«هي بلاد الجفاف والصخور السوداء والرمال الذهبية اللانهائية والحرارة العالية. وهي بلاد التاريخ الطويل يشهد عليه عشرات القلاع ومئات المعابد. وهي بلاد المياه الدافقة وسط صحار قفار بائسة. هي دائمًا بوابة مصر تجاه الجنوب. وأخيرًا كانت بلاد الأمان التي ضحى أهلها بمواطنهم من أجل بقية مواطنيهم» * د. محمد رياض في كتابه «رحلة في زمان النوبة»

النوبة هي منطقة تقع في جنوب مصر على طول نهر النيل وفي شمال السودان الآن، وفي حين كانت الممالك القديمة في النوبة تملك حدودًا متغيرة، إلا أن النوبة الحديثة كانت تمتد على طول النيل من جنوب أسوان، حتى الشلال الرابع للنيل في السودان. وتقع معظم أراضي النوبة في السودان مع حوالي ربع أراضيها في مصر.

وتعد بلاد النوبة إقليمًا من أقاليم حوض النيل، تمتد بمحاذاة النيل لمسافة نحو 1000 كيلومتر، وهذا الالتصاق شبيه بما هو عليه الحال في مصر النيلية، لكنه أشد في النوبة لرحابة الوادي شمال أسوان، وضيقه الشديد في كل أرجاء النيل النوبي، عدا اتساع نسبي في وادي دنقلة، ولهذا فإن سكان النوبة كانوا حقًّا «ناس النهر» أكثر من غيرهم في الشمال أو الجنوب.

وكان تواجد أهل النوبة على مر العصور يعد جزءًا لا يتجزأ من النسيج المصري، ولكن هذا الالتحام عكرت صفوه عدة عوامل على مدى العقود الماضية منذ بدء «التهجير الرابع» ، الأمر الذي خلق ما عرف بـ«مشكلة النوبة»، وأدى إلى ظهور بعض الأصوات التي تطالب بالانفصال وتدويل القضية.

فما هي المنعطفات التاريخية التي مر بها هذا الإقليم العريق؟، وما الجوانب التي تحيط بحياة المصريين ذوي الأصول النوبية، التي تعاني جهلًا متعمدًا منذ سنوات، يهدف إلى طمس تاريخ قضية أبناء النوبة وأبعادها الإنسانية؟

كيف اكتسبت بلاد النوبة اسمها؟ وكيف وصلنا تاريخها؟

الذهب في اللغة المصرية يعني الكلمة «نب»، ومن ثم كانت هناك محاولات لربط اسم النوبة بمعدن الذهب. ولكننا نجد أن أقدم الإشارات إلى بلاد الجنوب كانت باسم «تا-ستي» بمعنى أرض القوس أو النشاب، وكان هذا الاسم يُطلق على المنطقة الممتدة من إدفو جنوبًا إلى ما بعد الشلال الأول.

وفيما بعد ظهر اسم «واوات» على شمال النوبة، وكذلك «كياس» أو «كيش» في عصر سيزوستريس، و«كاسو» و«كاشو» و«كاشا» مدونة على ألواح تل العمارنة مشيرة إلى القسم جنوب الشلال الثاني، ثم تحول الاسم إلى «كي». بينما أطلق اسم «شات» على منطقة الشلال الثالث، وأخيرًا أصبحت «كوش» التسمية العامة للنوبة الجنوبية. ومنذ العصر الفاطمي، أصبحت النوبة الشمالية في مصر تُعرف ببلاد الكنوز.

وعلى الأغلب فإن اسم النوبة قد اشتق من اسم قبيلة «النوباتي» الذين استقدمهم الرومان في القرن الثالث الميلادي من مواطنهم في الصحراء بين الواحة الكبرى والنيل النوبي، وأسكنوهم النوبة المصرية ليكونوا بمثابة إمارة حاجزة ضد غارات قبائل «البليمي»، الذين هم على الأغلب أجداد قبائل «البجة» الحالية في الصحراء شرقي النيل النوبي.

وأيا كانت صحة هذه الرواية التاريخية، فإن اسم النوبة أصبح الاسم العام لكل الإقليم؛ من الشلال الأول عند أسوان، إلى الدبة في أقصى جنوب بلاد الدناقلة. وفي الجزء المصري منها، صار الاسم لصيقًا ببلاد الفديجة، التي كانت تسكن الجزء الجنوبي من النوبة المصرية حتى وقت التهجير الذي صاحب بناء السد العالي؛ تمييزًا لهم عن بلاد الكنوز ووادي العرب الذي تسكنه جماعة عرب العليقات.

وقد ظل تاريخها غامضًا إلا من الإشارات التي ترد في السجلات، والكتابات التاريخية الفرعونية، والبطلمية الرومانية، والعربية، ولكن إنشاء سد أسوان وتعليته مرتين، ثم إنشاء السد العالي كان حافزًا في كل مرة يبدأ فيها عمل من تلك الأعمال الهندسية الكبرى للعلماء أن يقوموا بدراسات أركيولوجية للآثار المهددة بالغرق؛ وهكذا تجمعت معلومات خلال نحو قرن عن تاريخ النوبة في مصر والسودان.

وقبل إنشاء السد العالي، كانت النوبة بمثابة خلية نحل لمختلف البعثات العلمية من ألمانيا، وهولندا، والنمسا، وسويسرا، وفرنسا، والولايات المتحدة، فضلًا عن الباحثين من مصلحة الآثار المصرية. ولأن الموضوع كان يقتضي نقل كل النوبيين؛ فإن الجامعة الأمريكية بالقاهرة، بمنحة من مؤسسة «فورد»، نظمت دراسات عديدة عن السكان، وحضارة وثقافة النوبيين، قبل انتقالهم وتعرضهم للتغيير الحضاري في مواطنهم الجديدة.

وخلاصة القول، أن تاريخها بدأت معالمه الرئيسة في الظهور، وأخذت أشكال المجتمع النوبي من الدرس؛ ما جعلها تبين كيف صنع النوبيون لأنفسهم طريقة للحياة في ظل ظروف وموارد محدودة جدًا لقرون طويلة.

بوابة مصر إلى أفريقيا الاستوائية

في العصور القديمة، كانت بلاد النوبة مملكة مستقلة ازدهرت منذ عام 3300 قبل الميلاد، وحتى عام 1300م. وإلى جانب أهميتها السياسية، كانت طريقًا تجاريًا حيويًا لمصر، وفر لها ممرًا بينها وبين أفريقيا الاستوائية، ومكّن الحرفيين المصريين من استخدام العاج، وخشب الأبنوس، والأخشاب الخاصة التي جاءت عبر النوبة من أفريقيا الاستوائية.

وجدير بالذكر أن حكام الجنوب منذ الأسرة السادسة كانوا يسكنون جزيرة «آبو»، التي تعني في اللغة المصرية العاج وترجمها الإغريق إلى «إلفنتين» بمعنى الفيل، ومنها اشتق الاسم العربي «جزيرة فيلة». ولم يكن أمراء الجنوب مسئولين فقط عن تأمين حدود مصر الجنوبية، ووقف هجرة الزنوج شمالًا، وتأمين التجارة المدارية،  بل كانت مسئوليتهم تتعدى ذلك إلى تأمين طرق الصحراء الشرقية ضد السائرين على الرمل أي «سكان الصحراء» كما كانت تسميهم السجلات المصرية، بالإضافة إلى حفر الآبار لتوفير الماء للمتجهين إلى المناجم وإلى البحر الأحمر، ومن ثم التجارة البحرية مع بلاد «بنت».

ومع بدايات توحيد ممالك مصر العليا في مملكة واحدة متحدة، واجهت النوبة قوة لا تُقهر في الشمال بدأت تهدد وجودها واستقرارها. وانتعشت قوة مصر في عهد الدولة الحديثة (حوالي 1532-1070 قبل الميلاد)، وبدأت في التوسع إلى الجنوب، مدمرة المملكة النوبية وعاصمتها كرما، باسطة سيطرتها حتى الشلال الرابع.

وبنهاية عهد تحتمس الأول في عام 1520 قبل الميلاد، ضم المصريون شمال النوبة بالكامل، وبنوا مركزًا إداريًا جديدًا في ناباتا، واستخدموا المنطقة لإنتاج الذهب؛ الأمر الذي جعل من مصر المصدر الرئيسي للذهب في أفريقيا والشرق الأوسط خلال عهد الدولة الحديثة.

ومع ازدياد نفوذ وهيبة المملكة المصرية المتحدة، اتجهت جنوبًا صوب النوبة، وما لبثت أن أصبحت النوبة السفلى بكاملها تحت السيطرة المصرية، وجرى استخدام رموز الكتابة المصرية القديمة. كذلك، ارتبطت العبادة في النوبة بتطور العبادات الفرعونية بمصر. واتبع ملوك الدولة الحديثة سياسة حكم مزدوج أو ذاتي، الذي بمقتضاه لم تطِح مصر بالحكام النوبيين، بل حكمت من خلالهم، وأرسلت أبناءهم للتعلم في مصر، وبذلك أصبحت مصرية دون حملات عسكرية.

وخلال عقود طويلة تالية، كانت السيطرة المصرية تزيد وتنقص وسط ظهور ممالك نوبية متعددة؛ ففي أواخر القرن 12 قبل الميلاد، أخذ النفوذ المصري يتراجع حتى سقطت الدولة الحديثة في عام 1070 قبل الميلاد، وانتهى عهد الإدارة المصرية في النوبة. ومع هذا التراجع، أخد الحكام النوبيون المحليون يفرضون سيطرتهم من جديد.

«هنا السودان».. قصة أول ثورة ناجحة ضد العسكر في العالم العربي

النوبة المسيحية.. حماة الكنيسة القبطية

بدأ انتشار المسيحية في أرجاء مصر وبيزنطة في حوالي القرن الخامس الميلادي، ومرت بعدة مراحل من الانتشار والازدهار وحتى الاضمحلال. ويذكر التاريخ أن ملوك النوبة كانوا حماة للكنيسة القبطية، واستخدمت الحروف القبطية من العصر المسيحي في كتابة اللغة النوبية. وفي تلك الفترة كانت الدولة الرومانية تعاني انقسامات حادة، أدت إلى انشغال الرومان عن حماية مصر الجنوبية. وعندما كانت مصر تحت سيطرة الرومان، لاقى المسيحيون فى أول عهدهم اضطهادًا من الرومان؛ ففروا إلى النوبة.

والأغلب أن المسيحية بدأت تتسرب إلى النوبة في أواسط القرن السادس الميلادي، لكن قمة المسيحية النوبية شغلت الفترة بين أواسط القرن التاسع إلى نحو عام 1100م. وفي نحو القرن التاسع، أصبحت كل بلاد النوبة المصرية والسودانية مملكة مسيحية تعرف باسم «مقرة» وعاصمتها دنقلة العجوز، وساد عصر من الازدهار فتحسنت الأحوال الاقتصادية وخاصة التجارة مع مصر. كذلك، زاد عدد السكان، ونمت المدن عبر أسوارها القديمة، وانتظم المجتمع في أبروشيات تابعة لثلاث كاتدرائيات كبرى في النوبة المصرية: الدكة، وإبريم، وفرس.

وبعد الفتح الإسلامي لمصر، توالت محاولات المسلمين لدخول النوبة، لكنها استعصت على الفتح نحو 10 سنين. وفي خلال فترة المسيحية الأولى في النوبة، حدثت ثورة هددت جنوب مصر الإسلامية؛ مما اقتضى عبد الله بن سعد إلى غزو النوبة في عام 651م، ووصل إلى دنقلة وهدم كنيستها، وعقد مع ملك النوبة معاهدة شهيرة عُرفت باسم «البقط»، والتي نصت على إرسال جزية سنوية من الرقيق إلى مصر، والسماح بارتحال المسلمين إلى النوبة وارتحال النوبيين إلى مصر، على ألا يكون ذلك بغرض الإقامة الدائمة، مع عدم التعرض للديانة المسيحية في النوبة.

وفي عام 1171، غزا شقيق صلاح الدين الأيوبي النوبة المصرية وحول كنيسة إبريم إلى مسجد إسلامي. كذلك غزا المماليك النوبة في عام 1272، وكان آخر عهدها بالمسيحية في عام 1315، عندما أخذ آخر الملوك المسيحيين أسيرًا إلى القاهرة.

النوبة بعد الفتح الإسلامي

سمحت المعاهدة التي عقدها المسلمون مع النوبة بالتعايش السلمي والتجارة، وقد استمرت هذه المعاهدة لمدة 600 سنة. ومع مرور الوقت، أدخل تدفق التجار العرب الإسلام إلى النوبة، وأخذ الإسلام يحل تدريجيًّا محل المسيحية.

بالإضافة إلى ذلك، تسرب الإسلام إلى النوبة خلال العصر الفاطمي؛ نتيجة ضغوط هجرة قبائل بني هلال وسليم إلى مصر؛ الذين زاحموا القبائل العربية القديمة واضطروهم إلى النزوح جنوبًا. وأخذ بعض المسلمين يشترون أراض، ويقيمون فيها في النوبة جنوب الشلال الأول منذ القرن العاشر. وزاد هذا التضاغط للقبائل العربية جنوبًا في العصور التالية؛ نتيجة قوة العناصر التركية والشركسية في مصر، خلال العصر المملوكي ثم العثماني بصفة خاصة.

مساجد القاهرة «الحرام».. قصصٌ من عصر المماليك الغائب الحاضر

وقد تجمعت قبائل ربيعة، وجهينة، وقبائل مغربية، في منطقة أسوان في القرون من 10 إلى 12، وتداخلوا مع النوبة ثم اندفعوا جنوبًا إلى السودان الشمالي في القرنين 14 و15 مطوقين بقايا النوبة المسيحية. وفي القرن 16، نشأت مملكة الفنج الإسلامية في السودان الأوسط، بعد أن قضت على مملكة سوبا المسيحية، التي كان مركزها قرب الخرطوم الحالية، وبذلك لم يعد للمسيحية مكان في شمال شرق أفريقيا إلا في بلاد الحبشة، بعد أن كانت هي الديانة الغالبة من مصر إلى النوبة، والسودان الأوسط، والحبشة.

وفيما بين القرنين 14 و16، كان الملوك المسلمون في النوبة متناحرين فيما بينهم، ثم جاء العثمانيون في مصر عام 1517، وأقاموا فيها قلاعًا وحاميات من الجند، غالبيتهم من رعايا الدولة العثمانية في الأناضول والبلقان، وخاصة من الأكراد، والألبان، والبشناق -البوسنة حاليًا-، والمجر. وكانت الحاميات الكبرى توجد في أسوان، وإبريم، وجزيرة صاي.

وقد تُركت هذه الحاميات لفترة طويلة شبه منسية؛ مما أدى إلى اختلاطهم بالسكان الأصليين، وأصبحوا حكامًا لبلاد النوبة باسم السلطان العثماني، وعُرفوا باسم «الكشاف»، إلى أن أنهى محمد علي حكمهم في أواسط القرن 19. ودخلت النوبة عصرًا من السلام والأمان، لم يعكر صفوه إلا غزوة دراويش المهدية، الذين هُزموا في معركة توشكى عام 1889.

النوبة الحديثة.. أرض العطر والذهب

عندما أصبح محمد علي حاكمًا لمصر عام 1805، تطلع إلى فتح السودان فدخلت النوبة، وسنار، وكردفان في حوزة مصر. ويذكر المؤرخون أن دوافع هذا الفتح ترجع إلى عدة أسباب منها: رغبة محمد علي في تجنيد النوبيين والسودانيين في الجيش المصري النظامي؛ لما اشتهروا به من الشجاعة والصبر والطاعة، ورغبته في التخلص من الفرق الباقية من غزوته لجزيرة العرب، وكذلك رغبته في القضاء نهائيًّا على المماليك الذين لجأوا إلى النوبة بعد مذبحة القلعة، فضلًا عن رغبته في الاستحواذ على ذهب النوبة. وقد تقدم محمد علي بنفسه عام 1815 على رأس الجيش الذي وصل إلى دنقلة، وقضى على فلول المماليك بها، وأعلنت بلاد النوبة ولاءها للحكم المصري.

ومنذ ذلك الحين، نظر المصريون للسودان والنوبة باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من مصر. ولكن عندما اشتعلت نيران الثورة المهدية في السودان، دخلت النوبة في ميدان المعارك حتى جرى السيطرة على الخرطوم في يناير (كانون الثاني) عام 1885، ثم استقر الأمر في عام 1899 بإجراء توقيع اتفاقية الحكم الثنائي بين بريطانيا ومصر، وأُعلِن بموجبها إلغاء سيادة الدولة العثمانية في السودان.

وقد أضر الاتفاق بوحدة النوبة السياسية وقسمها إلى قسمين رئيسيين: «النوبة العليا» التي تمتد داخل السودان، و«النوبة السفلى» التي تمتد من الحدود السودانية حتى أسوان، مع أن البلد بقسميها تمثل وحدة جغرافية متميزة، يسكنها شعب متماثل عرقيًا، وثقافيًا، واجتماعيًا. ومع نهاية الاستعمار في القرن 20، جرى تقسيم إقليم النوبة بين مصر والسودان.

ويمكن القول أن تدفق العرب والنوبيين في مصر والسودان قد ساهم في قمع الهوية النوبية، خاصة بعد انهيار الممالك النوبية المهزومة، وأصبح جزءًا كبيرًا من سكان النوبة من العرب، وتحول غالبية النوبيين إلى الإسلام. مع ذلك، ما يزال يحتفظ أهالي النوبة بتراثهم الفريد الذي يتجلى في ثقافتهم (اللباس، والرقصات، والتقاليد، والموسيقى)، وكذلك لغتهم الأم التي لا يزالون يتحدثون بها إلى اليوم إلى جانب اللغة العربية.

10 أسباب تخبرك لماذا استقل السودان عن مصر

جراح التهجير التي لا تندمل

تعرض النوبيون للتهجير أكثر من مرة، وإعادة التوطين بالقوة في أماكن أخرى غير ملائمة؛ لإفساح المجال لإقامة بحيرة ناصر بعد بناء السدود في أسوان. ويمكن العثور على القرى النوبية اليوم في شمال أسوان على الضفة الغربية للنيل، وعلى جزيرة الفانتين.

وعن التهجير الذي تعرض له النوبيون، يروي الدكتور مصطفى جاويش في دراسته «النوبة: أزمة هوية أم قضية أقلية؟»، والتي نشرها «المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية»: «كانت بداية هجرة أول نوبي مع بناء خزان أسوان عام 1902، والذي ارتفع معه منسوب المياه خلف الخزان ليُغرق 10 قرى نوبية. وتحمّل أهالي هذه القرى وحدهم آثار بناء الخزان، وقاموا بالهجرة طواعية ودون طلب من أحد؛ فانتقلوا إلى بعض القرى في البر الغربي، وإلى مختلف محافظات مصر».

ويضيف جاويش: «وبعد ذلك، حدثت التعلية الأولى للخزان في عام 1912، وارتفع منسوب المياه، وأغرق ثماني قرى أخرى (الهجرة الثانية)، ثم جاءت التعلية الثانية للخزان عام 1933، وأغرقت معها 10 قرى أخرى (الهجرة الثالثة). وفي عام 1959، جرى البدء في تنفيذ مشروع السد العالي، الذي ترك خلفه مدينة حلفا الواقعة أقصى شمال السودان غارقة على إثر اتفاقية مياه النيل مع حكومة السودان».

ويضيف: «وكان للهجرة الرابعة لأبناء النوبة تبعات فقد بدأت مشاكلها مع بداية الحصر عام 1960، الذي صنفهم ما بين مقيم ومغترب، حتى حدث ما لم يكن في الحسبان وهو غرق أرض النوبة بشكل كلي، بالإضافة إلى أن المكان الجديد البعيد في صحراء كوم أمبو الشرقية، والذي كان من المفترض توطنيهم فيه، كان مختلفًا تمامًا عن البيئة التي تعود عليها السكان».

ولاحتواء الموقف، ذهب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى النوبة عام 1960، لمقابلة النوبيين وإلقاء خطابه الشهير بجوار معبد أبو سمبل، وتقديم وعده أن الحياة ستصبح أفضل، وسيشارك النوبيين في الحياة الصناعية، وليس الزراعية فقط، ويعم الخير والنماء. وبعد الخطاب الشهير بثلاث سنوات بدأت هجرة النوبيين تاركة جُرحًا لا يندمل حتى بعد مرور أكثر من خمسة عقود، فقد جاءت الهجرة في ظروف صعبة للأهالي خاصة أسلوب الشحن البدائي لهم مع حاجياتهم، وأمتعتهم، وماشيتهم، وزاد من معاناة الأهالي وقتها أنه في أول يوم من أيام الهجرة، تبين أن 90% من المنازل غير مكتملة الإنشاء، ووجود صنبور مياه واحد فقط مصدرًا للمياه لجميع أهالي القرية.

ومن المشاكل التي أثيرت وقتها أن تعويضات النوبيين عن عملية التهجير كانت ظالمة، ولا تتناسب إطلاقًا مع حجم وظروف المعيشة التي كانوا يعيشون فيها سابقًا. وخلال حكم أنور السادات، ورغم ما يُشاع عنه بعشقه للنوبة، وزيارته مرتين لمركز نصر النوبة بمحافظة أسوان، إلا أن أوضاع النوبيين لم تتحسن كثيرًا في عهده، وظل التهميش والاضطهاد الثقافي للنوبيين، وظلت الصورة النمطية عن النوبيين كما تُصورهم الأفلام العربية بأنهم جماعة من أصحاب البشرة السوداء، ويعملون دائمًا في الوظائف الدُنيا.

ولم يتغير الوضع كثيرًا في عهد مبارك، الذي شهد صدور توصية من لجنة الإسكان والمرافق بمجلس الشعب 1998 حول ضرورة إعادة التوطين للنوبيين، ولكن لم يحدث أي تغيير. وفي نهايات حكم مبارك، ظهرت فكرة تدويل المشكلة في عام 2010 وسط مطالبات من الناشطة النوبية الحقوقية منال الطيبي، مديرة «المركز المصري لحقوق السكن»، والتي تزعمت تدويل المسألة النوبية، ودعت إلى اجتماع لحشد أصوات النوبيين ضد الحكومة المصرية أمام لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، إلا أن العديد من القيادات النوبية وقتها رفضت فكرة التدويل.

النوبة ومعاناة التهميش

في يناير (كانون الثاني) 2016، قالت نجلاء أبو المجد، مسؤول الملف النوبي في حزب «المصريين الأحرار»، إن النوبيين يعانون من التهميش في مصر منذ عقود، وعلى مدى سنوات، كانت أهم مطالبهم، تكمن في حق العودة إلى أراضيهم، وإنشاء هيئة لتعمير المنطقة، تتكون من شخصيات تكنوقراط نوبيين، وتمليك منكوبي خزان أسوان لمنازلهم.

وكان مجلس الوزراء قد أصدر قرارًا في عام 2011، لعمل مشروع تنموي شامل للمنطقة، وخصص رئيس الوزراء الأسبق، عصام شرف، عددًا من الأراضي للنوبيين، لكن توقف الأمر بعدها. وأضافت أبو المجد: «قبل الانتخابات الرئاسية في 2011، جلس المرشح الرئاسي وقتها د. محمد مرسي مع النوبيين، ووعد بإعطائهم جميع حقوقهم، لكن بعد توليه الرئاسة، وفي أول أسبوع، أصدرت وزارة الزراعة قرارًا ببيع أراضي النوبة، التي وعد بها عصام شرف في المزاد العلني، ووقتها قرر النوبيون الاعتصام حتى لا ينفذ القرار».

وفى دراسة بعنوان «النوبيون في مصر المعاصرة: الحشد للعودة لأراضي الأجداد»، والصادرة عن دورية «Middle Critique East» في فبراير (شباط) عام  2016، تُشير إلى أنه رغم عمليات إعادة التوطين التي بدأت لأهل النوبة في الستينيات من القرن العشرين، والتي توقع البعض أنها ستثير حالة كبيرة من الاضطراب في المجتمع النوبي، فإن محاولات الحشد لرفض التهميش كانت محدودة للغاية وعلى نطاق ضيق، الأمر الذي يمكن إرجاعه إلى عدة عوامل، منها: القومية المصرية العربية التي عزَّزت من مفهوم المجتمع الواحد المتجانس، و الانقسام النوبي المتمثل في الاختلاف حول الاستراتيجية التي يجب اتباعها لتحقيق التغيير وأولوياته، فضلًا عن الصراع بين النوبيين أنفسهم حول من له الحق في الحديث باسم أهل النوبة والتعبير عن مشاكلهم ومطالبهم.

فضلًا عن ذلك، تشكلت  «الجمعية النوبية المصرية للمحامين»، التي رفعت عددًا من الدعاوى القضائية لأهل النوبة، تطالب فيها بالعودة إلى أراضي أجدادهم، والتعويض العادل عن الأضرار التي تعرضوا لها. أيضًا تكون «اتحاد الشباب النوبي الديمقراطي»، الذي استخدم وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مكثف، واعتمد عليها النشطاء في تنظيم المظاهرات، والاحتجاجات التي مثَّلت دافعًا وإلهامًا لجيل شباب النوبيين للمطالبة بحقوقهم.

ولا ننسى أيضًا دور ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، والتي مثَّلت نقطة تحول في مسيرة الحقوق النوبية، حين نزل لأول مرة النشطاء والشباب النوبيون إلى الشوارع للمشاركة في إسقاط نظام مبارك، الذي طالما أهمل حقوقهم، ولم يعترف بها، وحتى بعد تولي المجلس العسكري السلطة، استمر الشباب في تنظيم الاحتجاجات في أسوان وغيرها، من أجل التأكيد على المطالب النوبية. وفي دستور 2014، جرى الاعتراف لأول مرة صراحة في مواد الدستور بحقوق أهل النوبة، وتمثيلهم داخل لجنة الخمسين، الأمر الذي مثَّل عند النوبيين خطوة إيجابية في مسار الاعتراف الحكومي والمجتمعي بحقوقهم ومطالبهم.

ليس بواب عمارتك ولا يحب أن تناديه «بكار».. ما لا تعرفه عن النوبيين في مصر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد