لا يكاد يخلو مكان حولنا من البلاستيك، إننا محاطون به من جميع الزوايا، حتى أصبح ضرورة لا غنى عنها في حياتنا، وأدى استبدال البلاستيك ببعض المواد الطبيعية إلى جعل كثير من ممتلكاتنا أرخص، وأخف وزنًا، وأكثر أمانًا وأقوى. ولا يمكن لأحد إنكار أن المواد البلاستيكية الرخيصة رفعت مستوى المعيشة، وجعلت بعض المواد متاحة بسهولة أكثر. وبدون البلاستيك، قد تصبح العديد من الممتلكات التي نأخذها أمرًا مسلمًا به؛ بعيدة المنال.

لكن لهذه المادة وجهًا آخر مظلمًا، باتت تتكشف مساوئه شيئًا فشيئًا. فمن أين كانت البداية؟ وكيف تشعب وتغلغل بعدها في كل جوانب الحياة؟ وما المشكلات البيئية والأضرار الصحية التي نتجت منه؟ وكيف السبيل إلى تفاديها؟ هذا ما نتناوله في السطور التالية.

كرات البلياردو.. من هنا كانت البداية

يرجع أصل كلمة بلاستيك إلى الفعل اليوناني (plassein)، الذي يعني قولبة أو تشكيل. ويمكن إطلاق لفظ بلاستيك على أي مادة مصنوعة من البوليمرات، التي هي عبارة عن تكرار لجزيئات كبيرة تتكون من الوحدة الفرعية ذاتها. ويشمل هذا جميع الأنواع التي صنعها الإنسان، مثل النايلون. بالإضافة إلى عديد من المواد الموجودة في الكائنات الحية، مثل البروتين. وعادةً عندما يُشار إلى البلاستيك، يعني ذلك المواد الاصطناعية التي تكون ناعمة ومرنة في البداية، ويسهل تشكيلها إلى الأشكال المرغوبة.

أول كرة للبلياردو مصنوعة من السيلولويد (البلاستيك) – مصدر الصورة: americanhistory

يوجد البلاستيك اليوم في كل مكان، ولكن من أين كانت البداية؟ نشأ كل هذا البلاستيك من جسم صغير، لم يكن مصنوعًا في البداية من البلاستيك. إنها كرات البلياردو، التي كانت تُصنع لقرون من عاج أنياب الفيلة. ولكن عندما أدى الصيد المفرط إلى انخفاض عدد الأفيال في القرن 19، بدأ صانعو البلياردو في البحث عن بدائل، وتقديم مكافآت ضخمة لمن يتوصل إلى بديل.

وبالفعل، في عام 1863، قَبِل الأمريكي جون ويسلي التحدي، وعمل على اختراع مادة جديدة تسمى السيلولويد، المصنوعة من السليلوز الموجود في الخشب والقش، والتي عرفت فيما بعد بالبلاستيك الأول. ولكن سرعان ما اكتشف ويسلي أن السيلولويد لا يمكنه حل مشكلة البلياردو؛ إذ لم تكن المادة ثقيلة بما يكفي، ولم تكن ترتد على النحو الصحيح. علاوة على ذلك، كان السيلولويد سريع الاشتعال؛ ما جعل عملية إنتاجه محفوفة بالمخاطر.

علوم

منذ سنتين
«قيراط حظ ولا فدّان شطارة».. اختراعات ذكية توصَّل إليها أصحابها بالصدفة

«الباكليت».. الانطلاقة الحقيقية لظهور البلاستيك

لذلك؛ بدأ المخترعون في البحث عن بدائل، وفي عام 1907، جمع الكيميائي ليو بيكلاند مادة الفينول مع أحد مخلفات قطران الفحم، والفورمالدهايد؛ ونتج من ذلك بوليمر قوي جديد سُمي «الباكليت». كان هذا المنتج الجديد أقل اشتعالًا من السيلولويد بكثير، وكانت المواد الخام المستخدمة في صناعته أكثر توفرًا. ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل كان «الباكليت» مجرد البداية، والبوابة التي انطلق منها ماراثون البحث والتطوير لمزيد من المواد اللاحقة.

في عشرينيات القرن الماضي، طور الباحثون مادة البوليسترين للاستخدام التجاري، والتي تتكون من مادة بلاستيكية إسفنجية تستخدم في العزل. وبعد ذلك بفترة وجيزة، ظهرت مادة البولي فينيل كلوريد (الفينيل)، القوية والمرنة في الوقت نفسه. ولاحقًا، ظهرت ألواح الأكريليك الشفافة التي تحاكي الزجاج ولكنها مقاومة للكسر. وفي الثلاثينيات، احتل النايلون مركز الصدارة، والذي صُمم لمحاكاة الحرير ولكن بقوة مضاعفة.

وبداية من عام 1933، أصبح البولي إيثلين أحد أكثر أنواع البلاستيك تنوعًا، وما يزال يستخدم حتى اليوم في صناعة كل شيء تقريبًا، من أكياس البقالة، وزجاجات الشامبو، إلى السترات الواقية من الرصاص. وعلى نحوٍ موازٍ، تطورت تقنيات التصنيع الجديدة أيضًا، وظهرت تقنية «القولبة بالحقن»، التي جعلت من الممكن إدخال البلاستيك المذاب في قوالب من أي شكل، حيث يتصلب بسرعة آخذًا شكل القالب.

أدى هذا إلى ظهور منتجات متعددة الأشكال والأصناف، ووفر طريقة زهيدة لإنتاج البلاستيك على نطاق واسع. وتمنى العلماء أن تجعل هذه المادة الاقتصادية العناصر التي كانت مكلفة سابقًا، في متناول مزيد من الناس.

البلاستيك يغزو العالم على أوتار الحرب العالمية الثانية

تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، وهذا ما حدث بالضبط في قصتنا. بدلًا من تحقق حلم العلماء النبيل، جرى تطويع البلاستيك للخدمة في الحرب العالمية الثانية. وما إن دقت طبول الحرب، حتى تصاعد معها إنتاج البلاستيك الذي رافق الجنود أينما كانوا، وحارب معهم أينما ذهبوا.

وخلال تلك الحرب الشعواء، تضاعف إنتاج البلاستيك أربع مرات في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، إذ ارتدى الجنود برًّا خوذات بلاستيكية جديدة، ومعاطف مقاومة للماء من الفينيل. وجوًّا، جلس الطيارون في مقصورات قيادة مصنوعة من زجاج شبكي من البلاستيك المقاوم للكسر، وهبطوا بمظلات مصنوعة من النايلون المرن.

Embed from Getty Images

وبعد انتهاء الحرب، حولت شركات إنتاج البلاستيك التي ظهرت في فترة الحرب نشاطها إلى المنتجات الاستهلاكية. وأخذ البلاستيك يستبدل موادًا أخرى مثل الخشب والزجاج والنسيج في الملابس والأحذية والأثاث، والأجهزة الكهربائية. كذلك، فتحت المواد البلاستيكية متعددة الاستخدامات المجال لظهور مستلزمات التعبئة والتغليف، المصممة للحفاظ على الأطعمة وغيرها من المنتجات لفترات أطول.

وعلى الفور، ظهرت أكياس القمامة البلاستيكية، ولفائف البلاستيك المطاطية، وزجاجات البلاستيك القابلة للعصر، وعلب الوجبات السريعة، وأوعية الفواكه والخضراوات واللحوم، إلخ. وفي غضون عقود قليلة، أدى الانتشار الواسع لهذه المادة التي غزت العالم، إلى ما بات يُعرف بـ«قرن البلاستيك».

البلاستيك والبشر.. قصة حب سامة

جلب لنا البلاستيك الراحة والفعالية من حيث التكلفة وسهولة الإنتاج، ولكنه على صعيد آخر خلق مشكلات بيئية هائلة. تُصنع عديد من المواد البلاستيكية من موارد غير متجددة، وبطريقة تجعلها صالحة للاستخدام لمرة واحدة. فضلًا عن ذلك، يستغرق بعض هذه المواد قرونًا لتتحلل؛ ما يؤدي إلى التراكم الضخم للنفايات.

وقد شهدت سنوات ما بعد الحرب تحولًا في التصورات الأمريكية، التي لم تكن ترى أي سلبيات لاستخدام البلاستيك. ولوحظ وجود نفايات بلاستيكية في المحيطات لأول مرة في الستينيات، وهو العقد الذي أصبح فيه الأمريكيون أكثر وعيًا بالمشكلات البيئية، وأخذ تراكم النفايات البلاستيكية يثير قلق المراقبين.

وتراجعت سمعة البلاستيك أكثر في السبعينيات والثمانينيات مع زيادة القلق بشأن النفايات، واقترح صناع البلاستيك إعادة التدوير حلًّا للمشكلة. وفي الثمانينيات، قادت صناعة البلاستيك حملة مؤثرة شجعت البلديات على جمع المواد القابلة لإعادة التدوير ومعالجتها، جزءًا من أنظمة إدارة النفايات. ولكن هذا الحل لم يكن كافيًا، وانتهى الحال بمعظم المواد البلاستيكية في مدافن القمامة أو في البيئة.

وتضررت سمعة المواد البلاستيكية أكثر بسبب القلق المتزايد، بشأن التهديد المحتمل الذي تشكله على صحة الإنسان. وركزت هذه المخاوف على بعض المواد المضافة مثل «ثنائي الفينول أ (BPA)»، وفئة من المواد الكيميائية تسمى «الفثالات»، التي تدخل في صناعة البلاستيك، وتجعله أكثر مرونة ومتانة وشفافية.

ويخشى بعض العلماء من تسرب هذه المواد الكيميائية من البلاستيك إلى طعامنا، ومياهنا، وأجسامنا. واحتمالية أن تتسبب  الجرعات العالية منها في مخاطر صحية، مثل الإخلال بعمل نظام الغدد الصماء والهرمونات. ويزداد قلق الباحثين بشأن تأثير هذه المواد الكيميائية في الأطفال خاصة، وما يعنيه التراكم المستمر للأجيال القادمة.

في كتابها «البلاستيك: قصة حب سامة»، تشير الصحافية العلمية، سوزان فرينكل، إلى أن البلاستيك كانت له تأثيرات مفيدة للغاية، مثل جعل عمليات نقل الدم آمنة وشائعة. لكن العلماء يكتشفون الآن أن المواد الكيميائية الفثالاتية الموجودة في الأكياس الوريدية وغيرها من المواد البلاستيكية، تتسرب إلى السوائل التي تدخل أجسامنا.

وتُضيف: «تعمل هذه المواد الكيميائية بطريقة معقدة. إنها تتداخل مع هرموناتنا، ومع نظام الغدد الصماء، وهو شبكة الغدد التي تنظم النمو والتطور. وهناك بعض الأبحاث التي تُظهر أن مادة (DEHP) الموجودة في الفينيل المستخدم في الأكياس الوريدية (IV)، تتداخل مع هرمون التستوستيرون».

البيئة

منذ شهرين
ليست أفضل كما تظن.. هذا ما تفعله الأكياس الورقية في البيئة

ورغم تزايد الشكوك والمخاوف، يبقى البلاستيك أحد ضروريات الحياة الحديثة؛ فقد أتاح لنا تطوير أجهزة الكمبيوتر، والهواتف المحمولة، ومعظم التطورات المنقذة للحياة في الطب الحديث. ونظرًا إلى مكانته الكبيرة في حياتنا، يحاول بعض العلماء جعل البلاستيك أكثر أمانًا.

على سبيل المثال، يسعى بعض المبتكرين إلى تطوير البلاستيك الحيوي، المصنوع من المحاصيل النباتية بدلًا من الوقود الأحفوري، في حين يسعى البعض الآخر إلى جعل إعادة التدوير أكثر كفاءة، ويسعون لإتقان عملية تُمكن من تحلل البلاستيك مرة أخرى إلى الوقود الأحفوري الذي اشتُق منه.

وفي الوقت الحالي، يتعين علينا تكثيف الجهود الرامية لمعالجة مساوئ البلاستيك، عبر تقليل استخدامه، وتطوير مواد جديدة قابلة للتحلل، وإيجاد طرق جديدة لإعادة تدوير البلاستيك الموجود بالفعل؛ لضمان مستقبل أفضل لنا وللأجيال القادمة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد