إذا ما أصيب أحد منا بصداع فإنه يقوم ببساطة بتناول قرص من الأقراص المسكنة ليكتشف زوال الصداع خلال أقل من نصف الساعة.

إذا ما أصيب الإنسان بجرح ما فإنه يلجأ سريعًا إلى تناول المضادات الحيوية لمدة بضعة أيام دون أن يخشى حدوث أية مشاكل كبيرة جراء هذا الجرح.

هذه الأمور أصبحت بسيطة جدًا في حياتنا اليومية لكن كيف وصلنا إلى هذه الأمور البسيطة؟ والأهم أيضًا إلى أين ستأخذنا صناعة الدواء في المستقبل القريب؟

البداية

تشير الترجيحات إلى أن شعوب ما قبل التاريخ من المحتمل أنها استعملت الأدوية قبل ظهور أول حضارة على سطح الأرض. فقد يكونوا قد اكتشفوا قدرة بعض النباتات على تسكين الآلام وشفائهم من بعض الأمراض. ومن الممكن أنهم لاحظوا التهام بعض الحيوانات المريضة لأنواع من الأعشاب وشفائها ومن ثم قاموا هم بتناول هذه الأعشاب أيضًا.

أول سجل مكتوب لدينا لاستعمال الدواء كان عبارة عن لوحة صلصال يعود تاريخها للحضارة السومرية عام 2000 قبل الميلاد. هذا اللوح يحتوي على 21 وصفة علاجية.

هناك ورقة بردي فرعونية يعود تاريخها إلى عام 1550 قبل الميلاد تحتوي على أكثر من 700 دواء.

من ناحية أخرى فإن الرومان هم أول من كتب وصفات طبية تحدد كمية كل مادة يحتويها الدواء.

من بين الأدوية الناجحة التي استخدمتها الحضارات القديمة كان استخدام الإغريق للأفيون لتسكين الآلام، واكتشاف الفراعنة لزيت الخروع لعلاج الإمساك، واكتشف الصينيون أن تناول الكبد يشفي من فقر الدم.

في عام 640 قبل الميلاد كان مولد أبقراط الذي يوصف بأنه “أبو الطب والصيدلة” وذلك لرفضه الاعتقاد بأن منشأ المرض هو قوى خارقة غير طبيعية كما كان يظن العديد في ذلك الوقت فقام باستبدال هذه النظرية بأخرى تقول أن المرض ينشأ نتيجة مسببات طبيعية، وقام بذكر حوالي 400 دواء بعضها لا يزال يستعمل حتى يومنا هذا.

إن ما نطلق عليه في أيامنا هذه الطب البديل أو التداوي بالأعشاب كان هو أساس علم الطب والصيدلة في الحضارات القديمة.

مصطلح الطب البديل يعني استخدام النباتات ومستخلصاتها في علاج بعض الحالات المرضية، وقد كان في بدايته بالطبع غير معتمد على أية أصول علمية لكنه كان نتاج الصدفة والتجربة.

الحضارة الإسلامية

كان الأطباء المسلمون في العصر العباسي هم أول من رأى أنه لابد من فصل مهنة الصيدلة عن الطب في ظل التطور الكبير الذي وصل له الطب والدواء في ذلك الوقت.

وبالفعل أصبح الدواء علمًا منفصلًا ليتم تطبيقه في مصر وبغداد والأندلس مما ساهم في تفرغ العلماء في اكتشاف الوصفات العلاجية المفيدة.

أول صيدلية يتم إنشاؤها في التاريخ كانت في بغداد في القرن السابع الميلادي في عهد الخليفة المنصور حيث تم إنشاء أول جدول صيدلاني ليتم استخدامه لاحقًا كمرجع ونموذج لإصدار “دستور أدوية لندن الأول”.

الكيميائي العربي جابر بن حيان كان أول من استحضر الحمض الكبريتي وسماه الزاج وهو أول من اكتشف الصودا الكاوية.

القرن التاسع عشر

صناعة الأدوية الحديثة تعود في أصلها إلى مصدر رئيسي ويتمثل في العطارين الذين توسعوا من مهنتهم التقليدية في بيع الأعشاب والنباتات الطبية إلى عملية تصنيع الدواء وذلك في فترة القرن التاسع عشر.

ما لا يعرفه الكثيرون أن شركات الأدوية العملاقة مثل ميرك، وهوفمان-لاروش، وأبوت، وليللي، وأبجون بدأت كصيدليات عشبية محلية خلال فترة القرن التاسع عشر.

في أواخر الثمانينيات من القرن التاسع عشر تمكن مصنعو الصبغات في ألمانيا من تنقية بعض المركبات العضوية الهامة طبيًا مثل القطران وبعض المصادر المعدنية. هؤلاء المصنعون تمكنوا أيضًا من إنشاء أساليب بدائية في عمليات تخليق المركبات العضوية.

ومع تطور طرق تخليق المركبات العضوية تمكن العلماء من التغيير في التركيب الكيميائي لبعض المركبات العضوية وهو ما تسبب في نمو واتساع علم “الفارماكولوجي” أو علم الصيدلة.

في فترة التسعينيات من القرن التاسع عشر، تم اكتشاف التأثير القوي لخلاصة الغدة الكظرية على مختلف أنواع أنسجة الجسم الحية، من هنا بدأ التركيز على محاولة معرفة ميكانيكية عمل هذه الخلاصة على مختلف الأنسجة الحية من أجل محاولة تطوير عقاقير جديدة.

تم استخدام هذه الخلاصة في العديد من النواحي الطبية حيث أن لها تأثير قابض للأوعية الدموية مما ساعد الجراحين على وقف النزيف، كما أن تأثيرها الرافع لضغط الدم ساعدهم أيضًا على علاج حالات الصدمة للمرضى. من هنا قامت بعض الشركات الدوائية في إنتاج عدد من المنتجات المبنية على خلاصة الغدة الكظرية لكن بدرجات نقاء متفاوتة.

في عام 1897 م تمكن العالم جون أبيل من جامعة هوبكنز من معرفة السبب الرئيسي للآثار الناتجة عن خلاصة الغدة الكظرية وذلك عندما تمكن من عزل هرمون الإبينفرين. في وقت لاحق تمكن العالم الكيميائي جوكيشي تاكاميني من إنتاج الإبينفرين في صورة نقية وقام بمنح التكنولوجيا المستخدمة في التصنيع إلى بارك ديفيس الذي قام بتسويقه بالاسم التجاري الشهير “الأدرينالين” في صورة حقن. الاستخدام الأبرز في ذلك الوقت كان في علاج الربو.

هذا القرن شهد أيضًا المحاولات الأولى لإنتاج اللقاحات والأمصال. في عام 1885م تمكن العالم الفرنسي لويس باستير من إنتاج أول لقاح ضد مرض الكلب. توالت إنتاج اللقاحات بعد ذلك مع بدايات القرن العشرين.

القرن العشرين

في عام 1929م تم تطوير الأدرينالين ليستخدم كاستنشاق لعلاج احتقان الأنف. لكن من ناحية أخرى فإن استخدام الأدرينالين على صورة حقن فقط لعلاج الربو كان له أثر سلبي مما حدا بالعلماء محاولة تطوير مركب يستخدم عبر الفم.

استطاع كيميائيون يابانيون في مصنع ما هوانغ من اكتشاف مادة الإيفدرين والتي تم تسويقها عبر شركة “ليللي” عبر الفم لعلاج الربو.

وسط عمليات التطوير هذه تمكن بعض العلماء من اكتشاف مادة الأمفتامين التي وجدوا لها تأثيرا متوسطا لعلاج الأزمة لكن له تأثير قوي في منح الإحساس بالابتهاج والنشوة. تم اعتماد الأمفتامين في علاج حالات الاكتئاب والشلل الرعاش.

يعتبر النصف الأول من القرن العشرين هو النقلة النوعية فعلًا في مجال صناعة الدواء والانتقال من الطب التقليدي بالأعشاب إلى الدواء المصنع في المعامل. هذه الفترة شهدت العديد من الاكتشافات لعدد من المواد الكيميائية الطبيعية التي تم تطويرها لاحقًا إلى أدوية جديدة لا تزال تستخدم إلى وقتنا هذا.

من بين هذه الاكتشافات كان هناك “داي إيثيل باربيتيوريك أسيد” عام 1903م وهي أحد أنواع المهدئات الشهيرة التي حصلت شركة باير الألمانية على حق تصنيعها وتسويقها لتقوم بتطوير هذا المركب تدريجيًا حتى حصلنا على مجموعة الباربيتيورات الشهيرة بمختلف أفرادها.

نتيجة أبحاث استمرت في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تم ربط حدوث مرض السكر بنقص إفراز مادة معينة يقوم البنكرياس بإفرازها. لاحقًا ولكن بعض صعوبات نتيجة قلة المادة في المستخلص، تم اكتشاف مادة الإنسولين.

الحدث الأبرز خلال النصف الأول من القرن العشرين كان اكتشاف مادة البنسلين بواسطة ألكسندر فلمنج. هذا الاكتشاف سبب نقلة غير مسبوقة في علم الصيدلة وصناعة الدواء لأن البنسلين كان هو بداية الاكتشاف للمضادات الحيوية التي ساهمت بشكل غير مسبوق في تقليل أعداد الوفيات حول العالم. في السابق كان يكفي أن تصاب بجرح كبير نسبيًا كي يؤدي بك إلى الوفاة.

ضمان جودة الدواء

حتى نهاية القرن العشرين كانت الأدوية المكتشفة تصنع على نطاقات محدودة وبكميات صغيرة مع ضوابط ضعيفة لعمليات التصنيع الخاصة بالأمان والفعالية.

البداية كانت عام 1902م في الولايات المتحدة مع انتشار وباء مرض التيتانوس وانتشار لقاحات ملوثة للجدري والدفتيريا تسببت في حدوث حالات وفيات عديدة. لذلك اضطرت حكومة الولايات المتحدة إلى تطبيق قانون مراقبة المواد البيولوجية حيث أصبح من المطلوب موافقة الحكومة الاتحادية لكل دواء وللعملية المتبعة في التصنيع ولمكان التصنيع نفسه وذلك قبل عرض الدواء للبيع في الأسواق.

عام 1906م تم تطبيق قانون الأغذية والعقاقير الذي تم بموجبه منع توزيع أي طعام أو دواء مغشوش أو لم يحصل على الترخيص. ومن بين الأدوية الممنوع إعطائها حق الترخيص كانت كل دواء يحتوي على الكحول أو المورفين أو الأفيون أو الكوكايين أو أي أدوية يمكن أن تسبب الإدمان.

الغريب أن محاولات الحكومة الاتحادية لتطبيق هذه القوانين قابلها رفض المحكمة الدستورية وقيامها بتجميد إمكانية مقاضاة الحكومة للشركات غير المطابقة للمعايير التي حددتها الحكومة.

في عام 1937م توفي أكثر من 100 شخص بعد تناولهم لإلكسير (الإلكسير هو دواء تكون المادة الفعالة ذائبة في مذيب كحولي) من السلفانيلاميد المذاب في الإثيلين جليكول، الإثيلين جليكول هو مادة كحولية سامة تستخدم حاليًا كمضادات للتجمد في راديراتيرات السيارات.

نتيجة لهذا أصدر الكونغرس الأمريكي القانون الفيدرالي للغذاء والدواء ومستحضرات التجميل عام 1938م والذي يتطلب مراقبة الدواء وتصنيعه قبل نزوله للأسواق بشكل فعال جدًا وليس بشكل صوري كما كان يحدث سابقًا.

ما بعد الحرب العالمية الثانية

نتيجة وفيات الحرب العالمية الثانية، حدثت طفرة واضحة في اكتشاف أنواع جديدة من المضادات الحيوية مثل السيفالوسبورينات التي اكتشفتها شركة “ليللي”، والستربتوميسين المكتشف بواسطة شركة “ميرك”، والتتراسيكلينات المكتشفة عبر إحدى شكات مجموعة فايزر، وغيرها الكثير.

نتيجة هذه الطفرة ارتفع معدل تناقص حالات الوفيات من 2% إلى 8% في الولايات المتحدة في الفترة بين عامي 1940م إلى 1955م.

تسارعت في هذه الفترة أيضًا معدلات اكتشافات أنواع جديدة من اللقاحات مثل لقاح شلل الأطفال.

من هنا كانت الانطلاقة للشركات متعددة الجنسيات لتقوم بأبحاث عديدة في مختلف المجالات ليبدأ اكتشاف مئات الأدوية الجديدة في كافة المجالات ولغالبية الأمراض المعروفة.

شركات الأدوية تحكم العالم

طبقًا لبيانات عام 2014م فإن إجمالي مبيعات أكبر 12 شركة لصناعة الدواء في العالم بلغ 508 مليار دولار أمريكي. هذا الرقم مقارب لإجمالي الدخل القومي لدولة مثل السويد أو بولندا أو الأرجنتين أو النرويج.

ولتقريب الصورة إلى الأذهان فإن 12 شركة دواء فقط لا تتفوق سوى دولة عربية وحيدة عليهم في إجمالي الدخل القومي هي المملكة العربية السعودية. بينما باقي الدول العربية يقل دخلها القومي عن هذه الشركات.

هذا الأمر جعل شركات الأدوية مثلها مثل كبرى الشركات متعددة الجنسيات في المجالات الأخرى، هي المتحكم الرئيسي في الاقتصاد العالمي بل والثقافة والسياسة في ظل النظام العالمي الجديد.

العديد من نظريات المؤامرة انتشرت نتيجة لذلك الأمر خصوصًا وأن ما يهم شركات الأدوية هو عوامل الربح والخسارة. منذ ثلاثة عقود كاملة لم نجد شركة أدوية كبرى تقوم بأبحاث جدية من أجل ابتكار أنواع جديدة من المضادات الحيوية خصوصًا مع تطور البكتيريا والطفيليات واكتسابها مناعة لأغلب المضادات الحيوية الموجود حاليًا. هذا الأمر ينبع من أن الشخص لا يأخذ المضاد الحيوي إلا لأيام معدودة بعد إصابته بعدوى جرثومية مما يعني قلة استهلاك الدواء مقارنة بأنواع أخرى للأدوية المستخدمة في الأمراض المزمنة أو شبه المزمنة مثل قرح المعدة والضغط المرتفع والسكر والروماتيزم والاكتئاب وغيرها.

مثال آخر جاء عبر تقرير لموقع العربية على الإنترنت بتاريخ 1 أغسطس 2014م أشار إلى وجود لقاح فعال من الإيبولا لكن الحكومات الغربية بتنسيق مع شركات الأدوية بالطبع تقوم بتخبأته. هذا الأمر أكده قيام الحكومة الكندية بحقن طبيب ألماني بلقاح فعال ضد الإيبولا بعدما قام الطبيب بحقن نفسه بالخطأ بالفيروس القاتل.

بعض الخبراء الصحيين قالوا لصحيفة “هوفتمان بوست” أنهم يعتقدون أن العالم لن يتحرك لإنقاذ المصابين بالوباء القاتل طالما أنه لم ينتشر خارج القارة الإفريقية وذلك لأن المستهلكين الأفارقة ليسوا مربحين على عكس المستهلك الأوروبي.

المستقبل

هناك العديد من التقنيات الجديدة التي يتجه العلم الحديث لتطبيقها في المستقبل القريب.

العالم يقوم حاليًا بالبحث من أجل إنتاج عدد من التكنولوجيات الطبية الحديثة مثل:

1- كبسولة يتم بلعها تعالج جميع الأمراض.

2- جهاز مناعة صناعي

3- زرع جينات حيوانية في الإنسان لإكسابه مواصفات معينة

4- أطراف صناعية إلكترونية

5- تعزيز حواسنا الطبيعية

6- زرع أجهزة استشعار

7- التخفيف الفوري للألم

8- العلاج عبر التلاعب بالجينات

9- الأدوية الشخصية التي تتناسب مع التركيب الجيني والفسيولوجي والنفسي مع شخص واحد فقط لا غير.

10- تطوير وسائل إيصال الدواء بعيدًا عن الأشكال التقليدية من أقراص وكبسولات وحقن وغيرها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد