود في الموانئ التي يصل إليها العرب المسلمون، وكانت مدينة كرنكلور في مقاطعة مليبار (في جنوب الهند) من أولى المدن الهندية التي انتشر فيها الإسلام.

مصدر الصورة: streettrotter

ازداد نفوذ المسلمين في مليبار خلال القرن الثامن الميلادي واستقروا على ساحلها، ورحبت بهم الحكومة وسمحت لهم بممارسة دينهم. كما أفاد الرحالة أمثال «المسعودي» و«ابن سعيد» و«أبو الفدا» و«ابن بطوطة»، أن الساحل الغربي للهند قد سكنه الكثير من المسلمين، وكان لهم مقام كبير ونفوذ عند ملوك مليبار الهندوس، بحسب ما جاء في كتاب «تاريخ الإسلام في الهند».

فتحٌ وتوطيد حكم.. الهند في عهد الخلفاء الراشدين والأمويين

بحسب ما جاء في كتاب «تاريخ الإسلام في الهند»، لوزير الأوقاف المصري السابق، والمفكر الإسلامي، دكتور عبد المنعم النمر، فإن التفكير في فتح الهند، بدأ في عهد الخليفة عمر بن الخطاب عام 15هـ (636م)، حين فكر والي البحرين وعمان «عثمان بن أبي العاص الثقفي» الاتجاه بجيشه نحو مومباي في الهند، مستعينًا بالسفن العربية والبحارة المسلمين. كذلك، فقد أمر عثمان بن عفان (حين تولى الخلافة) واليه في العراق أن يبعث أحدًا إلى الهند، ويعود إليه ليخبره بأمر أهلها، وعندما تولى علي بن أبي طالب الخلافة، توجه «الحارث بن مرة البعدي» إلى الهند وعاد منها بمغانم.

ظل قادة المسلمون يوجهون حملاتهم إلى أطراف الهند على الخليج العربي حتى عهد الأمويين، حينما كان الحجاج بن يوسف الثقفي واليًا على العراق، فقرر أن ينظم حملة إلى بلاد الهند لضمها إلى البلاد الإسلامية، وبالفعل جهز الحجاج الحملة عام 92هـ (711م)، وجعل ابن أخيه «محمد بن قاسم الثقفي» على رأسها.

بعدما وصل محمد الثقفي إلى الديبل (قريبة من كراتشي حاليًا)، دخل في قتال مع الهنود حتى تمكن من الاستيلاء على المدينة، وتمكن من قتل الراجا داهر ملك السند (إقليم في باكستان حاليًا، وكانت تابعة للهند)، واستمر بعدها في توسعاته وفتوحاته نحو الشمال.

مصحف في حيدر أباد، وتعليق في الهامش بالأردية – مصدر الصورة: فليكر

بعد موت الحجاج، ومن بعده الخليفة الوليد بن عبد الملك، تولى «سليمان بن عبد الملك» الخلافة، وولى العراق واليًا آخر، وبسبب ما كان يكنه للحجاج من كره، فقد أمر بعزل محمد بن قاسم، وأرسل من يقبض عليه ويجلبه إلى العراق ليُسجن، وبالفعل مات محمد بن قاسم في سجنه، ثم بدأت الحروب والمناوشات بمحاولة ولاة السند استرداد ما فتحه محمد بن قاسم.

حينما تولى «عمر بن عبد العزيز» الخلافة، كتب إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، ووعدهم بأن يظلوا في مراكزهم، وكان هناك من يستجيب بالفعل، واستمر حال المناطق التي يسيطر عليها المسلمون كما هي، يتولى أمير بعد الآخر، وكل ما يسعون إليه توطيد الحكم الإسلامي في السند.

فتح كشمير والملتان.. وانفصال السند في عهد الدولة العباسية

بعدما انتقل الحكم إلى الدولة العباسية، أصبحت السند ولاية عباسية بدورها، وأرسل العباسيون ولاتهم إليها، وبدأت التوسعات حتى فُتحت كشمير والملتان في عهد «أبي جعفر المنصور». ومع ضعف الدولة العباسية، وبدء انفصال أطرافها عن مركز الخلافة في العراق، انفصلت السند، وتكونت إمارتان، إحداهما في الشمال عاصمتها ملتان، والأخرى في الجنوب عاصمتها المنصورة، واستمر الدعاة في محاولة نشر الإسلام وتعاليمه، لكن دون وجود أي فتوحات حتى بداية عهد الدولة الغزنوية، بحسب ما جاء في كتاب «المسلمون في الهند من الفتح العربي إلى الاستعمار البريطاني».

إخضاع بلاد الهند.. صولات وفتوحات الدولة الغزنوية

خلال القرن التاسع الميلادي، تعرضت الدولة العباسية للاضطرابات، والانفصالات، وقد كانت الدولة السامانية التي فرضت سيطرتها على بلاد ما وراء النهر (يقصد به نهر جيحون في آسيا الوسطى، تشمل أراضيها أوزبكستان والجزء الجنوب الغربي من كازاخستان والجزء الجنوبي من قيرغيزستان) وخراسان، من أبرز تلك الحركات الانفصالية.

وفي عهد الأمير عبد الملك بن نوح، ازداد نفوذ حاجب الحجاب الذي يدعى «ألبتكين»، فأسند إليه الأمير ولاية خراسان ليتخلص من نفوذه، وفي عهد الأمير منصور بن نوح الساماني، تمكن ألبتكين من السير نحو الهند، وتمكن من دخول غزنة (في أفغانستان حاليًا)، وجعلها عاصمة إمارته الجديدة عام 351هـ (962م).

مصدر الصورة: Lost Islamic History

بعد وفاة ألبتكين وولده من بعده، تمكن أحد رجاله وزوج ابنته، ويدعى «سبكتكين» من تولي إمارة غزنة عام 366هـ (976م)، ثم بدأ سبكتكين حملاته على أطراف الهند (الموجودة في أفغانستان حاليًا)، وخاض حربًا مع ملكهم جيبال، وحقق الانتصار، وفتح بعض المدن على الحدود الشمالية الغربية، ووضع يده على إقليم كابل، وأصبح أمير العباسيين على غزنة.

بعد موت سبكتكين، أصبح ابنه إسماعيل واليًا على غزنة، إلا أن عهده لم يدم إلا بضعة أشهر، فقد تمكن أخوه محمود من انتزاع الحكم منه بقوة السيف عام 388هـ (998م). وبالفعل تمكن السلطان محمود الغزنوي من ضم بلخ وهراة وترمذ وبست (مدن تابعة لخراسان الكبرى التي تضم حاليًا شمال غرب أفغانستان، وأجزاء من جنوب تركمنستان، ومقاطعة خراسان الحالية في شمال إيران) لسيادته، كما تمكن من استرداد خراسان. وبالفعل ازدادت الرقعة التي يسيطر عليها السلطان محمود، فضم تحت ملكه السند والبنجاب (مناطق من شرق باكستان وشمال غرب الهند).

وقد ذكرنا في تقرير سابق، أن السلطان محمود قد فتح قلعة ناجاركوت ومعبدها، وفتح قنوج (مدينة في شمال الهند) بقلاعها السبعة على نهر الكنك المقدس، كما دخل بنارس (مدينة تقع على ضفاف نهر الجانج في الهند)، وغنم منها الكثير من الأموال والذهب عام 410هـ (1020م). وقد تجاوزت غزوات السلطان محمود 15 حملة، وتمكن قبل وفاته عام 421هـ (1030م) أن يزيد مساحة الدولة الغزنوية لتمتد من بخارى وسمرقند (في أوزباكستان حاليًا)، وأفغانستان وبلاد ما وراء النهر، وسجستان وخراسان وطبرستان (في إيران حاليًا)، وكشمير (بين الهند وباكستان) وجزء كبير من الولايات الواقعة في الشمال الغربي من الهند، ومنها الكجرات وقنوج.

بعد وفاة السلطان محمود الغزنوي، استمر خلفاؤه من بعده في حكم الهند، وضم أراض جديدة لتوسيع ملكهم، لمدة 10 سنوات تقريبًا، إذ استكمل مسعود الفتوحات أسوة بأبيه محمود الغزنوي، حتى قتله أخوه محمد عام 432هـ (1040م)، ليصبح مودود الحاكم الجديد، ويواصل مسيرة والده وجده في الفتوحات. وبسبب تناحر الملوك؛ بدأ ضعف الدولة الغزنوية، وهو ما تسبب في سقوط غزنة عام 547هـ (1152م) في عهد آخر ملوكها «بهرام شاه».

الدولة الغورية.. دلهي عاصمة الدولة الإسلامية في الهند

ذكر الأستاذ الدكتور عبد العزيز الحميدي في كتابه «فتوح بلاد الهند»، أنه في الوقت الذي كانت تتجه فيه الدولة الغزنوية نحو الانهيار، كانت الدولة الغورية في جبال غور (في أفغانستان حاليًا) في طريقها إلى الازدهار. فقد زحف مؤسس الدولة «علاء الدين الحسين بن الحسن» بجيشه نحو غزنة، وتمكن من السيطرة عليها بعد فرار ملكها بهرام شاه. تمكن بهرام شاه من استرجاع ملكه مرة أخرى، ولكن بعد وفاته، تمكن علاء الدين من السيطرة عليها، وظلت في حكمه حتى وفاته، وبعد كر وفر بين ملوك وحكام، انتهت الدولة الغزنوية في غزنة نهائيًا عام 567هـ (1171م)، وأصبحت غزنة تابعة للدولة الغورية.

وعندما فر خسرو شاه ابن بهرام شاه من غزنة، واصل حكم الغزنويين للهند، وأصبحت لاهور عاصمة للدولة، وبعد وفاته، خلفه ابنه خسرو ملك وظل فيها حتى سيطر عليها الملك «غياث الدين» وأخوه «شهاب الدين أبو المظفر أحمد بن سام» عام 582هـ (1160م) ليبدأ عهد الدولة الغورية في الهند.

أطلال إسلامية في دلهي – مصدر الصورة: ترافيل جايد

استمرت فتوحات شهاب الدين في الهند، حتى تجمع ضده ملوك الهندوس وهزموه وجيشه عام 587هـ (1191م). في العام التالي، تمكن شهاب الدين من هزيمة ملوك الهند وقتل ملك أجمير، وجعل ابنه ملكًا على أن يدفع الجزية. وفي عام 589هـ (1193م)، تمكن نائب شهاب الدين «قطب الدين أيبك» من الاستيلاء على دلهي، وجعلها عاصمة الدولة الغورية الإسلامية في الهند.

تمكن قطب الدين وشهاب الدين من توسيع رقعة الدولة الإسلامية في الهند، فأصبحت تضم بنارس، وتهنكرا، وكواليار، ونهروالا. بموت غياث الدين عام 599هـ (1203م) أصبح شهاب الدين ملكًا على المملكة الغورية وشمال الهند من السند إلى البنغال الشرقية، واستمر ملكه حتى قُتل بعد ثلاث سنوات، كما ورد في كتاب «تاريخ الإسلام في الهند».

دولة المماليك.. ما بين استتباب الحكم وصد هجمات المغول

بموت الملك شهاب الدين، انتهى عهد الدولة الغورية في الهند، وبدأت صراعات الملك تشغل الغوريين في غزنة، بينما كان قطب الدين لا يزال يدير شؤون الحكم في الهند، وتمكن من إنشاء دولة مستقلة في الهند عام 602هـ (1206م) ليرسي قواعد حكم المماليك. خلال فترة حكمه القصيرة التي دامت أربع سنوات فحسب، تمكن قطب الدين من بناء العديد من المساجد، وأشهرها مسجد باسمه في أجمير، كما أسس منارة تعرف حاليًا باسم «قطب منار»، واستكمل بناؤها من جاؤوا بعده.

بعد موت قطب الدين، اتفق كبار رجال الدولة أن يتولى مملوكه «شمس الدين ألتمش» سلطنة البلاد، وكانت بعض البلاد قد ثارت على حكم دلهي بعد موت قطب الدين، فسار إليهم شمس الدين وأخضعهم مرة أخرى، وتوفي عام 633هـ (1235م) بعدما أكمل فتح الهند الشمالية، وتصدى للمغول، واستتب له الملك.

تاريخ

منذ سنة واحدة
السلطان «بلبن».. المملوك الذي حمى دلهي من مصير بغداد

بعد وفاة شمس الدين، تولت ابنته «رضية» الحكم لمدة أربع سنوات، وجاء من بعدها أخوها «محمود ناصر الدين» الذي كان يبلغ من العمر 17 عامًا آنذاك، وقد اختار ناصر الدين أحد مماليك أبيه ويدعى «بلبن» ليكون وزيرًا له، فتمكنا معًا من إخماد عدد من الثورات التي اندلعت في تلك الفترة، وكذلك، صد غارات المغول على البلاد، وقد ظل ناصر الدين في الحكم حتى توفي عام 664هـ (1266م)، لينتقل الملك إلى «غياث الدين بلبن».

لما تولى بلبن الملك، كان أول ما فعله القضاء على نفوذ «جماعة الأربعين»، وهم مجموعة من 40 مملوكًا يحيطون بالملك ويتلاعبون به، ثم بدأ بعد ذلك في التصدي لغارات المغول، وأخمد ثورة في البنغال. كذلك، أوى الأمراء وأبناء الملوك من تركستان وخراسان والعراق وفارس والشام، الذين فروا من هجمات المغول، وأحسن نزلهم، وبنى لهم أماكن مخصصة ومجهزة بصورة تليق بهم.

بعد وفاة بلبن عام 585هـ (1287م)، أصبح حفيده «كيقباد» بن بغراخان ملكًا على دلهي، إلا أنه كان منصرفًا عن أمور الحكم باللهو والخمور، حتى مرض وأصابه الشلل، فعين نائبًا له يدعى «جلال الدين فيروز الخلجي»، وكان مدعومًا من الأفغان ليتولى الحكم بعد موت كيقباد عام 689هـ (1290م).

دولة السلاطين الخلجية.. «إسكندر الثاني» لا يُهزم في المعارك!

بدأت دولة السلاطين الخلجية بتولي جلال الدين الخلجي السلطنة بينما كان في السبعين من عمره، وخلال فترة حكمه، قمع جلال الدين بعض الثورات، وغارات المغول، ولم يدم حكمه طويلًا، فقد لقى حتفه عل يد «علاء الدين» ابن أخيه وزوج ابنته عام 695هـ (1296م).

بعد أن قتل علاء الدين عمه السلطان، ذهب في جيشه إلى دلهي، واستولى على العرش، وسمل أعين ولدي عمه (كي لا يصح لهما تولي الحكم). وبرغم الدماء التي أسالها في سبيل جلوسه على العرش، فإن علاء الدين تمكن من توسيع رقعة المملكة بشكل لم تشهده من قبل، فضمت المملكة قلعة ديوكير، ومملكة الكجرات، ومملكة مهرات، وبهوبال، ومملكة جيتور، ومملكة تلينكانا، ومدينة هاليبيد، ومملكة الدكن التي لم يستطع ملك من قبله أن يدخلها، ولكثرة فتوحاته وعدم هزيمته في أي معركة، أٌطلق عليه لقب «إسكندر الثاني».

تعرضت الدولة في عام 704هـ (1304م) لهجمة عنيفة من المغول، حتى أنهم وصلوا إلى حدود دلهي، فتمكن علاء الدين من هزيمتهم، إلا أن الكثيرين منهم تفرقوا في ربوع البلاد واستوطنوها. ظل علاء طوال عام يلاحق هؤلاء المستوطنين ويطاردهم، حتى تمكن من القضاء على عشرات الآلاف منهم بعدما شكلوا خطرًا كبيرًا على المملكة.

قطب منار – مصدر الصورة: فليكر

وخلال فترة حكمه، كان يهتم بشؤون الرعية، ويراقب الأسعار، ويوفر الحاجات بثمن معتدل حتى لا يقع الظلم على المنتج أو المستهلك، كذلك، فقد امتلأت الخزائن بالذهب والفضة والجواهر، وظل في الحكم حتى وفاته عام 716هـ (1317م).

بعد وفاة علاء الدين، تمكن أفضل قواده ويدعى «كافور» من تنصيب الابن الأصغر لعلاء الدين ليتمكن من الانفراد بالسلطة، وسمل أعين (فقأ) باقي الأبناء إلا واحدًا يدعى «قطب الدين مبارك»، واغتصب أملاك أمهم وسجنها. وبالرغم من كل ما فعله كافور ليرسخ لحكمه، فإنه لم يدم أكثر من عدة أسابيع، فقد قتله عبدان مخلصان لعلاء الدين.

تولى قطب الدين مبارك الحكم عام 717هـ (1317م)، بعد عزل أخيه الأصغر وسمل عينيه، ولما علم باندلاع ثورة في الدكن، ذهب إليها وسلخ جلد قائدها. وبينما كان في الدكن، علم قطب الدين أن هناك من يريد تولية ابن أخيه ذي العشر سنوات، الحكم بدلًا منه، فمسك ابن أخيه من رجليه، وحطم رأسه بالحجارة، ثم بعث إلى إخوته في السجن من يقتلهم جميعًا وأطفالهم معهم. خلال فترة حكم قطب الدين، ضعفت الدولة، وضاعت هيبتها، واستمر في الحكم حتى قتله كبير وزرائه «خسرو خان» عام 721هـ (1321م).

تمكن خسرو خان من الحصول على البيعة، وأصبح الحاكم الجديد، وجمع نساء قطب الدين ووزعهن على الأشراف، كما كان مقربًا من الهندوس، لأنه كان هندوسيًا وأسلم، فوزع على أعوانه منهم من نساء قطب الدين، ولشدة قربه من الهندوس، حرم ذبح البقر مراعاة لهم، وسمح لهم بوضع الأصنام في المساجد، وانتهت حياة خسرو خان بعد أقل من عام لتوليه الحكم، بعدما قتله حاكم لاهور استجابة لرغبة الشعب.

الدولة الطغلقية.. حكمت الهند 100 عام ومؤسسها هزم المغول 29 مرة

بعد قتل حاكم لاهور «غازي ملك غياث الدين طغلق» لخسرو خان، انتقلت سلطة دلهي إلى طغلق، الذي كان من الأتراك القراونة سُكّان الجبال بين السند والترك. كان والده أحد غلمان السلطان بلبن، ولقب طغلق بالملك الغازي لأنه قاتل المغول 29 مرة، وهزمهم.

أسس طغلق شاه أسرة طغلق التي حكمت الهند حوالي 100 عام، فبعد توليه الحكم، عين ولده محمد وليًا للعهد. وتمكن طغلق من جعل البنغال تابعة للهند، وأثناء عودته إلى دلهي، دبر له ابنه محمد مؤامرة لقتله، ليتولى بذلك حكم الهند عام 725هـ (1325م).

مصدر الصورة: streettrotter

اشتهر محمد طغلق بمنح العطايا والأموال الطائلة وإنصاف المساكين، وعلى النقيض أيضًا عرف بسفك الدماء وارتكاب الفظائع، وكان أكثر ما يميز عصره، إعلان كل أمير استقلال مملكته والانفصال عن دلهي، فلم يبق لحكومة دلهي سوى البنجاب ودواب (الأراضي الواقعة بين دلهي ونهري جمنا وكنكاو)، كما تعرضت البلاد في ظل حكمه إلى مجاعة كبرى سببت الكثير من المتاعب للشعب.

بعد وفاة محمد طغلق متأثرًا بالحمى عام 752هـ (1351م)، لم يترك من بعده ذرية لتولي العرش، ولذا، اجتمع كبار رجال الدولة والأمراء، واتفقوا على أن يكون «فيروز شاه» ابن عم محمد طغلق وأحد المخلصين له ومرافقيه في أيام مرضه سلطانًا للبلاد. أخذ فيروز شاه يصلح ما أفسده ابن عمه، فأعفى المزارعين من الديون، وخفف الضرائب، وألغى نظام الإقطاع. وخلال فترة حكمه، اتجه فيروز شاه إلى المشاريع العمرانية، فحفر الترع والآبار، كما بنى المساجد والمدارس والقبور والمستشفيات، وأقام القناطر والحدائق، كما أنشأ مدينة فيروز أباد بالقرب من دلهي.

توفي فيروز شاه عام 730هـ (1388م)، وتمكن ابنه محمد من الفوز بالحكم والاستمرار حتى وفاته عام 796هـ (1394م)، ليأتي من بعده ابنه إسكندر الذي توفي قبل أن يكمل شهرين في الحكم، فذهب الحكم بعد ذلك إلى محمود بن محمد بن فيروز، لكنه هرب إلى مالوا بعد هجوم تيمور لنك على الهند عام 801هـ (1399م).

كان تيمورلنك من المغول المسلمين، ووضع صبغة دينية على دخوله الهند، وتمكن من دخول البنجاب، وبعدها قدم إلى دلهي، وتمكن من الاستيلاء عليها دون عناء، بعدما فر سلطانها ووزيره إلى مالوا. تعرضت دلهي إلى غارات النهب والقتل والتدمير، ولم ينج إلا حي الأشراف والسادات بسبب مركزهم الديني. بعد 15 يومًا خرج تيمور من دلهي متجهًا إلى عاصمة مملكته «سمرقند»، وهنا تمكن السلطان محمود ووزيره من العودة إلى السلطنة، توفي السلطان محمود عام 815هـ (1412م) لتنتهي صفحة الدولة الطغلقية في الهند.

من السادات إلى اللوديين.. الانتصارات والهزائم تتوالى في دلهي

تمكن «خضر خان» من تأسيس أسرة حاكمة لدلهي عرفت باسم أسرة السادات، واستمر حكمها نحو 37 عامًا، وادعى أثناء تأسيسها أنه جلس على العرش نائبًا عن تيمور. اتسمت فترة حكم الأسرة بكثرة الفتن والثورات، واستقلت أطراف المملكة، وتقلص نفوذ دلهي، حتى فقد ملوكها هيبتهم، وضاعت أملاكهم. وتوالى على حكم دلهي أبناء وأحفاد خضر خان حتى انتهى حكم أسرة السادات على يد «بهلول لودي» عام 855هـ (1451م) ليبدأ حكم أسرة لودي.

ضريح غياث الفقراء في الهند

أثناء توليه حكم لاهور، رأى بهلول لودي ما تعانيه أسرة السادات من ضعف في دلهي، فزحف إليها وفرض سيطرته وأسس أسرة حاكمة جديدة، وبايعه الأفغان، وتمكن من البقاء في الحكم 37 عامًا تمكن خلالها من جعل لاهور والولايات التي كان يحكمها تابعة له، كما ضم مملكة جونبور الموجودة في شرق الهند، وتوسع جنوبًا إلى وسط الهند، وتمكن من إعادة دلهي إلى مكانتها ونفوذها. بعد وفاة بهلول لودي، خلفه ابنه «إسكندر شاه اللودي»، الذي تمكن من التوجه شرقًا وتجاوز بنارس، وتوفي عام 923هـ (1517م)، فتولى من بعده ابنه «إبراهيم اللودي» الحكم، وشهدت المملكة استقلال الكثير من الولايات.

ثار حاكم لاهور «دولت خان اللودي» ضد إبراهيم اللودي، وطلب العون من الحاكم التيموري «ظهير الدين محمد بابر» الذي كان يحكم كابل وما حولها في غرب الهند، فاستجاب بابر، وسار بجيشه نحو دلهي، وهزم إبراهيم اللودي، وقتله عام 932هـ (1526م) لتبدأ دولة المغول.

جلال الدين أكبر.. دولة المغول تبلغ أقصى مجدها واتساع رقعتها

بقتل إبراهيم اللودي، تمكن بابر شاه من تأسيس الإمبراطورية المغولية التي تمكنت من البقاء لمدة تجاوزت ثلاثة قرون، اعتلى خلالها العرش 17 حاكمًا. استمر بابر في الحكم لمدة خمس سنوات استطاع خلالها إجراء الكثير من الإصلاحات الداخلية من حفر للترع، وغرس للأشجار، وتنظيم الضرائب. في فترة حكم بابر، كانت هناك دول إسلامية مستقلة في الكجرات ومالوا والدكن وجونبور والبغال والسند، كما كان البرتغال قد بدأوا في تأسيس مستعمراتهم على الشواطئ.

بعد وفاة بابر، أصبح ابنه همايون شاه إمبراطور المغول، وتمكن خلال فترة حكمه من السيطرة على جونبور، والبنغال، وكجرات ومالوا، إلا أنه أثناء تلك الفتوحات خسر كثيرًا من بلاده بعدما سيطر عليها «شير خان» المدعوم من الأفغان. ظل همايون في كر وفر، حتى لاقى الهزيمة عام 947هـ (1540م)، وهرب حتى لجأ إلى إمبراطور إيران الذي أكرمه وأحسن ضيافته.

في تلك الفترة أصبحت الهند في قبضة شير خان بعدما سيطر على دلهي وأكرا وأصبح اسمه «شير شاه السوري»، واستمر في حتى موته عام 952هـ (1545م). تولى بعد ذلك ابنه «سليم شاه» الملك، وتابع الإصلاحات التي بدأها أبوه في الطرق وتنظيم الجيش وتنظيم شؤون الملك حتى مات عام 961هـ (1554م).

جاء إلى الحكم بعد ذلك فيروز بن سليم شاه بينما كان صغيرًا، فقتله خاله «محمد عادل شاه» ليستولي على حكم البلاد. وحين انشغل الحاكم في الثورة التي قامت في البنغال، بدأ الجميع يظهرون أطماعهم في السيطرة على دلهي وأكرا، حتى أن همايون قد عاد على رأس جيشه، وتمكن من تحقيق الانتصار، لتصبح الهند إمبراطورية مغولية مرة أخرى عام 962هـ (1555م).

جلال الدين أكبر – مصدر الصورة: نيو إنديان إكسبريس

ما لبث همايون أن توفي في العام التالي، ليحل محله ابنه «جلال الدين أكبر» ولم يكن قد أتم 14 عامًا من عمره بعد، فأصبح «بيرم خان» وصيًا عليه ونائبًا عنه في أمور السلطنة، حتى بلغ أكبر سن الرشد عام 967هـ (1560م). ولحداثة عمره، خرج عليه الكثير من القادة والحكام، إلا أنه تمكن من التصدي لهم. تمكن أكبر من فتح القلاع وضم المدن، كما خضعت له كجرات والدكن عام 980هـ (1572م)، وتمكن من ضم كابل والبنجاب، وبعدها البنغال، كما أتم فتح كشمير وصارت إحدى ولاياته عام 995هـ (1586م)، ثم السند وقندهار وأوريسة عام 1001هـ (1592م).

تمكن أكبر من توسيع رقعة ملكه لتشمل الهند الشمالية والوسطى، والبنغال شرقًا وأفغانستان غربًا، فيما تمكن بعد خوض الكثير من المعارك، من إخضاع خانديس وأحمد نكر، بينما لم يتمكن من فرض سيطرته على بيجابور وكولكندة الإسلاميتين. توفي أكبر عام 1014هـ (1605م) بعد حوالي 50 عامًا في الحكم، أخضع خلالها شبه القارة الهندية إلا الممالك الجنوبية.

أكثر ما كان يميز فترة حكم أكبر أنه لم يفرق بين الأديان المنتشرة في الهند، فقد تزوج من هندوسية، وبعد عدة سنوات تزوج من بعض أميرات الراجبوت، وكان هناك زعماء هندوس ضمن لهيئة الحاكمة، وألغى الجزية وجعل ضريبة الأراضي هي الضريبة الأساسية.

أراد أكبر أن يجمع الأديان كلها تحت دين جديد أطلق عليه «الدين الإلهي»، و أنشأ ديوانًا خاص أطلق عليه «بيت العبادات»، وجمع فيه رجال الديانات المختلفة، وكلفهم بانتقاء الدين الجديد على أن يكون خليطًا من كل الأديان يجمع أفضل ما فيها، وتتلخص أصوله في توحيد الله، وتضم طقوسه بعض الأسس المستمدة من الهندوسية والزرادشتية.

بعد موت أكبر، جلس ابنه «نور الدين جهانكير» على العرش، ولكنه واجه تمرد ابنه خسرو في البنجاب، وثورة أخرى في أحمد نكر. ظل جهانكير يحاول إخضاع أحمد نكر، حتى تمكن من عقد الصلح عام 1025هـ (1616م)، وذلك في الوقت الذي أرسل في تعقب ولده خسرو، حتى تمكن من إلقاء القبض عليه وإيداعه السجن حتى مات.

بعد وفاة جهانكير، جلس مكانه ابنه شاهجهان، ولكنه واجه ثورة في مالوا وأخرى في شمال الدكن، إلا أنه تمكن من فرض سيطرته. في تلك الآونة، كانت مملكتا بيجابور وكولكندة لا تزال مستقلتان، إلا أن شاهجهان أراد أن يضمهما ويخضعهما لحكمه، ليكف ملك المملكة الأولى عن مساعدة وإيواء كل من يثورون على شاهجهان، ويكف ملك المملكة الثانية عن سب الصحابة والخلفاء الراشدين.

بدأت سيطرة شاهجهان تظهر على المملكتين الجنوبيتين بعدما وافق ملك كولكندة على الكف عن سب الخلفاء والتعهد بذكر اسمه في الخطبة بدلًا من شاه إيران، كما خضع ملك بيجابور، وتعهد بدفع الخراج للمغول. وفي عام 1047هـ (1637م)، ترك شاهجان أمر إدارة الدكن في الجنوب لابنه أورنكزيب.

عين شاهجهان ابنه داراشيكوه وليًا للعهد، وعندما مرض شاه جهان مرضًا شديدًا عام 1657، استولى دارا على الفور على مقاليد الحكومة وأقام في دلهي. ولكن هذا التصرف لم يرض أبناء شاهجهان الآخرين، وتمكن أورنكزيب في النهاية من الفوز بالحكم، واستطاع أن يحافظ على إمبراطورية المغول لما يقرب من نصف قرن.

تمكن أورنكزيب من إخضاع بيجابور عام 1096هـ (1685م) لتصبح من أملاك المغول، كما سقطت كولكندة بعد حصار ثمانية أشهر لتصبح ضمن أملاك دولة المغول بعد إسقاط بيجابور بعامين.

تاريخ

منذ سنة واحدة
السلطان أورنكزيب.. سادس الخلفاء الراشدين أم متطرف حكم الهند؟

أراد أورنكزيب ان يحكم البلاد وفقًا لمبادئ الشريعة الإسلامية، فأصدر الكثير من القرارات، وألغى العمل بالنظام الشمسي، وأعاد منصب المحتسب الذي يعد رقيبًا على الأخلاق، كما ألغى بعض الممارسات غير الإسلامية مثل تقليد «جهاركا إيدارا شام» الذي بدأ العمل به أثناء حكم شاهجهان، وفيه يظهر الإمبراطور كل صباح في شرفته لينحني إليه الجماهير والمارة لتقديم الولاء والطاعة، وهو ما أعده أورنكزيب مخالفًا للشريعة الإسلامية.

بعدما توفي أورنكزيب عام 1118هـ (1707م)، تحارب أبناؤه للفوز بالعرش، وبدأت الدولة في الضعف والتفكك، حتى وصل إلى عهد الإمبراطور عالمكير الثاني (1754/ 1759 م) الذي لم يتعد حكمه حد العاصمة، وكانت الأقاليم الأخرى في صراع ونزاع هي الأخرى على تولي الحكم. ثم جاء فيما بعد، «شاه عالم» إلى الحكم، ولم تكن له أي شخصية في الحكم، وأصبح تحت حماية الإنجليز الذين دفعوا له راتبًا شهريًا على أن يتولوا إدارة شؤون البلاد نيابة عنه

كان أطراف النزاعات يستعينون في نزاعاتهم وصراعاتهم بالشركات الأوروبية، واستغلت الشركة الإنجليزية الضعف المستشري في البلاد، وأخذت في الاستيلاء على الكثير من الأراضي الهندية كما قضت على الشركتين الفرنسية والهولندية، وكانت معركة بلاسي عام 1757 التي هُزم فيها البنغاليون على أيدي الإنجليز بداية للاستعمار البريطاني في الهند.

بعيدًا عن القلب.. دول إسلامية أخرى قامت في الهند

في السطور السابقة، تحدثنا عن دولة الإسلام في دلهي، والتي تأرجحت بين السيطرة والانتصارات وضم الولايات إليها، وبين الضعف واستقلال الأطراف ونشأة دول مستقلة عن دلهي، وما أن يأتي على دلهي سلطان قوي، حتى يعيدها مرة أخرى إلى تبعية دلهي، وذلك بحسب الروايات التاريخية، ومن أشهر هذه الدول: دولة الكجرات، ودولة الدكن، ودولة البنغال، ودولة جونبور، ودولة مالوا.

أثناء حكمه، فقد محمد طغلق حوالي ثلاثة أرباع الولايات التي كانت تحت حكمه، وأعلن أمراؤها الاستقلال، وأعلن أمير الدكن «علاء الدين البهمني» استقلالها، وتأسست الدولة البهنمية الإسلامية في الدكن عام 748هـ (1347م)، وظلت الدولة مستقلة حتى عظم قدر دولة المغول وقويت، فتمكنت من ضمها عام 1098هـ (1686م) في عهد الإمبراطور أورنكزيب.

وفي عام 810هـ (1407م)، أعلن ظفر خان استقلال الكجرات، وجاء من بعده حفيده أحمد شاه الذي أسس مدينة أحمد أباد لتكون مقرًا للحكم، وتوالى عليها الملوك حتى محمود شاه الذي تمكن من فتح القلاع والحصون وتوسيع رقعة ملكه، ولكن في عهده تمكن البرتغاليون من السيطرة على سواحل الكجرات. توالى الحكام على الكجرات حتى «بهادر شاه» الذي تمكن من توسيع رقعة ملكه، إلا أن البرتغاليين تمكنوا من خداعه وقتله عام 943هـ (1537م). تهاوت المملكة من بعد بهادر حتى تمكن الإمبراطور المغولي «جلال الدين أكبر» من الاستيلاء عليها عام 978هـ (1572م).

مصدر الصورة ويكيبيديا

ما بين الكجرات والدكن وأكرا، وُجِدت سلطنة مالوا، التي كانت تتبع سلطان دلهي، وما إن دخل تيمور دلهي، حتى هرب السلطان محمود إلى مالوا، واختبأ هناك حتى رحل تيمور وجنوده، فعاد مرة أخرى إلى دلهي. كان دلاور خان غوري هو حاكم مالوا الذي استقبل السلطان محمود، والذي رأى أن تبعيته لدولة أصابها الضعف والهلاك بعد غزو تيمور، أمرًا غير مقبول، فأعلن استقلاله، وتأسيس أسرة جديدة في مالوا.

بعد وفاة دلاور خان عام 808هـ (1405م)، تولى من بعده ابنه ثم حفيده، وتأسست بعدهما أسرة خلجي على يد «محمود الخلجي» عام 839هـ (1436م)، وقد ظل محمود الخلجي في الحكم 34 عامًا، وتولى من بعده ابنه «غياث الدين»، ثم «ناصر الدين» و«محمد الثاني الخلجي». وفي عام 937هـ (1531م)، انتهت الأسرة الخلجية في مالوا، وانضمت البلاد إلى حكم كجرات.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد