أصبحت جراحة التجميل شائعة، فلم تعد مصطلحات حقن «البوتوكس» و«الفيلر»، وتكبير الثدي، وشد الوجه غريبة، بل أضحى من السهل اللجوء إليها لتحسين المظهر الخارجي، وتجديد شباب الوجه، والجسم بأمان كبير. ولكن لا تنطوي الجراحات التجميلية على تعزيز الجمال فحسب. فمصطلح جراحات التجميل «plastic surgery»، المأخوذ من الكلمة اليونانية «plastiko» بمعنى إعادة تشكيل، ينقسم إلى جراحات لتعزيز الجمال، وأخرى لإعادة بناء وإصلاح العيوب الخلقية في المظهر.

وجراحات التجميل ليست إجراءً حديثًا، وإنما قد تكون أقدم مما تتخيل، فدعونا نتعرف سريعًا على التاريخ الموجز لجراحات التجميل منذ نشأتها حتى الآن.

في الهند.. أول جراحة تجميلية للأنف

كان للطب الهندي تاريخ طويل، وقد تميز العصر الذهبي للطب الهندي – ما بين 800 قبل الميلاد حتى حوالي 1000 بعد الميلاد – بإنتاج العديد من الأطروحات الطبية والتي أبرزها شاراكا سامهيتا، وساسروتا سامهيتا. وقد جاء ذكر الجراحات التجميلية في نصوص ساسروتا سامهيتا «Sushruta-samhita» التي وضعها الممارس الطبي الهندي القديم ساسروتا في عام 600 قبل الميلاد تقريبًا.

كانت الجراحة عبارة عن إعادة بناء أنوف مشوهة باستخدام أنسجة وجه المريض، أو جبهته بالحجم والشكل المناسبين، ووضعها على جذع الأنف، فقد كان بتر الأنوف من العقوبات المقررة للأنف آنذاك، فلذا وجب ترميمها، وجاء وصفها في الكتاب على النحو التالي:

«يجب قياس جزء الأنف المراد تغطيته أولًا بورقة. ثم يجب تشريح قطعة من الجلد بالحجم المطلوب من الجلد الحي للخد، وتحريكها لتغطية الأنف، مع الاحتفاظ بجزء صغير ملتصق بالخد. يجب أن يكون الجزء من الأنف المراد ربط جلد الخد به مزال جلده حديثًا بقطعه بسكين. يجب على الطبيب بعد ذلك أن يضع الجلد على الأنف ويخيط الجزأين بسرعة، مع إبقاء الجلد مرفوعًا بشكل صحيح عن طريق إدخال أنبوبين من نبتة الخروع، بحيث يصبح الأنف الجديد بالشكل المناسب، وبالتالي يتم تعديل الجلد بشكل صحيح، ثم يجب رشه بمسحوق من عرق السوس وخشب الصندل الأحمر ونبات البرباريس. أخيرًا تجب تغطيته بالقطن واستخدام زيت السمسم النظيف باستمرار».

التحضير لجراحة تجميلية

 صورة تحضير لجراحة تجميلية حديثة

كما يقال إن أول نص خاص بالجراحة التجميلية يعود إلى الحضارة المصرية القديمة، وجاء ذكره في بردية إدوين سميث التي تعود إلى الأسرة 16 و17 من مصر القديمة، ووفقًا لما يقال عن هذه البردية، فقد شملت أوصاف للأنوف المكسورة وكيفية إصلاحها وترميمها.

ازدهار واندثار جراحة التجميل.. من العصر اليوناني إلى العصور الوسطى

مرت الجراحات التجميلية بفترات ازدهار واندثار عبر التاريخ، فخلال الفترة اليونانية الرومانية التي تمتد ما بين 332 قبل الميلاد و395 بعد الميلاد، وُثقت العديد من النصوص الطبية، من بينها ما دونه الكاتب الموسوعي الرومي أولوس كورنيليوس سيلسوس في كتاب الطب «دي ميديسينا» الذي يحوي طرقًا جراحية لإعادة بناء الأذنين والشفتين والأنوف. وفي العصر البيزنطي كانت أهم أعمال الكاتب الطبي اليوناني أوريباسيوس موسوعة طبية كاملة بعنوان: «Synagogue Medicae»، وكانت مكونة من 70 مجلدًا يحتوون على العديد من النصوص الخاصة بتقنيات ترميمية لإصلاح عيوب الوجه.

لكن شهدت العصور الوسطى تأخرًا في الجراحات التجميلية، فقد وصلت إلى طريق مسدود نسبيًا بفضل سقوط روما وانتشار المسيحية. في مرحلة ما خلال هذه الفترة الزمنية، أعلن البابا إنوسنت الثالث أن الجراحة بأي شكل من الأشكال محظورة صراحة بموجب قانون الكنيسة. وبسبب توقف السعي وراء المعرفة العلمية والتركيز على الجوانب الروحية، علاوة على الافتقار إلى معايير النظافة، تعرض مرضى الجراحة للخطر، ولكن ظل هناك بصيص من الأمل، ففي القرن العاشر تطورت جراحات إصلاح الشفة الأرنبية.

عصر النهضة ينقذ جراحة التجميل

شهد عصر النهضة تقدمًا كبيرًا في العلوم، وأصبحت تقنيات الجراحة أكثر أمانًا وفاعلية. تبنى الجراح الإيطالي جاسبار تاجلياكوزي والجراح الفرنسي أمبرواز باري هذه الإجراءات المبكرة وأبدعا في إعادة بناء الجروح المعقدة. كما تطورت جراحات ترميم الأنف، وقد جاء وصف إحدى تلك الجراحات التي أجراها الجراح أنطونيو برانكا، وذلك في كتاب بعنوان: «Buch der Bündth-Ertznei» في عام 1460.

كما كتب سيراف الدين سابونكو أوجلو نصًا من القرن الخامس عشر بعنوان: الجراحة الإمبراطورية، ويتضمن 191 موضوعًا جراحيًا. ناقش النص مواد حول جراحة الوجه، والفكين، وجراحة الجفن، كما تضمن بروتوكولًا لعلاج التثدي الذي يعتقد أنه أساس الطريقة الحديثة للتصغير الجراحي للثدي.

خلال القرن السابع عشر، تراجعت الجراحة التجميلية مرة أخرى، ولكن بحلول أواخر القرن الثامن عشر عادت لتنهض من جديد. وفي القرن التاسع عشر، استخدم الجراح الألماني كارل فرديناند فون غريف مصطلح «plastic» لأول مرة عندما وصف عمليات إعادة البناء الإبداعية للأنف في نصه «Rhinoplastik».

الحرب العالمية الأولى وتأثيرها على جراحات التجميل

لم تحدث التطورات الرئيسة في الجراحة التجميلية حتى الحرب العالمية الأولى، عندما جعل ضحايا الحرب الجراحة التجميلية الترميمية ضرورة للعديد من الجنود. طُلب من الأطباء العسكريين علاج العديد من إصابات الوجه والرأس الواسعة الناجمة عن الأسلحة الحديثة. استدعت هذه الإصابات الخطيرة ابتكارات شجاعة جديدة في الإجراءات الجراحية الترميمية.

كما تطورت تقنيات رائدة لتطعيم الجلد، مثل التطعيم الأنبوبي، خلال الحرب العالمية الأولى وصقلها جراحا التجميل الرائدان أرشيبالد ماكندو وهارولد جيل اللذان استخدما التقنيات لعلاج حروق الوجه الشديدة. في الولايات المتحدة جرى تأسيس الهيئات المنظمة للجراحة التجميلية بين الحربين العالميتين؛ إذ تأسست الجمعية الأمريكية لجراحي التجميل في عام 1931، والمجلس الأمريكي لجراحة التجميل في عام 1937.

في يوليو (تموز) عام 1946 نُشر العدد الأول من مجلة الجراحة التجميلية والترميمية، وهي مجلة علمية تستهدف جراحي التجميل تحديدًا لنشر المعرفة والاكتشافات المهمة بينهم، وفي بداية الخمسينات شهدت المستشفيات الميدانية خلال الحرب الكورية مزيدًا من التقدم في العمليات الترميمية، والتعامل مع كسور الوجه، وتشوهات الجلد الكبيرة.

الجراحات التجميلية لإبراز الجمال

تعود عمليات تكبير الثدي إلى القرن التاسع عشر، وتعود عمليات شد الوجه إلى نهاية القرن التاسع عشر، ولكن في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، بدأ التاريخ الحديث للجراحات التجميلية، فأصبح السيليكون عنصر أساسي في بعضها، فبدأ كعنصر أساسي في علاج عيوب البشرة، ثم انتقل إلى مرحلة زراعة الثدي، وبعدها في غرسات السيليكون في جميع أنحاء الجسم.

حقن البوتوكس

 حقن البوتوكس

وفي الوقت الحالي تتمتع الجراحة التجميلية بشعبية كبيرة، ويحقق التقدم الطبي نجاحات ترميمية كانت في يوم من الأيام مجرد حلم لما يمكن أن يكون يومًا ما. يمثل الاتجاه الأكثر أهمية في الجراحة التجميلية في التحرك نحو إجراءات أقل توغلًا مصممة لدرء علامات الشيخوخة الظاهرة، وتستلزم أكثر الإجراءات شيوعًا استخدام المواد القابلة للحقن، مثل حشو تجاعيد الوجه، وعلى الأخص «البوتوكس».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد