في تسعينيات القرن الماضي انتشر الزي الياباني التقليدي (كيمونو) كأحدث صيحات الموضة، ليس في اليابان فقط، ولكن في العالم، بعد أن اعتادت دور صناعة الأزياء والموضة إعادة إنتاج الماضي بما يتوافق بصورة عصرية أكثر زُهوًّا، وهو ما حدث عندما اختارت دور الأزياء النُسخة الأحدث من الكيمونو لتقدّمه كموضة الموسم، بألوان أكثر زُهوًا اعتاد عليها الكيمونو أصلًا.

ولم تكن تلك المرّة الأولى التي يُطرح فيها الزي الياباني التقليدي باعتباره أحدث صيحات الموضة. تكرر الأمر قبل ذلك مع بداية السبعينيات. وبالجملة فإنّ الزي الياباني التقليدي يمتاز عن غيره من الأزياء التقليدية حول العالم، باعتباره إرثًا أصيلًا يُعبّر عن تاريخٍ طويل من الحضارة اليابانية.

الاعتزاز الياباني التقليدي بالكيمونو تُعبّر عنه المعارض والمتاحف المُخصصة له، فضلًا عن التصريحات الرسمية، ومن بينها تصريح لدبلوماسي ياباني في 2008، أكّد فيه على أنّ الكيمونو هو جزء أصيلٌ “لا يتجزّأ من الثقافة اليابانية”، بل “يُعبّر عن طريقة حياة ومعيشة المجتمعات اليابانية”.

والحقيقة أن تصريحات السيد ماساتوشي ميوتو، سفير اليابان في الكويت عام 2008؛ صحيحة إلى حدّ بعيد، بل رُبما يتجاوز الكيمونو وصفه كجزء أصيل من الثقافة اليابانية، إلى اعتباره شاهدًا على تاريخ الأمّة اليابانية – تقريبًا – منذ مهدها وإلى الآن!

هل «كيمونو» هو ما نعتقده أصلًا؟

كلمة كيمونو في اللغة اليابانية تعني الملابس عمومًا. لكن مع الانفتاح الياباني على العالم بعد قرون من الانعزال، باتت الكلمة تُشير تحديدًا إلى الملابس التي تُمثّل الزي الياباني في مُقابل الأزياء الغربية الواردة من الخارج.

رُغم ذلك، لا تزال بعض الاستخدامات لكلمة كيمونو للإشارة للملابس عمومًا؛ حاضرةً في المجتمع الياباني، بخاصة وأن تصريفات الكلمة في اليابانية تُستخدم مع أفعال ارتداء الملابس وتغطية الجسد. لذا فإن عددًا من المُختصين في اللغة اليابانية يُفضلون توضيح سياق استخدام كيمونو للتعرف على مدلولها تحديدًا، رغم أنّ الشائع في العالم استخدام الكلمة للإشارة إلى الزي الياباني بشكل عام.

ويُشار إلى أنّ الزي الياباني ليس واحدًا على مر التاريخ أو حتى في الفترة الحالية. لكن يُمكن القول إنّه مجموعة من الأزياء المُتشابهة إلى حدّ بعيد والمُختلفة في بعض التفاصيل. لكل زيّ منها استخدام، ولإنتاجه قِصة خاصة تُرافق تاريخ البلاد وأبرز أحداثها.

الزي الياباني شاهدٌ على العصر القديم

الأُسطورة اليابانية تقول إنّ أوّل أباطرتهم البشر يأتي من نسل آلهة الشمس الذين حكموا الأرض منذ زمنٍ غير معلومٍ على وجه الدّقة. الصورة المُتخيلة الأقدم لهذا الإمبراطور والذي يُدعى جينمو، تُظهره مُرتديًا زيًا قريب الشبه من الكيمونو، لكنّه ليس هو نفسه.

صورة تخيلية للإمبراطور جينمو

على كُل حال، فإن أسطورة جينمو ليست سوى الميثولوجيا اليابانية حول نشأة العالم. أمّا الواقع العلمي فله رأيٌ آخر، يبدأ مع ما يُعرف بفترة جومون المُتزامنة مع بداية العصر الحجري الوسيط، أي قبل نحو 8 آلاف عام قبل الميلاد. بداية تلك الفترة سكن اليابانَ شعبُها الأول المعروف بشعب الآينو. وبحسب الحفريات فإنّ الزي المُستخدم في تلك الفترة كان مصنوعًا من الأصداف ومواد حجرية يُرجّح أنها من الخزف لاشتهار تلك الفترة بصناعة الخزف بشكل عام.

اقرأ أيضًا: أين ذهب السكان الأصليون لليابان؟

ووفقًا لبعض النماذج الخزفية المنتمية لذلك العصر، فيُرجّح أنّ الزي التقليدي وقتها كان مكوّنًا من قطعة واحدة تغطي الجسد كاملًا حتى الكاحلين. بعض باحثي الآثار يُرجحون أيضًا أن يكون أوّل استخدام للألياف النباتية في صناعة الملابس اليابانية، تزامن مع نهايات تلك الفترة التي أعقبتها فترة يايوئي التي شهدت دخول الزراعة لليابان فيما يُرجّح أنها جاءت من الصين.

الصورة على اليسار تخيّل للزي في عصر جومون وفقًا للنموذج الخزفي على اليمين والذي لنفس العصر

دخول تقنية الزراعة أحدث تغيّرًا في نمط الحياة اليابانية، حتى أنّ المُؤرخين يعتبرون أن فترة يايوئي أحدثت قطيعة حضارية مع فترة جومون السابقة لها. وبالطبع تأثّرت اليابان بالصين التي كانت لها علاقات قويّة معها على مر فترات طويلة من التاريخ بداية من ذلك العصر. وبرز ذلك التّأثر في الملبس قطعًا.

أصبح الزي عبارةً عن قطعة واحدة مُكوّنة من شقين يُربطان بشريطة أو حزام. بالنسبة للنساء كانت الملابس طويلة تصل للكاحلين، أما الرجال فكانت أقصر قليلًا ويُرتدى تحتها بنطالٌ ضيق عند الكاحلين. وُيرجّح أن تلك الفترة أيضًا شهدت تطورًا في خامة الملابس، التي يُعتقد أنّ بعضها صُنع من الحرير.

وأقرب النماذج الحالية لزي تلك الفترة، هي الملابس التقليدية لشعب الآينو التي يرتديها أبناؤه في بعض المُناسبات. وسبب ذلك عائدٌ – غالبًا – إلى أنّ الآينو هُم السكان الأصليون لليابان. ومع محاولاتهم الحثيثة الحفاظ على تُراثهم في وجه المُحاولات اليابانية الرسمية بالتنكّر لهم؛ حافظ الآينو على هيئة زيّهم الأصلي الأقدم. لكن أيضًا لابد من الوضع في الاعتبار التغيرات التي حدثت بمرور الوقت على هذا الزي، وإن عُد النموذج الأقرب لزي فترة يايوئي.

مجموعة من الآينو يرتدون زيّهم التقليدي عام 1902

النظام الطبقي المُرتحل من الصين إلى اليابان

توسّع نفوذ التأثير الصيني على اليابان في فترات لاحقة على دخول تقنيات الزراعة ثُم صناعة الغزل والنسيج وغيرهما؛ ليمس التأثير بشكل مُباشر البُنية الاجتماعية في اليابان التي تغيّرت قطعًا مع التطور الذي حدث في البناء الاقتصادي.

في فترة أزوكا الممتدة ما بين أواخر القرن السادس الميلادي وأوائل القرن الثامن؛ شهدت اليابان مزيدًا من التوجه نحو الصين على عدّة مُستويات، انطوت في البداية على علاقات تُجارية واسعة، لتنتقل لمرحلة استعارة النظام الاجتماعي الطبقي. كذلك تُعتبر تلك الفترة البداية الحقيقة لنشأة الدولة اليابانية التي اعتمدت كذلك نظامًا بيروقراطيًا شبيهًا بالنظام الصيني، كما أنّ مُعتقدات صينية دخلت للبلاد، كالبوذية والكونفشيوسية على يد الإمبراطور شوتوكو تائيشي.

الإمبراطور تائيشي وضع أوّل نظام طبقي للمجتمع الياباني، مُتأثّرًا بالتعاليم البوذية والكونفشيوسية. هذا النظام رَتّب وحدد الرُتب والألقاب الممنوحة لأبناء كل طبقة وممثليها داخل البلاط الإمبراطوري. النظام الذي عُرف بالمراتب الاثنتي عشرة (كاني جونيكاي) حدد أيضًا شكل ولون زيّ كل طبقة من تلك الطبقات.

اقرأ أيضًا: كيف ساهم كونفوشيوس الحكيم في تطويع السيف الياباني؟

ورغم أنّ ألوان تلك الأزياء غير معلومة على وجه الدقة، لعدم وجود مصادر تاريخية مُوثّقة تُعددها، إلا أنّ هيئة الزي المُنتشر بين العامة على الأقل، صوّرته لوحة جُدارية تعود لتلك الحقبة. تبدو الملابس في تلك اللوحة – غير الواضحة إلى حدٍ ما – مُختلفة بنسبة كبيرة عما كان عليه الزي الياباني قبل ذلك، إذ تتكون من قطعتين مُنفصلتين. الأولى تُغطّي الجزء العلوي من الجسد ومكونة من شقين يُربطان بحزام، مع أكمام واسعة. القطعة الأولى تصل إلى الركبة تقريبًا، وتنسدل من تحتها القطعة الثانية التي تغطي الجزء السفلي إلى القدمين.

بالإضافة لهذه اللوحة، ثمة لوحات تُصوّر الإمبراطور تائيشي، فضلًا عن تمثال من البرونز صوّره على هيئة بوذية. اللوحات أغلبها حديثٌ نسبيًا، بالإضافة إلى أن التمثال كما ذكرنا صوّره على هيئة بوذية بشكل واضح، ما يجعل من الصعب التأكد من أنّ الأزياء التي يرتديها تائيشي في اللوحات أو في التمثال، تعود بالفعل لذلك العصر أم لا.

لوحة جدارية لفتيات يرتدين الزي التقليدي من فترة أزوكا (يمين) وتمثال الإمبراطور تائيشي (يسار)

هذا، وتعد تلك الفترة البداية لارتباط الكيمونو بالتاريخ الياباني الرسمي، فلم تعد الملابس في اليابان مُذاك مُجرد أداة أو وسيلة لتغطية الجسد، بقدر ما عبّرت عن نظام اجتماعيّ مُتكامل. كرّس لذلك لاحقًا ما عُرف بدستور يورو الذي وُضع في العقد الثاني من القرن الثامن الميلادي، في فترة عُرفت باسم نارا.

المُثير للاهتمام، أن الزي الياباني التقليدي يكشف لنا – مع غيره من الأمور – هوسَ اليابانيين بقضية الأمة الواحدة المُتجانسة والراقية. يتضح هذا من اهتمام أباطرة اليابان بتنظيم كُل شيء بما في ذلك الأزياء كما هو الحال في نظام المراتب الاثنتي عشرة، وكذلك في دستور يورو الذي شمل نصوصًا تُنظّم الأزياء وفقًا للمناسبات، بحيث أصبحت كل مُناسبة لها زيّها الخاص بها. النصوص أيضًا حددت أشكال الأزياء بين العاملين في البلاط الإمبراطوري، كما أنّها حددت الأزياء وفقًا للطبقة الاجتماعية المُرتبطة غالبًا بشكل العلاقة بينها وبين القصر الحاكم.

فك الارتباط مع الصين.. عندما أصبح الكيمونو يابانيًّا خالصًا

مع حلول مُنتصف القرن العاشر، تقطّعت بالتدريج أواصر العلاقات بين الصين واليابان بإلغاء الأخيرة لعلاقاتها الدبلوماسية مع الصين، الأمر الذي حدّ من التأثير الصيني على اليابان مُجتَمعًا ودولة، لتتشكل في المُقابل ثقافة يابانية أصيلة ومُتفرّدة ظهرت آثارها على الكيمونو.

بعد فترة طويلة من تأثر الكيمونو بالأزياء الصينية، خرجت تلك الفترة الزمنية بأوّل تصميم ياباني أصيل للكيمونو يختلف بشكل كبير عن الأزياء الصينية. ذلك التصميم لا يزال استخدامه حاضرًا إلى الآن في مُناسبات البلاط الإمبراطوري.

ولي عهد إمبراطور اليابان الحالي يرتدي أوّل تصميم ياباني أصيل للكيمونو في حفل زفافه

هذا التصميم للكيمونو اقتصر ارتداؤه وقتها على أفراد الطبقة الحاكمة. وكما هو واضح، يتّسم هذا التصميم بالتعقيد، إذ إنّه مكوّن من 12 طبقة من القماش الحريري. لكل طبقة لون مُختلف عن الأخريات، فيما يبلغ وزنه حوالي 20 كيلوجرامًا، ما يجعل ارتداؤه أمرًا صعبًا ومُرهقًا، لذا لم يتنشر كثيرًا بين العامة.

في الوقت نفسه ظهر زيّ شعبي على نقيض الزي السابق، لما امتاز به من البساطة في التصميم والألوان. هذا الزي المسمى سويكان، يتكون من طبقتين: الأولى لتغطية الجزء العلوي من الجسد، مع أكمام واسعة. والثانية لتغطية الجزء السفلي من الجسد وحتى أسفل الركبة. لم يشتمل هذا الزي على أي ألوان أو قطع إضافية، فقط اللون الأبيض، مع بعض التطريز الخفيف على الأكمام. أما بالنسبة للنساء، فكان يصبغ بلون واحد سائد.

السويكان النسائي يُصبغ بلون واحد، ويظل الرجالي باللون الأبيض

وبين العامة الذين ارتدوا السويكان والحُكام الذين ارتدوا زيًا يصل وزنه إلى 20 كيلوجرامًا؛ ارتدى المحاربون والنبلاء زيًّا وسطًا يميل أكثر للبساطة، وهو زي هيتاتاره. وتعددت الألوان المستخدمة في زي هيتاتاره ما بين لون واحد سائد وألوان مُتداخلة.

هذه الأنواع من الكيمونو التي شهدها عصر ما بعد فك الارتباط مع الصين، تُمثّل الأصول لمختلف الأشكال اللاحقة من الزي الياباني الذي تغيّر شكله عدّة مرات وفقًا للظروف التي تمرّ بها البلاد. مع بقاء الأشكال القديمة في ذاكرة المُجتمع، وفي المُناسبات الخاصة.

هيتاتاره، زي المحاربين والنبلاء

غُربة الكيمونو في العصر الحديث

بعد فترة فك الارتباط مع الصين، دخلت اليابان عهدًا جديدًا، وهو عهد “العُزلة اليابانية” بعد أن وضع الشوجونات (الحكام العسكريون) أيديهم على الحكم. شهدت هذه الفترة تأسيسًا صلبًا للدولة اليابانية، وتقسيمًا أكثر تمايزًا بناءً على الطبقة. كما شهد أيضًا تصاعدًا للمنظومة الأخلاقية اليابانية المتفردة التي استقت أسسها من عدة روافد، منها مبادئ الكونفشيوسية وبوذية الزن، ومنها الحس القومي الياباني الذي تكرّس في تلك الفترة مع الانعزال عن العالم.

فيما يخص الزي الياباني، فقد تأثر بتلك التطورات؛ حيث ظهر الزي البسيط المُعبّر عن روح الكونفشيوسية، والذي عُرف بالهاكاما. وهو زي مُكوّن من قطعتين بسيطتين جدًا. الأولى هي العلوية والتي تدخل أطرافها تحت السفلية.

في المُقابل ظهر كاميشيمو والزي المُستخدم في حفلات الشاي، وكلاهما يُمثّل الجنوحَ نحو الفخامة ومزيدًا من التكلّف الذي تُعبّر عنه أيضًا طقوس حفلات الشاي المعروفة بالسادو.

زي هاكاما (يمين) وكاميشيو (يسار)

في العصر الحديث، وبعد انفتاح اليابان مرة أخرى على العالم؛ دخلت الأزياء الغربية وانتشرت بكثرة، بل إن الإمبراطور ميجي فرض على موظفي الحكومة ارتداء الملابس الغربية، في محاولة منه لإيصال رسالة إلى الغرب تُفيد بانفتاح اليابان وسعيه نحو التقدم والتطور.

وبالإضافة إلى ما يُمكن تسميته بغزو الملابس الغربية للأسواق اليابانية، شهد الزي الياباني تغيّرات رافقت عدّة أحداث هامة مثل زلزال عام 1923 الذي راح ضحيته أكثر من 100 ألف إنسان. بسبب الزلزال خرجت دعوات إلى تبسيط ملابس النساء تحديدًا لتسهيل حركتهن، إذ بدا أنّ الكيمونو التقليدي تسبب في تقييد حركة النساء ما أدى لزيادة أعداد الضحايا بينهن.

تكرر الأمر أيضًا عقب الحربين العالميتين الأولى والثانية، اللذيْن كان لهما أثر في إدخال تعديلات على الزي التقليدي، فظهرت أزياء أخف وأقل تكلفة وأكثر عملية، مُعبّرة عن أجواء الحرب من ناحية، وعن روح العمل الجاد لبناء البلاد، من ناحية أخرى.

في العقود الأخيرة قلت نسبة ارتداء الكيمونو بشكل كبير، حتى أنّ أعدادًا كبيرة من المحال المختصة ببيعه قد أغلقت بسبب الخسائر الفادحة التي مُنيت بها، بعد اتجاه أغلب اليابانيين إلى ارتداء الأزياء الغربية. ووفقًا لدراسة أعدت عام 2011 فإن أقل من 40% هم من يمتلكون الكيمونو في اليابان، رغم أنّ العديد من المناسبات والتقاليد اليابانية تعتمد في إقامتها على ارتداء أنواع الكيمونو المختلفة.

اقرأ أيضًا: الصعيدي الذي كاد أن يتسبب في إسلام إمبراطور اليابان!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد