يعتقد البعض أن القيام بجلسة تدليك أو مساج، ليس بالأمر الصعب، ولا يحتاج إلى التخصص أو الدراسة، ويمكن لأي شخص عمله، فهو مجرد حركات يدوية وقبضات على جسد الإنسان، ما الصعوبة في ذلك؟ لكن على عكس الاعتقاد الشائع، فالتدليك أو المساج الذي مارسته كافة الحضارات القديمة بوصفه علاجًا، ونمارسه اليوم بوصفه فرعًا من فروع الطب البديل؛ لا يمكن لأي شخص ممارسته، ويجب أن يكون مختص علاج طبيعي بالتدليك ويحمل رخصة لممارسة المهنة؛ إذ إن أي حركة خاطئة قد تتسبب في إصابة المريض بإصابة قد تشل أطرافه حتى نهاية عمره، لكن ما الذي نعرفه عن تاريخ التدليك وطقوسه؟

المساج في الحضارات القديمة.. علاقة متوازنة بين الجسد والعقل والطبيعة

ظهرت الممارسات الأولى للتدليك بوصفه علاجًا في الصين القديمة منذ 2700 سنة قبل الميلاد؛ إذ طور الصينيون طرق العلاج بالتدليك وكانت مزيجًا من ممارسات مقدسة قديمة، وفنون يوجا ودفاع عن النفس، وقد وضعوا كافة التعاليم في كتاب قديم للطب عرف باسم: «كتاب الإمبراطور الأصفر للطب البديل»، والذي سيصبح فيما بعد مرجعًا أساسيًّا للطب البديل أو الطب الصيني الشعبي، والذي يشتمل على الوخز والعلاج بالإبر، والعلاجات العشبية، والتدليك بمختلف أنواعه.

الحضارة الصينية لم تكن الوحيدة من بين الحضارات القديمة التي عرفت التدليك وفوائده؛ فقد عثر العلماء على لوحة جدارية فرعونية تظهر ممارسة التدليك أو المساج، ويعود تاريخها إلى عام 2500 قبل الميلاد، كما عُثر على كتابات فرعونية تنسب إلى المصريين القدماء اكتشاف علم المنعكسات في العلاج بالتدليك، وهو العلم الذي يتضمن الضغط على نقاط أو مناطق محددة في القدمين واليدين والظهر مما يؤثر في أماكن أخرى ويعالجها. 

طور الهندوس نسختهم من العلاج بالتدليك بعد المصريين القدماء، واستخدمه الهندوس بشكل مفاهيمي وروحي في الهند منذ عام 1500 قبل الميلاد، فقد مارس الهندوس طب الأيورفيدا أو صحة الحياة، والذي تناقلته أجيال عديدة داخل الهند وخارجها فيما بعد، وأصبح مدرسة في المساج. وضع الهندوس ممارسات التدليك في وصايا صحة الحياة أو دراسة الأيورفيدا، وكانت لهم نظرة في التدليك تمس معتقداتهم وثقافتهم الروحية مباشرة، فقد وجد الهندوس أن التدليك علاج مثالي للجسم والعقل، وأن السبب في المرض هو عدم ارتباط وتوازن المريض مع الطبيعة، ولذلك يقوم العلاج بالتدليك بعمل توازن بين جسم وعقل المريض والطبيعة والبيئة؛ مما يحقق له العلاج.

انتقلت طرق علاج التدليك «الصيني والمصري والهندي» إلى كافة أنحاء العالم، ومارسته كافة الحضارات تقريبًا: قدماء الإغريق، والرومان، والفرس وغيرهم، وطورته الشعوب وفقًا للمعتقدات والتراث الشعبي، ومع بداية القرن 19، بدأت حقبة جديدة في تاريخ التدليك أو المساج الذي نعرفه اليوم.

التاريخ الحديث للتدليك.. الجمباز السويدي والمساج الحديث

يرى البعض أن مؤسس علاج التدليك الحديث، هو المعلم السويدي هنري لينج، صاحب مدرسة الجمباز السويدية، وأول من استخدم التدليك بوصفه طريقة للاستشفاء من حركات الجمباز المرهقة للعضلات في بداية القرن 19، فقد كان متأثرًا بنصوص قديمة آسيوية تشرح العلاج بالتدليك للعضلات والإصابات، وسميت طريقة دكتور لينج مدرسة التدليك السويدي، وهو أسلوب يتضمن التمسيد والضغط والعجن والضرب أحيانًا.

ينسب التاريخ الفضل في تأسيس علم التدليك الحديث إلى الدكتور الهولندي يوهان جورج ميزجر، فقد اهتم دكتور ميزجر بالجمباز والحركة، وفي عام 1868 قدم أطروحة دكتوراة عن موضوع علاج التدليك والمساج، والتي أصبحت فيما بعد أسس وقواعد مدرسة التدليك السويدية وتتضمن خمس طرق تقليدية للتدليك ما زالت تستخدم حتى اليوم.   

أصبحت مهنة المدلك والمدلكة أمرًا شائعًا مع أواخر القرن التاسع عشر، وأنشئت معاهد لتعليم التدليك وإخراج مختصين متمرسين في المهنة، وزاد الطلب على العلاج بالتدليك أو المساج في أوائل القرن العشرين، وفي الثلاثينيات من القرن الماضي بدأ أطباء العلاج الطبيعي في السويد في تطوير التدليك السويدي وممارسته في عمليات العلاج الطبيعي بوصفه من أنواع الطب البديل، ومنذ تلك اللحظة تغيرت النظرة إلى العلاج بالتدليك من عده ممارسات شعبية إلى فرع من فروع الطب البديل، وعلاج آمن للعديد من الأمراض.

راجت مهنة العلاج الطبيعي ومعها فرع علاج التدليك في الأربعينيات من القرن الماضي، وجرى ترخيص المهنة رسميًّا، وتأسست الجمعية الأمريكية للعلاج بالتدليك (AMTA) عام 1943، ووضعت الأساس لممارسي التدليك اليوم، كما وضعت معايير أخلاقية وتعليمية لمن يريد الالتحاق بالمهنة. 

عقب تأسيس جمعية العلاج بالتدليك الأمريكية، انتشرت جمعيات ومعاهد طب علاج التدليك في العالم، وأُنشئت الجمعية الوطنية الصينية للتدليك عام 1987، وتأسست الجمعية الكندية للتدليك عام 1991، وأصبح علاجًا يستخدمه ملايين البشر للحصول على صحة وجسم أفضل، وهكذا أصبحت ممارسات الصينيين والمصريين والهندوس فرعًا من فروع الطب البديل وعلاجًا مضمون لحالات التشنج العضلي، والإرهاق العقلي، والالتواءات والانزلاقات، والتوتر والإرهاق والأرق والاكتئاب، وغيرها من المشكلات.

ويُنظر في وقتنا الحالي إلى التدليك بصفته علمًا ذا أصول وممارسات يجب تعلمها وإتقانها، لأن الممارسات الخاطئة للتدليك قد ينتج منها إصابات جديدة وتفاقم للإصابات القديمة، وحاليًا تدرس مناهج وإستراتيجيات التدليك والمساج في فروع الطب البديل بكليات الطب الطبيعي والمعاهد حول العالم.   

تدليك بصخور وأفاعي وسكاكين وصفع على الوجه أيضًا

تحول العلاج بالتدليك إلى نمط وأسلوب حياة مع بداية القرن الحادي والعشرين؛ فقد اختار البشر أن يعيشوا أنماط حياة صحية تشمل الاهتمام بالجسم والحفاظ عليه. ولذلك أدركوا أن التدليك قد يكون دواء وممارسة جيدة.

تمارس البشرية الآن العديد من أنواع التدليك أو المساج، وهي نشاط تجاري رائج حول العالم، تتضمن أنواع التدليك أو المساج، النوع التقليدي، أو ما يسمى بالتدليك السويدي، والذي يشمل خمسة أنماط، وأنواعًا أخرى كثيرة غير تقليدية على الإطلاق ومخيفة في بعض الأحيان.

التدليك السويدي التقليدي

أسس الدكتور ميزجر التدليك السويدي التقليدي على خمس تقنيات أو مراحل أو حركات باليد، تساعد على العلاج والاسترخاء، وتبدأ من تقنية التدليك والتمسيد اللطيف السريع، ثم تقنية العجين والضغط، تأتي بعدها تقنية الاحتكاك وتوليد طاقة، ورابعًا مرحلة اهتزاز العضلات، وأخيرًا مرحلة دق الطبول، ما زالت تستخدم تقنيات الدكتور ميزجر في مجال طب التدليك حتى يومنا هذا. 

التدليك بالصخور الساخنة

استخدم علاج الصخور الساخنة بوصفه نوعًا من أنواع الاستشفاء، وطريقة لجذب الطاقة في العصور القديمة، ولكن جرى إعادة إحياء استخدام الأحجار الساخنة في التدليك في العصر الحديث عام 1933 حين قدمت المعالجة ماري نيلسون علاج التدليك بالصخور الساخنة علاجًا رسميًّا، ومنذ ذلك الوقت أصبحت تجارة بالملايين حول العالم، ويزعم أن تدليك أو مساج الصخور الساخنة يقوم بـ«تعزيز النوم والمناعة والدورة الدموية، والتخلص من الآلام العضلية، والتخلص من التوتر والضغط، وتوزيع الطاقة وتوازنها، وغيرها الكثير من الفوائد».

التدليك بالسكاكين

ظهر تقليد العلاج بالسكاكين في الصين القديمة، وتجري ممارسته حاليًا في عدة دول حول العالم، وخاصة الدول الآسيوية مثل تايوان والصين، ويعتقد أن جلسة العلاج بالسكاكين تحفز طاقة الجسم، من خلال الاحتكاك بالنقاط الحيوية في الجسم البشري، والتي تؤثر في الشعيرات الدموية؛ مما يساعد على تجديد نظام العلاج، يمارس هذا النوع من التدليك أو المساج عن طريق استخدام سواطير وسكاكين كبيرة باردة غير حادة، لضمان السلامة والأمان.

التدليك بصفع الوجه والضرب

يزعم التايلنديون الذين يمارسون هذا النوع من التدليك في أمريكا، أن هذا التدليك تعود أصوله إلى تايلاند ويرتبط بطرق وأساليب الجمال، من خلال تنشيط العضلات في المنطقة التي جرى صفعها؛ مما يؤدي إلى زيادة تدفق الدم، مما قد يعطى العميل بشرة ناعمة لأنه يحفز إنتاج مادة الكولاجين المفيدة للجلد، إلى جانب أنه يساعد على تحسين جودة البشرة ويجعلها أكثر إشراقا ونضارة، وأخيرًا يساعد على تقليل التوتر والانفعال، وتمارس هذه الطريقة إما بالشكل الصعب المؤلم وإما السهل البسيط، وفقًا لرغبة العميل.

التدليك بالأفاعي

انتشر هذا النوع من التدليك أو المساج حديثًا، وبشكل كبير في آسيا ثم عدة دول أخرى، يمارس هذا النوع من خلال وضع مجموعة أفاعي صغيرة أو واحدة كبيرة على جسم الإنسان وتترك للتحرك بحرية، يشكك كثيرون في جدوى وفاعلية هذا النوع من التدليك، ويصفه البعض بالتجربة المثيرة للرعب والخوف.

بينما يرى بعض العملاء أن هذا النوع من المساج، منحهم دفعة قوية من الثقة بالنفس، بالإضافة إلى الشعور بالاسترخاء التام بسبب الإحساس غير المعتاد بالثعابين على الجلد، والجدير بالذكر أن أنواع الأفاعي المستخدمة دائما ما تكون غير سامة لضمان السلامة.

وهناك أنواع أخرى من التدليك العلاجي الخاصة بالرياضيين وممارسي اليوجا، وتكون أكثر صعوبة وقسوة، ويوجد أيضًا أنواع مثيرة للضحك والسخرية مثل مساج أرجل الفيل، والذي يسمح فيه لفيل مدرب بالضغط بأحد أرجله على جسم الإنسان لعدة ثوان. فهل ما زلت تعتقد أن التدليك أو المساج أمر سهل وعادي؟

منوعات

منذ سنة واحدة
تاريخ تطور جراحة التجميل في العالم.. الأولى كانت عام 600 قبل الميلاد!

المصادر

تحميل المزيد