قبل عشرات السنوات كان هناك طارق دائم يدق على أبواب المنازل في الكثير من دول العالم مع إشراقة شمس كل يوم جديد، وهو بائع اللبن الطازج الذي عرفه سكان الحي واعتبروه جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل حياتهم اليومية، مثله مثل ساعي البريد.

لكن بمرور الأيام كثرت محلات بيع منتجات الألبان في الشوارع، إلى جانب ظهور اللبن المبستر الذي تصل فترة صلاحية استخدامه إلى ست شهور، وتأثر بائع اللبن بهذا التغير فلم يعد يحظى بزبائنه الكثيرين مثلما كان في الماضي، وأصبح من النادر رؤيته في الشوارع ليتحول إلى جزء من نوستالجيا الماضي، لكن مؤخرًا أُطلقت بعض المشاريع لإيصال اللبن إلى المنازل يوميًا بطريقة عصرية، وسويًا سنتعرف إلى هذه الرحلة التاريخية من بدايتها إلى نهايتها.

انشغل البشر في أعمالهم فغابت أبقارهم

ظهر بائعو اللبن في أواخر القرن 18، فقبل ذلك كان لكل عائلة البقرة الخاصة بها، وفي بعض الأحيان أكثر من بقرة، ومع ظهور الثورة الصناعية انتشرت المصانع في المدن والقرى، ولم تعد تتوفر بسهولة أماكن تعيش فيها الأبقار، فقد أصبحت المنازل أصغر وأكثر تقاربًا من بعضها البعض، وأضحى الناس أكثر انشغالًا بأعمالهم.

بالإضافة إلى ذلك خلت الكثير من المنازل من أجهزة التبريد، ونظرًا لأن الحليب يعد منتجًا قابلًا للتلف بسرعة، وفي الوقت نفسه غير متاح في المتاجر التي تبيع السلع الغذائية الأخرى مثل اللحوم والخبز، كان تسليمه يوميًا الطريقة الأكثر أمانًا وفعالية.

للتكنولوجيا «أنياب».. مهن لم تستطع الصمود أمام التقدم العلمي فانقرضت

والنتيجة الحتمية لما سبق الاتجاه لشراء الحليب من مزارعي الألبان المحليين، وحسبما هو مُسجل فإن أول تجارب توصيل الحليب إلى المنزل حدثت في ولاية فيرمونت الأمريكية عام 1785، ونتج عن تزايد الأسر المحتاجة لخدمة إيصال الحليب لباب المنزل، ظهور مزارع الألبان بشكل تجاري، وكان بائع اللبن يأتي كل صباح بصحبة برميل معدني مملوء بالحليب، ويأخذ أي إناء متاح في المنزل لملئه.

بائع لبن تحت المطر في أمستردام عام 1954- المصدر: موقع فليكر

من الممكن أن ينطبق الشعار غير الرسمي لمكتب البريد الأمريكي الذي يقول: «لا الثلوج ولا المطر ولا الحرارة ولا ظلام الليل يمكن أن يعيق سعاة البريد عن إنهاء جولاتهم بسرعة»، على بائعي اللبن أيضًا؛ فقد عملوا في أقسى الظروف البيئية، ولم يوقفهم شيء عن إيصال الحليب إلى زبائنهم في الموعد المحدد.

زجاجة اللبن كانت توضع بها الرسائل والهدايا

سُجلت أول براءة اختراع لزجاجة الحليب الزجاجية عام 1878، وبعد ذلك بعام بيع الحليب لأول مرة فيها، لكنها ظهرت بعيب غير هين وهو أنها لم تكن مُغطاة، مما سمح للعصافير الجائعة في الصباح أن تستقر على فوهة الزجاجة، وتأكل القشدة.

أدى ذلك بالطبع لانزعاج الزبائن فخضعت الزجاجة لعملية تطوير عام 1884 بإضافة غطاء، وبحلول عشرينات القرن العشرين؛ تنوعت أشكال زجاجات اللبن، إلى جانب استخدام تقنية الحفر لكتابة العلامات والشعارات التجارية، ولمزيد من الأمان أصبح الغطاء عام 1930 من الورق المقوى، ألا أنه لم يكن أفضل اختيار من ناحية مستوى النظافة المطلوب، فاستُبدلت به بعد خمس سنوات رقائق الألومنيوم.

زجاجات اللبن المغطاة برقائق الألومنيوم- المصدر: بي بي سي

يحكي لنا فيلبس أحد بائعي اللبن البريطانيين الذي عمل في هذه المهنة لفترة بلغت 40 عامًا عن ذكرياته، فيخبرنا أنه من المعتاد بعدما كان يوزع ما معه من اللبن ويجمع المال، أن يُدعى لتناول كوب من الشاي مع إحدى العائلات.

لم تتوقف الألفة المتبادلة بينه وبين الزبائن عند هذا الحد، فقد مثلت زجاجة اللبن جزءا مهمًا من العلاقة؛ فمثلًا كان يُترك بها ثمن اللبن، أو الملاحظات مثل عدم حاجة المنزل للبن هذا الأسبوع، وفي المناسبات مثل عيد الميلاد كان من المعتاد أن يجد فيلبس رسائل تهنئة من زبائنه، وأحيانًا عندما يرزق بمولود جديد يعطونه بعض الهدايا.

كولن بائع اللبن- المصدر: بي بي سي

بينما كان لكولن بائع اللبن موقف لا يُنسى يؤكد من خلاله على أن وظيفته ليست مجرد خدمة توصيل، فإحدى العميلات كانت دائمًا ما تضع الزجاجات الفارغة بالخارج ليستبدلها بالزجاجات الممتلئة، وفي يوم من الأيام لم تكن هناك أي زجاجات في الخارج، ما استدعى قلقه الذي كان في محله، فقد كانت العميلة فاقدة للوعي، ووفقًا للمسعفين الذين أتوا فهو من أنقذ حياتها.

فكرة تسويقية.. إحضار البقرة إلى حديقة منزل العميل

خلال أربعينيات القرن التاسع عشر، ظهرت فكرة تسويقية لإحدى شركات مزارع الألبان باسم «Fresh From the Teat»، وتعني أن الحليب طازجًا من ضرع البقرة مباشرة إلى المستهلك، وتقوم على إحضار بائع اللبن البقرة إلى منازل العملاء، واستخراج الحليب منها في حدائقهم، لكن ظهرت عقبة تمثلت في أن الأبقار أصابها القلق نتيجة هذا الوضع، ولم تعد تنتج حليبًا مثلما كان الوضع في المزرعة، ما أدى في النهاية إلى وقف الحملة التسويقية للأبد.

اللبن بالشيكولاتة يأتي من البقرة البنية.. 6 أساطير يؤمن بها الملايين في أمريكا

بعد ذلك لم تصبح الأمور وردية فقد تصدرت مشكلة أخرى الموقف، وهي أن اللبن في الأيام الحارة يكون معرضًا للتلف بسهولة، وكان الحل اتباع الوسائل التقليدية للتبريد مثل إضافة الثلج بجوار براميل اللبن، بالإضافة للحرص على سرعة التسليم.

من الآثار التي ما زالت موجودة في بعض المنازل بأوروبا وأمريكا، صندوق زجاجات الحليب المُعلق على الشرفات، وفي بعض الأحيان كان موقعه في جانب المنزل، ويأتي بائع اللبن كل صباح ليضع زجاجات الحليب الطازج داخل الصندوق ويأخذ الزجاجات الفارغة ويُحصل الثمن، وقد تنوعت الوسيلة التي كان يوزع بها الزجاجات، فقبل اختراع السيارات تمثلت في عربة يجرها حصان، أو عربة أصغر يسحبها البائع بنفسه، لكن بعد تطور صناعة السيارات حلت الشاحنات محل تلك العربات.

صندوق ملحق بالمنزل كانت توضع به زجاجات الحليب يعود لعام 1925- المصدر: موقع «Collectors Weekly»

الحليب المبستر والكرتون والبلاستيك

أصبح من المعتاد مع الدخول في فترة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين وجود ثلاجة في كل منزل، وكان ذلك يعني أن الناس لم يصبحوا محتاجين إلى صناديق الثلج التي كانت تحفظ الحليب حتى يصل إليهم؛ لقدرتهم على حفظه في ثلاجات منازلهم بكل سهولة، وأتت محلات البقالة بثلاجات تبريد ضخمة لحفظ الأغذية القابلة للتلف، وهو ما أدى إلى بدء انخفاض الحاجة إلى بائع اللبن.

وطرأ أول تغيير على زجاجة اللبن في أواخر الستينيات ببريطانيا، عندما اُستبدلت بعبوات الحليب التتراباك، التي كانت أخف وزنًا وأكثر أمانًا للاستخدام من الزجاج، وظهرت بعد ذلك زجاجات بلاستيكية شفافة مُصنعة من البولي إيثلين بأحجام مختلفة، وأصبح بائعو اللبن مع أسعار محلات البقالة المنخفضة، غير قادرين على المنافسة بقوة، وسرعان ما سيطرت المحلات على أسعار الحليب، لتتضاءل أعداد بائعي اللبن وتختفي معهم زجاجاتهم المميزة.

الدعايات القديمة لعبوات الحليب التتراباك- المصدر: موقع «Friends of the Earth International»

نقلة أخرى ساهمت فيما حدث وهي انتشار البسترة على نطاق واسع، مما ساهم في زيادة فترة صلاحية اللبن، وكانت أول ولاية تُفعل بسترة الحليب هي ولاية ميشيغان الأمريكية عام 1947، وظهرت قبل ذلك الشاحنات التي تحمل خزانات الحليب عام 1931، وكانت سعتها في البداية ألف جالون، واليوم ازدادت السعة لتصل إلى ثمانية آلاف جالون من الحليب، تُؤخذ من مزارع الألبان إلى المصانع لبسترتها وتعبئتها، ثم توزيعها على محلات البقالة.

بالصور.. كيف كانت أشكال وأحجام الحيوانات قبل أن يدجنها الإنسان؟

بائع اللبن يظهر مجددًا في الشوارع لكن بشكل عصري

بعد مرور سنوات كثيرة اعتاد فيها المستهلكون على شراء اللبن من البقالات، ظهرت اليوم العديد من الشركات التي توصل الحليب الطازج إلى المنازل، ووفقًا لشركة «South Mountain Creamery» العاملة في هذا المجال بولاية ماريلند الأمريكية فإن نجاحهم يتزايد، والدليل قائمة الانتظار للعملاء التي تضم حوالي 350 عائلة في الولاية وخارجها.

وكانت انطلاقة هذه الشركة في إيصال الحليب إلى المنازل عام 2001 بسيارة توزيع واحدة، واليوم تمتلك سبع شاحنات لبن وألفي عميل، رغم عدم وجود إعلانات للشركة فهي تعمل في انتشارها على حديث عملائها الحاليين عنها، والمفاجأة أنه لا توجد أبقار تمتلكها الشركة الأمريكية، إنما يقومون بالتعاقد مع المزارعين المحليين للحصول على اللبن، ومن ثم تعبئته وتوزيعه.

أحد العاملين في إيصال الحليب للمنازل بشركة «South Mountain Creamery»- المصدر: موقع «Asbury Park Press»

هناك سبب مؤثر وراء زيادة الإقبال على شراء الحليب بالطريقة التقليدية القديمة، هو أن الكثير من المستهلكين أصبحوا يتشككون في مصادر أطعمتهم، ونتج عن ذلك إقبالهم على شراء المواد الغذائية المحلية المعلومة المصدر، ومن الممكن أن تتطور الخدمة فقد نرى ظهور تطبيقات مثل «أوبر إيتس» لإيصال اللبن، وحينها سيكون من السهل الدفع عبر الإنترنت.

لماذا يعد الحليب في الزجاجة اختيارًا أفضل؟

التقدم أحيانًا لا يكون إلى الأمام فهناك حقائق تؤكد أن الحليب في الزجاجة الزجاجية، أفضل من الحليب في الزجاجات البلاستيكية والعبوات الكرتونية؛ وذلك لأكثر من سبب أكثرها أهمية الحصول على طعم مميز، فالحليب الذي ينتقل لمسافات طويلة قبل بسترته، لن يكون مثل الحليب الذي يأتي من البقرة إليك في أقل من 24 ساعة، فذلك يجعله أقرب إلى حالته الأصلية.

والعبوات البلاستيكية أو الكرتونية ليست مثل الزجاج الذي لا يؤثر على الحليب، أو يغير طعمه بأي نسبة ولو كانت قليلة، أضف إلى ذلك عنصر أكثر جاذبية وهو الحصول على القشدة ذات الطعم المغري، عند فتح زجاجة الحليب الزجاجية.

البلاستيك ومساهمته في تلوث البيئة- المصدر: موقع «EURACTIV»

من الأسباب المهمة التي تدعونا إلى تفضيل الزجاج عن الكرتون والبلاستيك، أن عدد المرات التي يُعاد فيها استخدام زجاجة الحليب الزجاجية يمكن أن تصل إلى 50 مرة، مما يجعلها اختيارًا أكثر حفاظًا على البيئة، وفي النهاية فهي تدخل نظام إعادة التدوير بسهولة، بينما البلاستيك صعب التحلل ويؤدي لمشكلات بيئية كارثية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد