يلتفت هذا الرجل يمينًا ويسارًا؛ باحثًا عن شخص يسير جواره بالطريق، قد يتعرف على ملامحه ويوشي به لزملاء عمله أو أحد أفراد أسرته، ويفضح سره الذي يخطو إليه بحذر وحماسة أيضًا، ورغم الخوف والقلق؛ يمد الخطى تجاه المتعة المنتظرة، والعاهرات رخيصات الثمن اللواتي لا تعاني واحدة منهن مرضًا جنسيًا قد ينتقل إليه يقتله أو حتى يفضحه، وعلى الرغم من أن الشارع الذي يسير إليه مرخصًا من القانون وترعاه الدولة؛ إلا أن المجتمع في هذا البلد لا زال يصم الشارع وعامليه ورواده بوصمة الفجور.

نحن لا نتحدث عن «حي الدعارة» الشهير في أمستردام، ولا عن أي بلد أوروبي، بل الحديث عن حي «عبد الله قش»، الحي الذي يحتوي على آخر بيوت للدعارة المرخصة قانونيًا في تونس، والعالم العربي بأكمله.

«أينما وجد الجنود يكسب القوادون».. كيف أصبح الجنس سلاحًا وأداة ضغط سياسي؟

المهنة عاهرة.. «هل تعمل الدولة في تونس عمل القواد؟»

تعتبر تونس هي البلد العربي الوحيد الآن الذي يملك على أراضيه بيوت دعارة مُرخصة، تخضع فيها العاهرات للرقابة الصحية المشددة والرقابة الأمنية أيضًا؛ بغرض توفير الحماية للعاملات بالجنس من الرجال الذين قد يتعرضون لهن بأذى أو يرفضون دفع المبالغ المستحقة عليهم مقابل المتعة التي قُدمت إليهم في بيت الدعارة.

في المقابل، على العاهرات في تونس دفع الضرائب للدولة التي تنظم عملهم وتحميهم وتشرف على رعايتهم الصحية، ولكن بعد دفع الضرائب لا يتبقى للعاهرة سوى مبالغ ضئيلة للغاية، ولذلك – وعلى الرغم من ترخيص الدعارة في تونس – هناك بيوت دعارة غير قانونية، وقد تتعرض المرأة التي تعمل في هذه البيوت، أو تعمل بشكل حر في الطرقات، للسجن أو لدفع غرامة مالية كبيرة لا تقدر على توفيرها من الأساس.

عاهرة تمتهن الدعارة

ولذلك يرى العديد من نشطاء حقوق المرأة أن العاهرات في تونس يعشن بين شقي الرحى، فإما يعملن في بيوت الدعارة المرخصة عملًا شاقًا لا تتاح فيه الإجازات إلا أيام زيارة الدورة الشهرية لكل منهن، وإما أن يعملن بشكل حر ويتعرضن للسجن أو الإفلاس.

وفي الوقت الحالي ليست العاهرة غير القانونية فقط هي من تتعرض لخطر الإفلاس، بل العاهرة المرخصة أيضًا، خاصة بعد إغلاق الكثير من بيوت الدعارة المرخصة في تونس، إذ حدث ذلك هذا أثناء أحداث الثورة التونسية والتي اندلعت في نهاية عام 2010؛ عندما وجد المتشددون الرافضون لهذا النشاط من جانب الدولة المساحة الكافية للاعتراض على وجود تلك البيوت التي وصفوها بـ«الفاجرة والمنحلة» بينما وصفوا الدولة بأنها تقوم بدور القواد في تلك التجارة.

تحت الضغط الشعبي اضطرت الدولة إلى إغلاق ما يقرب من 45 بيتًا من بيوت الدعارة المرخصة خلال عام 2011؛ ما أدى إلى تشريد الكثير من النساء اللاتي لا يجدن أي مهارة آخرى تؤهلهن ليكنّ موظفات، وإن كانت واحدة منهن تستطع فعل هذا، فلن يتقبلها المجتمع ولن تفتح لها عائلتها باب المنزل من جديد بعد أن أخذت طريق «عبد الله قش».

شاهد تقرير الـ«بي بي سي» عن آخر بيوت الدعارة المرخصة في تونس.

في تقرير مصور نشرته الـ«بي بي سي» حول هذا البيت الأخير المتبقى في تونس، وحال العاملات فيه؛ نجد أن العاهرات يشعرن بالذعر من خطر إغلاق هذا البيت والذي يعتبرونه مصدر رزقهم الوحيد، فمعظمهن يتحملن مسؤولية أطفالهن بمفردهن ولا يجيدون أية حرفة أخرى.

ولكن ليس كل مواطني تونس رافضين لبيوت الدعارة المرخصة، بل أن هناك بعض الشخصيات المرموقة في المجتمع التونسي تطالب بإعادة فتح بيوت الدعارة، مثلما طالب الطبيب التونسي هشام الشريف أخصائي السلوك الجنسي والنفسي في واحد من اللقاءات التلفزيونية بهذا، مؤكدًا أن تلك البيوت «تخدم المجتمع» موضحًا أن بيوت الدعارة تعتبر متنفس جنسي للمكبوتين، ومؤكدًا على أن هناك فئة من محدودي الدخل لن يتوفر لهم ممارسة الجنس داخل إطار الزواج، ولذلك تكون تلك البيوت هي مكان الراحة الجنسية الوحيد لهم.

البترونة والصانع.. أعمدة «البيت الكبير»

رصد تاريخ بيوت الدعارة المرخصة في تونس يعد أمرًا مستحيلًا، وهذا بحسب المخرجة المصرية ليلى سليمان والتي أخرجت عرضًا فنيًا بعنوان «البيت الكبير» يرصد أحوال آخر بيوت الدعارة في تونس.

ويعتبر هذا العرض من أوائل المواد الموثقة عن هذا العالم، وأوضحت ليلى أن المسؤولين في تونس لم يسعوا إلى توثيق إحصاءات تلك المهنة، على الرغم من اعترافهم بوجودها وتحصيل الضرائب على ممارستها، و«كأنها مهنة ليست منبوذة اجتماعيًا وثقافيًا فقط، بل فنيًا وبحثيًا»، بحسب ليلى سليمان.

ولعدم توفر الكثير من المعلومات الموثقة عن بيوت الدعارة المرخصة في تونس، ولأن النساء غير العاملات في تلك البيوت ممنوعات من الدخول فيه؛ كان على ليلى أن تحصل على تراخيص استثنائية من الدولة بغرض بحثي؛ لتدخل إلى هذا العالم وتنقله إلى باقي الوطن العربي وتخبره عما لا يعرفه الكثير، والأمر المثير للاهتمام والذي أدركته منذ دخولها لهذا البيت للمرة الأولى أن العاهرات يقعن تحت قيود لا تواجهها أي امرأة أخرى أو أي عاهرة غير قانونية في تونس أو بلد عربي.

فهن ممنوع عليهن الاختلاط بالمجتمع، وممنوع الخروج من المنزل أيًا كان السبب، أو ارتياد المقاهي والأماكن الترفيهة، ويمنع عنهن الخمر أيضًا، فليس مصرح للعاهرة بذلك حتى وإن كانت تقدمه لزبونها.

في بيوت الدعارة المرخصة بتونس تجد شخصين في غاية الأهمية؛ الأولى هي «البترونة» وهي مديرة المنزل والمسؤولة عن دخول وخروج الزبائن وتستقبلهم على باب البيت وتوّزع عليهم قطعً معدنية مُرقمةً بدور الدخول لباقي المنزل. أما الشخص الآخر فهو «الصانع»، ودوره أن يكون عين وقدمي النساء العاملات في البيت خارج جدرانه، فهو من يجلب لهن طلباتهن، ويهرب لهن الممنوعات مثل الجعة والسجائر، وعادة ما يكون الصانع مثلي الجنس حتى لا تهفو نفسه إلى واحدة من العاهرات وتكون علاقتهم علاقة عمل فقط.

فرنسا.. وأول بيت دعارة في تونس

على الرغم من عدم توثيق الحكومة لمجريات الأمور في عمل العاهرات القانوني، إلا أن تاريخ بإنشاء بيوت الدعارة المرخصة – بحسب الباحثين – يعود لفترة احتلال فرنسا لتونس، عندما كانت بيوت الدعارة قانونية في فرنسا، وبالتالي نُقل الأمر إلى تونس بعد أن توغلت فرنسا فيها.

ويرجح أن عام 1882 هو العام الذي شهد بناء تأسيس أول بيت دعارة مرخص في تونس، وبعد بضعة سنوات أصبحت هناك رقابة صحية مشددة على النساء العاملات في بيوت الدعارة وكانت كل عاهرة تمر على كشف صحيّ كل أسبوعين تقريبًا، وهذا بعد انتشار بعض الأمراض الجنسية التي كانت نتاجًا حتميًا لوجود بيوت دعارة دون الإشراف على الرعاية الصحية للعاهرات العاملات فيها.

لقطة من عرض البيت الكبير

وفي عام 1942 صنفت الحكومة التونسية العاهرات على أنهن «موظفات مدنيات»؛ ما أتاح للدولة حق الحصول على الضرائب منهن مقابل أعمالهن الجنسية، ومن وقتها والحياة اليومية لهؤلاء النساء منظمة تنظيمًا صارمًا، وكأنهن – بحسب ليلى سليمان – مراقبات 24 ساعة.

وعلى الرغم من الحية الشاقة التي تعيشها العاهرة في بيوت الدعارة المرخصة في تونس، إلا أنها لا زالت تتمسك بها وترفض أن يغلق مصدر رزقها وقوت أبناءها، وما زالت العاهرات اللاتي تشردن بسبب إغلاق بيوت الدعارة التي عملن فيها؛ يطالبن الحكومة التونسية بفتح تلك البيوت مرة أخرى، ولكن دون استجابة من الدولة نظرًا للضغط الشعبي التي تتعرض له من جانب المتشددين، ولذلك لم تعد الدولة قادرة على منح رخص جديدة للعاهرات، اللاتي لا زلن يمارسن البغاء، ولكن ممارسة حرة في الطرقات أو في المنازل غير القانونية؛ منتظرات السجن أو دفع الغرامة والإفلاس.

«العاهرة السعيدة».. ما لا يقال غالبًا عن صناعة الإباحية وتجارة الجنس

المصادر

عرض التعليقات