عَكس الاستبعاد غير المسبوق في فبراير (شباط) عام 2020 من «مجلس صيانة الدستور»، لمرشحي المعسكر الإصلاحي المعتدل، من خوض انتخابات البرلمانية الإيرانية الحادية عشر، بشكل جزئي مصير هذه الانتخابات، وأثار الجدل أيضًا حول مصير الانتخابات الرئاسية الثالثة عشر أيضًا.

والآن، بعد أن جرى اختيار رئيس إيران المقبل إبراهيم رئيسي، في يوم 18 يونيو (حزيران)2021 ، وسط انتخابات غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية، تأكدت وجهة النظر القائلة بأن الانتخابات الرئاسية في إيران، ليست لاختيار رجل يترأس السلطة التنفيذية فقط، لكنها انعكاس للصراعات والتغييرات السياسية التي تمر بها الجمهورية الإسلامية منذ نجاح الثورة الإسلامية عام 1979.

في هذا التقرير، نقوم بسرد تاريخ الانتخابات الرئاسية في إيران، بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، في محاولة لفهم التاريخ المختصر لسياسة إيران بعد الثورة.

الانتخابات الأولى: هروب الرئيس!

عُقدت الانتخابات الرئاسية الإيرانية الأولى، في أكثر الأوقات صعوبة وحساسية للبلاد، فكان قد مر أقل من عام واحد على الإطاحة بشاه إيران، محمد رضا بهلوي، وقدوم مؤسس الجمهورية الإسلامية الجديدة، آية الله روح الله الخميني، لإدارة زمام الأمور وسط أجواء ثورية عاصفة.

قبل الحديث عن اختيار رئيس للجمهورية الإسلامية الوليدة، كان المسئولون أو رجال الثورة حينها، يعكفون على إنجاز الاستفتاء الخاص بتحويل إيران من الملكية إلى جمهورية إسلامية، بالإضافة إلى صياغة دستور جديد للبلاد، بديلًا عن دستور الشاه.

شكلت صياغة الدستور الجديد للجمهورية الإسلامية، الكثير من الصراعات والخلافات، المتمحورة حول مبدأ «ولاية الفقيه»، ومدى صلاحياته، وحدود سلطته، في الوقت نفسه الذي كانت السلطة الجديدة المكونة من رجال الدين والسياسين الداعمين لهم، تواجه تمردًا مسلحًا واسع النطاق في المحافظات الإيرانية ذات الأغلبية الكردية، حيث دخلت قوات الأمن الإيرانية حينها في اشتباكات مسلحة واسعة النطاق ضد المتمردين الأكراد.

لم تقف الأمور المربكة عند هذا الحد؛ فقبل الإعلان عن الانتخابات الرئاسية الأولى، احتل مجموعة من الطلاب الإيرانيين الذين أطلقوا على أنفسهم «أتباع خط الإمام»، (والمقصود بالإمام هنا هو آية الله الخميني)، السفارة الأمريكية في طهران، مما زاد من تعقيد الوضع السياسي في البلاد.

جدير بالذكر، أن في هذا التوقيت، كانت هناك حكومة مؤقتة، يرأسها مهدي بازرغان، الذي اختاره آية الله الخميني وقتها ليكون رئيس الوزراء المؤقت، وإيصال رسالة بأن بازرغان سيكون وسيطًا بين رجال الدين الثوريين، والعلمانيين، واليساريين، الداعمين للثورة.

لكن السيد مهدي بازرغان، استقال من منصبه رئيسًا للحكومة المؤقتة، اعتراضًا منه على احتلال السفارة الأمريكية في ذلك الوقت، أي قبل شهرين من إجراء الانتخابات الرئاسية الأولى!

اقتحام الطلاب الإيرانيين للسفارة الأمريكية بطهران:

علي هذه الخلفية، أجريت أول انتخابات رئاسية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وترشح فيها آنذاك 124 مرشحًا، وتجدر الإشارة إلى أن «مجلس صيانة الدستور» المعني بفحص المرشحين لم يكن قد تشكل بعد، لذلك ووفقًا للدستور الأول للجمهورية، كانت مهمة اختيار المرشحين النهائيين تقع على عاتق آية الله روح الله الخميني، لكنه قرر ترك هذه المهمة إلى لجنة انتخابية وإشراف وزارة الداخلية.

فحصت هذه اللجنة المرشحين المحتملين، ووافقت على 10 مرشحين فقط من أصل 124 مرشحًا، وهم: أبو الحسن بني صدر، سيد أحمد مدني، كاظم سامي، مسعود رجوي، صادق طبطبائي، داريوش فروهر، حسن حبيبي، محمد مكري، جلال الدين فارسي، صادق قطب زاده.

شهدت هذه الانتخابات، انسحاب مهدي بازرغان رئيس وزراء الحكومة المؤقتة، كما انسحب مسعود رجوي رئيس منظمة مجاهدي خلق (المعارضة حاليًّا للجمهورية الإسلامية).

 كان انسحاب رجوي هو الحدث الأبرز في هذه الانتخابات، فقد جرى تهديده من قبل الجماعات الموالية للخميني، بالاغتيال إذا أكمل طريقه في الانتخابات لأنه ومجاهدي خلق لم يصوتوا في الاستفتاء على الدستور، بسبب الخلاف على مبدأ «ولاية الفقيه»، كما صرح آية الله الخميني وقتها قائلًا: «أي شخص لم يصوت لصالح دستور الجمهورية الإسلامية، لا يحق له أن يكون رئيسًا للبلاد».

في النهاية، أجريت الانتخابات الرئاسية الأولى في يناير (كانون الثاني) 1980، وفاز فيها أبو الحسن بني صدر، بحوالي 11 مليون صوت، أي 76% من الأصوات.

تولى أبو الحسن بني صدر رئاسة البلاد في منعطف خطير، حين قام الرئيس العراقي السابق صدام حسين بمهاجمة إيران، في حرب استمرت ثماني سنوات. حينها عارض أبو الحسن بني صدر بعض قرارات الخميني المتعلقة بالحرب، كما اصطدمت آراؤه السياسية الليبرالية، برجال الدين المسيطرين على السلطة، فقام البرلمان الإيراني في 21 يونيو 1981 بسحب الثقة منه وعزله من منصبه، وهرب بني صدر إلى خارج إيران، حتى يومنا هذا.

الانتخابات الثانية: اغتيال الرئيس المنتخب!

بعد عزل الرئيس الأول، أبو الحسن بني صدر، وهروبه خارج البلاد، كان لا بد من إجراء انتخابات رئاسية ثانية في أسرع وقت، حينها كان «مجلس صيانة الدستور» قد تشكل، وسمح لأربعة مرشحين فقط من أصل 74 شخصًا بخوض الانتخابات في يوليو (تموز) 1981.

في هذا الوقت، كانت الخلافات بين الحكومة الثورية ومجاهدي خلق، وصلت إلى الذروة، خاصة بعد استبعاد مسعود رجوي من الانتخابات الأولى، وبعد أن جرب رجال الدين رئيسًا ليبراليًّا مثل أبو الحسن بني صدر، وما نتج عن ذلك من صدامات وصراعات، فقرر مجلس صيانة الدستور في الانتخابات الثانية، استبعاد أي صوت معارض.

جرى استبعاد مهدي بارزغان، الرئيس السابق للحكومة المؤقتة عام 1979، واستبعاد نور الدين كيانوري رئيس «حزب توده الشيوعي»، وفي النهاية جرت المنافسة بين محمد رجائي من «حزب الجمهورية الإسلامية»، وعباس شيباني المرشح المستقل، وأكبر برويش من «حركة الحرية»، وحبيب الله عسكر أولادي من «حزب المؤتلفة الإسلامي».

فاز محمد رجائي، بالانتخابات بما يقرب من 13 مليون صوت، أي بنسبة 91 % من مجموع الأصوات، حينها كان عدد الأصوات المؤهلة للانتخاب يبلغ 23 مليون ناخب، ذهب 14 مليون منهم فقط إلى صناديق الاقتراع.

لكن لم يبق رجائي في منصب الرئيس إلا حوالي شهرين فقط، فقد جرى اغتياله في تفجير استهدف مكتب رئاسة الوزراء، في 30 أغسطس (آب) 1981 وكان برفقته رئيس وزرائه محمد جواد باهنر، واتهمت الحكومة جماعة مجاهدي خلق بالوقوف وراء هذا الاغتيال، لكن وحتى يومنا هذا، لم تعلن الجماعة رسميًّا مسئوليتها عن التفجير.

الانتخابات الثالثة والرابعة: خامنئي رئيسًا

بعد هذه الأحداث الساخنة التي أحاطت بالانتخابات الرئاسية الثانية، أجريت الانتخابات الثالثة في 2 أكتوبر (تشرين الأول) 1981. سجل حوالي 46 شخصًا لخوض السباق الانتخابي، لكن مجلس صيانة الدستور سمح بأربعة مرشحين فقط، في أجواء تشبه الأجواء التي أحاطت بالانتخابات الرئاسية الثالثة عشر والتي فاز بها إبراهيم رئيسي.

الحدث الأبرز في هذه الانتخابات، كان استبعاد مجلس صيانة الدستور لإبراهيم يزدي، عضو «حركة الحرية»، وواحد من أهم المرافقين لآية الله الخميني في منفاه في باريس، قبل الإطاحة بشاه إيران، وأحد مستشاريه بعد الثورة.

كذلك اتسمت هذه الانتخابات بغياب أغلب التيارات السياسية في إيران، واقتصرت المنافسة على عدد محدود من التيارات الأصولية، فكان ثلاثة مرشحين -أكبر برورش، حسن غفوري فرد، رضا زواره اي- من حزب «المؤتلفة الإسلامي» ، والمرشح الرابع علي خامنئي من «حزب الجمهورية الإسلامية».

في هذه الأجواء غير التنافسية والإقصاء واسع النطاق، فاز علي خامنئي بالانتخابات بحوالي 16 مليون صوت، أي بنسبة 97%، وهي أعلى نسبة فوز جرى الحصول عليها في الانتخابات الرئاسية الإيرانية حتى الآن، وشارك في الاقتراع حوالي 17 مليون ناخب من أصل 23.5 مليون ناخب مؤهل.

كان آية الله علي خامنئي، أول رئيس للجمهورية الإسلامية يكمل فترة ولايته الأولى الممتدة لأربع سنوات، وفي 16 أغسطس 1985 أجريت الانتخابات الرئاسية الرابعة، وترشح حينها 50 شخصًا لخوض الانتخابات، لكن كما جرت العادة لم يسمح مجلس صيانة الدستور سوى لثلاثة مرشحين فقط بخوض المنافسة الانتخابية، وهما علي خامنئي مرشح «حزب الجمهورية الإسلامية»، ومحمود كاشاني مرشح مستقل، وحبيب الله عسكر أولادي، مرشح «حزب المؤتلفة الإسلامي».

جدير بالذكر أن مجلس صيانة الدستور، استبعد مهدي بارزغان رئيس الوزراء في الحكومة المؤقتة، وعضو حركة الحرية التي جرى حظرها لاحقًا، من خوض الانتخابات الرئاسية الرابعة، مبررًا هذا الاستبعاد بمعارضة بارزغان لاحتلال السفارة الأمريكية، ومعارضة «ولاية الفقيه»، مما أثار الكثير من ردود الفعل الغاضبة داخل الجمهورية الإسلامية، لدرجة دفعت أبرز رجال الدين الإصلاحيين في حوزة قم الدينية إلى مقاطعة الانتخابات.

في النهاية، أجريت الانتخابات وفاز علي خامنئي بولاية ثانية، بأكثر من 12 مليون صوت أي بنسبة 87%، وشارك في الاقتراع حوالي 15 مليون ناخب من أصل 26 مليون ناخب مؤهل.

الانتخابات الخامسة: وفاة آية الله الخميني والتحولات الفارقة

كانت الجمهورية الإسلامية قد خرجت لتوها من حرب دموية مع العراق، دامت ثماني سنوات، ومن ناحية أخرى، فقدت البلاد مؤسس الجمهورية آية الله روح الله الخميني الذي توفي عام 1989، فاتسعت الخلافات والصراعات على السلطة، وخوفًا من خروج الأمور عن السيطرة، حل آية الله علي خامنئي محل الخميني بسرعة، في عملية يشوبها الكثير من الجدل.

جنازة آية الله روح الله الخميني:

وعندما أصبح آية الله علي خامنئي، رئيسًا للسلطة التنفيذية وقائدًا أعلى للبلاد في الوقت نفسه، كان لا بد من إجراء انتخابات رئاسية بشكل سريع، لكن قبل الحديث عن هذه الانتخابات، يجب الإشارة إلى تأثير وفاة الخميني، وصعود خامنئي إلى هرم السلطة، وما تلاه من إقصاء كبير للعديد من الشخصيات المقربة من آية الله الخميني!

فعلى سبيل المثال، جرى إقصاء آيه الله منتظري نائب الخميني، الذي كان من المتوقع أن يحل محله، كما أُعيد تفسير الدستور وخاصة ما يتعلق بولاية الفقيه، والصلاحيات الموكلة إلى القائد الأعلى!

بالإضافة إلى ذلك، قرر خامنئي حل «حزب الجمهورية الإسلامية» الذي كان يضم كافة رجال الدين المقربين من الخميني، وإزاحتهم من الحياة السياسية.

وسط تلك الأحداث الخطيرة، استبعد مجلس صيانة الدستور – الذي منحه علي خامنئي بصفته القائد الأعلى، المزيد من الصلاحيات – العديد من المرشحين على نطاق واسع، ولم يوافق إلا على اثنين فقط -علي أكبر هاشمي رفسنجاني وعباس شيباني- من أصل 79 مرشحًا تقدموا بأوراقهم.

كانت المنافسة غير عادلة، فعباس شيباني السياسي القومي وعضو «حركة الحرية» سابقًا، لم يكن يتمتع بالقوة المناسبة لمنافسة رجل مثل هاشمي رفسنجاني، الذي كان ثاني أقوى رجل في الجمهورية الإسلامية بعد آية الله روح الله الخميني.

كما أن خطط السيد رفسنجاني وقتها لإعادة إعمار البلاد، والخروج بإيران من عزلتها الدولية؛ جعلت جميع القوى اليسارية واليمينية تلتف حوله، فكانت النتيجة فوز علي أكبر هاشمي رفسنجاني بحوالي 15.5 مليون صوت (93 %) في انتخابات ذهب إليها 16 مليون ناخب فقط، بينما كان هناك 30 مليون صوت مؤهل للانتخاب.

الانتخابات السادسة: رفسنجاني يواجه الأزمات الداخلية ويفوز بـ 50%

لم يستطع علي أكبر هاشمي رفسنجاني أن يحقق وعوده الاقتصادية وإعمار البلاد في فترة ولايته الأولى، وواجه العديد من الأزمات الداخلية وجميعها يتعلق بالاقتصاد، فقد زاد معدل التضخم، ولجأ إلى تقليص الدعم الحكومي، وتقليص الحصص الحكومية المرتبطة بإعانة الفقراء.

وعليه، خرجت المظاهرات الغاضبة والمطالبة بتحسين مستوى المعيشة، وكان أبرزها المظاهرات التي حدثت في مدينة مشهد عام 1991، والتي قمعتها قوات الأمن باستخدام العنف الشديد.

أجريت الانتخابات الرئاسية السادسة في يونيو 1993، ترشح لهذه الانتخابات 129 شخصًا، وافق مجلس صيانة الدستور على خمسة مرشحين فقط، وهما أحمد توكلي، مير حسين موسوي، رجب علي طاهري، وعبدالله جاسبي بالإضافة إلى هاشمي رفسنجاني.

أعيد انتخاب هاشمي رفسنجاني ليتولى فترة رئاسية ثانية، وحصل على 10 مليون صوت، أي بنسبة 50% من إجمالي الأصوات، في انتخابات شهدت أدنى نسبة إقبال في تاريخ الجمهورية الإسلامية، فقد ذهب 17 مليون ناخب للتصويت من أصل 33 مليون شخص مؤهل للانتخاب.

الانتخابات السابعة: حلم خاتمي يبدأ.. الإصلاحيون يصلون إلى الحكم

أنهى علي أكبر هاشمي رفسنجاني فترة ولايته الثانية، والأزمات الاقتصادية كما هي، وبدأ اتهام حكومته الثانية بالفساد والمحسوبية!

وعليه، وبسبب هذه الأوضاع سمحت القيادة العليا الإيرانية المتمثلة في آية الله علي خامنئي، لبعض القوى الإصلاحية واليسارية في الظهور على الساحة السياسية مرة أخرى. لكن استمر استبعاد أعضاء «حركة الحرية» والقوى القومية الأخرى.

في 23 مايو (أيار) 1997 ترشح حوالي 238 شخصًا، واستبعد مجلس صيانة الدستور مرة أخرى إبراهيم يزدي، الأمين العام لـ«حركة الحرية»، وبعض رجال الدين القوميين أمثال عزت الله سبحاني.

في النهاية، وافق مجلس صيانة الدستور على أربعة مرشحين فقط وهم: محمد خاتمي وزير الثقافة والارشاد الإسلامي السابق، وعلي أكبر ناطق نوري رئيس البرلمان السابق، ومحمد مهدي ريشهري وزير الإعلام السابق، ورضا زواره أي عضو مجلس صيانة الدستور.

وعلى غير المتوقع، انتزع محمد خاتمي رجل الدين الإصلاحي المنصب بـ حوالي 20 مليون صوت من إجمالي 29 مليون ناخب ذهبوا للاقتراع، في وقت كان متوقع فيه أن يفوز علي أكبر ناطق نوري بمنصب الرئيس، خاصة وأنه كان المرشح المفضل للزعيم الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي.

تولى خاتمي رئاسة الجمهورية الإيرانية عام 1997، وسط آمال ووعود بالإصلاحات السياسية، والاجتماعية، استطاع خاتمي تحقيق البعض منها، لكن تخللت فترة ولايته الأولى الكثير من الأحداث المؤسفة، مثل انتفاضة الطلبة عام 1999، التي شهدت احتجاجات كبيرة على إغلاق القضاء لعدد من الصحف الإصلاحية، وجرى قمع الانتفاضة بشكل عنيف، ما أضر بسمعة الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل شهدت هذه الفترة عمليات اغتيال لكبار الكتاب والمثقفين المحسوبين على التيار الإصلاحي.

الانتخابات الثامنة: مجلس صيانة الدستور وزيادة أعداد المرشحين

في يونيو 2001، ووسط الأجواء اليائسة من الحكومة الإصلاحية الأولى لمحمد خاتمي، عقدت الانتخابات الرئاسية الثامنة، والتي كانت السمة الرئيسية فيها سماح مجلس صيانة الدستور لأعداد كبيرة من المرشحين بالترشح.

فتقدم حوالي 800 شخص لتسجيل أسمائهم، ووافق مجلس صيانة الدستور لأول مرة على 10 مرشحين، فسمح لكل من: علي شمخاني، وعبدالله جاسبي، وحسن غفوري فرد، ومنصور رضوي، وشهاب الدين صدر، وأحمد توكلي، ومصطفى هاشمي طبا، ومحمود كاشاني، بالإضافة إلى الرئيس محمد خاتمي، بالترشح.

في هذه الانتخابات أعيد انتخاب محمد خاتمي، بحوالي 21 مليون صوت من إجمالي 28 مليون ناخب ذهبوا للتصويت.

الانتخابات التاسعة: أحمدي نجاد.. الأصوليون يتحكمون في كل شيء

بعد ثماني سنوات من الحكم الإصلاحي في عهد محمد خاتمي، شهدت الساحة السياسية في إيران تغييرات كبيرة، فقد خشي الأصوليون من فقدان السلطة في عهد خاتمي، كما خشوا من سيطرة الإصلاحيين على مقاليد الحكم في الجمهورية الإسلامية، فبدأوا في اكتساح الانتخابات البرلمانية وانتزاع الانتخابات المحلية من الإصلاحيين.

في المقابل، كانت الجبهة الإصلاحية قد فقدت الكثير من قاعدتها الشعبية بسبب عدم وفاء محمد خاتمي بالكثير من وعوده، وبدأت الانقسامات داخل المعسكر الإصلاحي في التزايد، وفي 24 يونيو 2005 بدأ التسجيل للانتخابات الرئاسية التاسعة، تقدم حوالي ألف شخص لتسجيل أسمائهم.

استبعد مجلس صيانة الدستور الكثيرين وكان على رأس المستبعدين، نائب رئيس مجلس صيانة الدستور نفسه، رضا زواره اى، الذي جرت الموافقة على ترشحه في انتخابات سابقة كما ذكرنا، واستبعاد إبراهيم يزدي للمرة الرابعة، كما أقصى المجلس السيدة أعظم طالقاني، ابنة رجل الدين المهم محمود طالقاني الذي كان واحدًا من رجالات الثورة، ورفيق آية الله روح الله الخميني.

في النهاية، وافق مجلس صيانة الدستور على ست مرشحين: علي أكبر هاشمي رفسنجاني، ومحمد باقر قاليباف، ومهدي كروبي، ومحمود أحمدي نجاد، وتدخل الزعيم الأعلى الإيراني بإصدار مرسوم حكومي، يسمح بإعادة المرشحين الإصلاحيين مصطفى معين، ومحسن مهر علي زاده (كان مرشحًا في الانتخابات الثالثة عشر التي أجريت مؤخرًا)، إلى السباق الانتخابي.

بعد يوم التصويت، شهدت الجمهورية الإسلامية حدثًا كان الأول من نوعه في تاريخ الانتخابات في إيران؛ إذ لم يفز أي من المرشحين من الجولة الأولى، لعدم اكتمال النسبة القانونية من الأصوات لأي من المرشحين، وتقرر عقد جولة ثانية للانتخابات بين هاشمي رفسنجاني، ومحمود أحمدي نجاد.

في الجولة الأولى حصل السيد رفسنجاني على 6 مليون صوت، ومحمود أحمدي نجاد على حوالي 5.5 مليون صوت، لكن الأخير تمكن من الفوز في الجولة الثانية بفارق كبير في الأصوات، فقد حصل على ما يقرب من 17 مليون صوت أي حوالي 62% من إجمالي الأصوات البالغ عددهم 28 مليون صوت.

وبهذا الفوز الساحق، بدأ أحمدي نجاد برعاية كبيرة من الزعيم الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، تأسيس حكمه الذي يتسم بالتشدد سواء في السياسة الداخلية أو الخارجية.

وبالفعل، اتبع أحمدي نجاد خطًّا معاديًا للتفاوض مع الغرب، أو أي انفتاح إيراني على المجتمع الدولي، وفي الداخل اعتمد على الشعبوية في إدارة اقتصاد البلاد في وقت كانت العقوبات الأمريكية الاقتصادية على إيران في تزايد.

الانتخابات العاشرة: «أين ذهب صوتي؟» ومزاعم تزوير الانتخابات

كان النهج الذي اتخذه أحمدي نجاد والدعم غير المحدود له من قبل السيد خامنئي، مثار سخط الكثير من الإيرانيين والنخب السياسية الإصلاحية، وفي الانتخابات العاشرة في 12 يونيو 2009 ترشح حوالي 474 شخصًا، وافق مجلس صيانة الدستور على ثلاثة مرشحين منهم فقط بالإضافة إلى الرئيس محمود أحمدي نجاد، وهم: مير حسين موسوي، محسن رضائي، ومهدي كروبي.

في المناظرات التلفزيونية التي سبقت يوم التصويت، وجه أحمدي نجاد الاتهامات لجميع المرشحين، فاتهمه السيد موسوي أنه يخلق الإشاعات لتضليل الشعب، وكسب الانتخابات مرة ثانية.

وفي يوم الانتخابات ذهب حوالي 39 ناخبًا من بين 45 مليون شخص مؤهل للانتخاب، في أعلى نسبة من المشاركة في الانتخابات الرئاسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية.

 فُسر هذا الإقبال الواسع، أن أغلب الإيرانيين لا يريدون استمرار الحكم المتشدد لأحمدي نجاد، وتوقع الإصلاحيين فوز أحد مرشحيهم: مير حسين موسوي، أو مهدي كروبي.

لكن جاءت الصدمة، بفوز أحمدي نجاد بفترة ولاية ثانية، وحصوله على 24 مليون صوت، أي 63% من إجمالي الأصوات التي جرى الإدلاء بها، وحصل مير حسين موسوي على 13 مليون صوت، ومهدي كروبي على قرابة 350 ألف صوت، وبالتأكيد لم يقبل مير حسين موسوي ومهدي كروبي هذه النتيجة، وقالوا إن الانتخابات قد جرى تزويرها لصالح أحمدي نجاد.

في اليوم التالي نزل مئات الآلاف من المتظاهرين إلى الشوارع في مسيرات احتجاجية صامتة، رافعين لافتات «أين ذهب صوتي؟»، استمرت هذه المسيرات التي شملت جميع أنحاء العاصمة طهران، لمدة أسبوع، وكان يجري الحشد لها لتستمر لأسابيع أخرى، لكن في الأسبوع الثاني دعا السيد خامنئي في خطبة صلاة الجمعة إلى إنهاء الاحتجاجات، متهمًا الداعين لهذه المظاهرات (موسوي و كروبي)، بأنهم مسئولون عن إراقة الدماء.

وعليه، جرى قمع المظاهرات بقوة من قبل قوات الأمن والحرس الثوري الإيراني، وفي عام 2011 وُضِع مهدي كروبي ومير حسين موسوي قيد الإقامة الجبرية إلى يومنا هذا، فيمت عُرفت هذه الحركة الاحتجاجية الأكبر في تاريخ الجمهورية الإسلامية باسم «الحركة الخضراء».

الانتخابات الحادية عشرة: أمل الاتفاق النووي

بعد ثماني سنوات من حكم محمود أحمدي نجاد، كان المناخ السياسي والوضع الاقتصادي في إيران بحاجة إلى انفراجة. وفي يونيو 2013، ترشح حوالي 686 مرشحًا، لكن الأمر المثير للدهشة آنذاك كان استبعاد مجلس صيانة الدستور للسيد هاشمي رفسنجاني، بحجة التقدم في السن.

كان هذا الإقصاء لرجل بثقل رفسنجاني ذو تداعيات على المشهد السياسي الإيراني إلى الآن، فقد تسبب هذا الاستبعاد في خلق تيار سياسي جديد في إيران.

بعد استبعاد السيد رفسنجاني، قامت القوى المعتدلة من أنصار هاشمي رفسنجاني، بترشيح حسن روحاني الذي جاء من قلب النظام الإيراني، وسمح مجلس صيانة الدستور بالإضافة إلى حسن روحاني لكلا من: سعيد جليلي، محمد باقر قاليباف، علي أكبر ولايتي، محسن رضائي، محمد رضا عارف (الذي انسحب لصالح حسن روحاني)، بخوض الانتخابات.

فاز حسن روحاني في هذه الانتخابات بحوالي 18.5 مليون صوت، أي بنسبة 50% من إجمالي الأصوات البالغ عددها 37 مليون صوت، ليبدأ حلمه وحلم الشعب الإيراني، بالتفاوض مع الغرب من أجل إبرام الاتفاق النووي الإيراني، الذي من شأنه أن يخرج إيران من عزلتها الدولية والاقتصادية.

الانتخابات الثانية عشرة: انتظار تحقيق الحلم وظهور «إبراهيم رئيسي»

استطاع الرئيس المعتدل حسن روحاني، تحقيق حلم الاتفاق النووي في فترة ولايته الأولى، وقبل أن يبدأ في جني ثمار هذا الحلم، دخل في صراعات مع المعسكر الأصولي والحرس الثوري، بسبب الصفقة النووية التي وصفها المتشددون بأنها بمثابة خضوع لإيران أمام الغرب.

التيار الإصلاحي في إيران - الإصلاحيون في إيران

الرئيس الإيراني حسن روحاني ووزير خارجيته جواد ظريف

قبل انتهاء ولايته الأولى بحوالي عام، كان رجل القضاء إبراهيم رئيسي، قد بدأ في تولي المناصب الهامة القريبة من السيد خامنئي، وبدأت الشخصيات الأصولية الدينية المؤثرة داخل الجمهورية الإسلامية في الالتفاف حوله، ليقرروا في النهاية ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2017 ليكون المنافس الرئيسي لحسن روحاني.

في 19 مايو 2017 ترشح حوالي 1630 شخصًا للانتخابات، من أبرزهم الرئيس السابق، محمود أحمدي نجاد الذي تحدى نصيحة الزعيم الأعلى الذي طلب منه عدم الترشح، فكان من الطبيعي استبعاد مجلس صيانة الدستور له.

في نهاية الأمر وافق مجلس صيانة الدستور على ترشح إبراهيم رئيسي، ومحمد باقر قاليباف، ومصطفى مير سليم، ومصطفى هاشمي طبا، وإسحاق جهناجيري، بالإضافة إلى حسن روحاني.

انسحب كل من قاليباف وجهانجيري لصالح إبراهيم رئيسي وحسن روحاني على التوالي، وفاز حسن روحاني بفترة ولاية ثانية بـ23 مليون صوت من إجمالي 41 مليون صوت، وجاء إبراهيم رئيسي في المرتبة الثانية بحصوله على ما يقرب من 16 مليون صوت.

وأخيرًا الانتخابات الثالثة عشرة: استبعاد غير مسبوق ومرشح واحد «مفضل»

في الانتخابات الثالثة عشر، والتي أجريت في 18 يونيو 2021، سجل حوالي 592 شخصًا أسماءهم للترشح في الانتخابات، واستبعد مجلس صيانة الدستور 585 منهم، وقام بعملية إقصاء غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية!

فبالإضافة إلى استبعاده محمود أحمدي نجاد الذي كان متوقعًا بسبب خلافاته مع القيادة العليا؛ استبعد صيانة الدستور شخصيات سياسية تمتلك تاريخًا حافلًا في الجمهورية الإسلامية.

فكان استبعاد علي لاريجاني السياسي البارز ورئيس البرلمان الإيراني لمدة 12 عامًا، والقائد السابق في الحرس الثوري، والمستشار الحالي آية الله علي خامنئي، أمرًا لا يصدق وغير متوقع بنسبة كبيرة، إذ لم يتجاوز لاريجاني فحص الأهلية لمجلس صيانة الدستور! كما جرى استبعاد جميع المرشحين الإصلاحيين وعلى رأسهم النائب الأول لحسن روحاني، إسحاق جهانجيري.

في النهاية اقتصرت المنافسة على سبعة مرشحين فقط أغلبهم من التيار الأصولي وواحد فقط من الإصلاحي وهم: إبراهيم رئيسي، سعيد جليلي، محسن رضائي، محسن مهر على زاده، رضا زاكاني، وعبد الناصر همتي.

جعلت عملية الإقصاء الهائلة هذه، التكهن بفوز سهل وسريع لإبراهيم رئيسي، باعتباره المرشح الوحيد والمفضل في هذه الانتخابات، لدرجة جعلت رئيسي نفسه غير راض عن الأجواء غير التنافسية، وتحدث إلى مجلس صيانة الدستور لإعادة النظر في قائمة المرشحين النهائيين، في إقرار ضمني منه بأنه سيكون الفائز بكل تأكيد.

لكن لم يحدث هذا، ولم يتدخل الزعيم الأعلى للبلاد، آية الله علي خامنئي، في تعديل القائمة النهائية للمرشحين وإعادة بعضهم إلى السباق الانتخابي، وفي النهاية فاز إبراهيم رئيسي بالمنصب بحوالي 18 مليون صوت، أي بنسبة 38% من إجمالي الأصوات، ونسبة مشاركة هي الأقل في تاريخ الجمهورية الإسلامية، والتي وصلت بالكاد إلى 48.8%، وسط دعوات واسعة النطاق لمقاطعة الانتخابات المحسومة سلفًا.

وبالرغم من أن الأجواء في إيران اليوم لا تشبه الظروف في الثمانينات، لكن الانتخابات الرئاسية الأخيرة تذكرنا قليلًا بما حدث في انتخابات عام 1981، عندما فاز آية الله علي خامنئي، بمنصب رئيس الجمهورية في انتخابات غير تنافسية ومتوقع نتائجها، وبعدها أصبح على رأس السلطة في الجمهورية الإسلامية بلا منازع لمدة تزيد عن 30 عامًا، الأمر الذي جعل البعض يتوقع سيناريو ومصيرًا سياسيًّا لإبراهيم رئيسي مشابهًا لمعلمه.

عرض التعليقات
تحميل المزيد