عندما تُذكر الشتاء، وموسم الاحتفال بعيد الميلاد؛ فإن رجل الثلج من أوائل الأشياء التي تخطر على البال. ولكن بعيدًا عن هذه الأجواء الاحتفالية، يملك رجل الثلج تاريخًا مثيرًا يتوارى خلف قشرته البيضاء. في السطور التالية، ننقب في أعماق تلك المنحوتة الثلجية، ونستعرض بعض الحقائق المثيرة عنها.

رجل الثلج المعارض.. وسيلة سلمية في الاحتجاجات السياسية

يعد رجل الثلج اليوم أحد رموز موسم العطلات المحببة في الثقافة الغربية، والتي نراها بوضوح في احتفالات عيد الميلاد تتزين به الشوارع والساحات، ويتشارك أفراد العائلة في بنائه، في أجواء احتفالية مرحة، ولكن في العصور الوسطى، كان بناء رجل الثلج وسيلة احتجاج استخدمها المجتمع؛ للتعبير عن سخطه من شتاء قمعي مرعب مليء بالمجاعة والفقر وغيرهما من الظروف التي تهدد الحياة.

حدث ذلك في عام 1511، حين كان الناس في مدينة بروكسل بائسين، يعانون من الفقر والجوع، ويواجهون أيضًا شتاءً قاسيًا، غطت فيه الثلوج المدينة لشهور. ورأت الحكومة حينها أن إقامة مهرجان الرجل الثلجي سيكون مثاليًا؛ لرفع الروح المعنوية لسكان المدينة. وقد كانوا على حق، ولكن ليس بالطريقة التي كانوا يأملونها.

اجتمع سكان بروكسل لبناء أكثر من 100 رجل ثلج في منشأة فنية عامة، تُعرف باسم «معجزة عام 1511»، وغطى الفنانون المدينة بتماثيل ثلجية إباحية، بالإضافة إلى رسوم كاريكاتورية لمواطنين بارزين، جسّدت عدم الرضا عن المناخ السياسي، ناهيك عن الطقس المتجمد الذي خيم عليهم. 

كذلك، حوّل البلجيكيون مخاوفهم إلى نماذج واقعية شبيهة بالحياة، كانت على الأغلب محاكاة ساخرة لشخصيات فلكلورية، مثل حوريات البحر، ووحيد القرن، وأغبياء القرية، وقد سمح لهم المسؤولون بتلك الفسحة من المرح، على أمل أنه مع اختفاء المنحوتات في الربيع، سيختفي غضب الناس أيضًا.

لم تكن «معجزة عام 1511» مهرجان الثلج الأول، بل حدثت احتفالات مماثلة على مقياس أصغر في عام 1481، واستضافت المدن المجاورة أحداثًا مماثلة مثل ميكلين عام 1571، وريجسيل عامي 1600 و1603، وأنتويرب طوال القرنين 17 و18. لكن معجزة عام 1511 كانت أبرزهم جميعًا، فقد غيرت بالفعل مجتمع بروكسل من خلال منح الجمهور صوتًا، والمساعدة في إحداث تحول في ميزان القوى. كانت تلك اللحظة الحاسمة لرجل الثلج، التي تجاوز فيها كونه أداة لتشتيت انتباه السكان عن أوضاعهم المتردية إلى أداة لمعارضة القوة السياسية.

رجل الثلج ومعاداة السامية

في معظم أنحاء أوروبا خلال العصور الوسطى، لاقى اليهود ضروبًا من التفرقة والتمييز؛ فحُرموا من حمل الجنسية ومن حقوقهم، ومُنعوا من تولي مناصب في الحكومة والجيش، واستبعدوا من العضوية في النقابات والمهن. مع ذلك، كان هناك بعض الحكام والمجتمعات الأوروبية، لا سيما خلال العصور الوسطى المبكرة، الذين منحوا اليهود درجة من التسامح والقبول.

وخلال الفترة بين عامي 1347 و1351، اجتاح الطاعون الدبلي والمعروف أيضًا بـ«الموت الأسود» أماكن متفرقة من العالم، من بينها أوروبا التي قتل ما يصل إلى ثلث سكانها في موجة عنيفة انتشر فيها المرض سريعًا، يسرق الأرواح بشكل مروع، ويمضي تاركًا مدنًا بأكملها خاوية على أعقابها.

واجه الأوروبيون صدمة اقتصادية وجسدية وعاطفية، لم يسبق لها مثيل في التاريخ الأوروبي. ورأى معظمهم أن الطاعون ليس مجرد مرض، بل لعنة سماوية نزلت على البشرية من أجل تصحيحها بغضب الله العادل.

وفي كتابه «تاريخ رجل الثلج»، يروي بوب إكشتاين عن عثوره على أقدم تصور معروف لرجل الثلج في مخطوطة من كتاب «الصلوات»، الذي يعود للعصور الوسطى وتحديدًا لعام 1380، في مكتبة بمدينة لاهاي بهولندا، ويظهر رجل الثلج في صورة قد جرى تشكيله فيها بطريقة الكرة المكدسة، ويجلس فيها يائسًا وظهره يتجه نحو النار القاتلة.

تاريخ

منذ شهرين
من المعابد والمعارك إلى المعامل وأطباق الطعام.. تاريخ الدجاج في حياة البشر

ويظهر كذلك في صورة معادية للسامية؛ إذ يرتدي قبعة يهودية مبتذلة، وبجواره نص يتحدث عن صلب يسوع المسيح. وعلى ما يبدو، أنه كان رمزًا يُلقي من خلاله الأوروبيون البائسون، الذين كانوا يعانون من الطاعون حينها باللوم والإحباط على اليهود.

وسيلة للمقاومة ضد الغزاة

هذه المرة يخبرنا التاريخ أن رجل الثلج الأبيض الوديع الذي نراه في موسم الأعياد، يخفي وراءه تاريخًا دمويًا من النضال في الحروب والغزوات. في عام 1870، سعى ملك بروسيا لتوسيع أراضيه من خلال غزو باريس، وفي أثناء مقاومة الفرنسيين لذلك، حاول جنديان وفنانان فرنسيان بث روح المقاومة في الجنود من خلال أعمال النحت على الجليد. 

وفي قلعة بيستر، شيّدا تمثالان من الثلج أحدهما يدعى «الجمهورية»، والآخر «المقاومة»، ويمثل امرأة ثلجية تجلس على مدفع، ومع أن تلك التماثيل الثلجية لم تكن كافية، وفازت بروسيا في نهاية المطاف بحرب عام 1870. إلا أن بعض المؤرخين يذكرون أن ضغينة الشعب الفرنسي من تلك الهزيمة، ساعدت في انتصار البلاد في الحرب العالمية الأولى.

وفي سياق متصل، لعب رجل الثلج أيضًا دورًا في واحدة من أكثر الأحداث دموية في التاريخ الأمريكي المبكر، ألا وهي مذبحة شينكتادي في عام 1690. في ذلك الوقت، كان حصن شينكتادي، في شمال نيويورك حاليًا، مستوطنة هولندية نائية تحت تهديد دائم بالهجوم. وفي إحدى المرات، ترك الجنود الذين يحرسون البوابات زوجًا من رجال الثلج في موقعهم؛ لحماية المدينة عندما غادروا للخروج من عاصفة ثلجية. 

تاريخ

منذ شهرين
من المعابد والمعارك إلى المعامل وأطباق الطعام.. تاريخ الدجاج في حياة البشر

ولكنهم لم يعلموا بوجود وحدة مكونة من 210 جندي من الكنديين الفرنسيين والأمريكيين الأصليين تتحرك نحوهم، بعد أن سارت لأكثر من ثلاثة أسابيع في ثلوج عميقة تصل إلى الركبة. وعندما وصل جنود الوحدة إلى الحصن، لم تخيفهم التماثيل الثلجية المنصوبة أمامه. وغزوا الحصن؛ مما أسفر عن مقتل 60 قرويًا.

رجل الثلج المنفجر.. بداية الربيع على أنقاض الثلوج

في يوم الإثنين الثالث من شهر أبريل (نيسان)، تبدأ احتفالات الربيع في سويسرا، والمعروفة أيضًا بعطلة «سيسكسيلويتن Sechseläuten»، وذلك عند سماع صوت انفجار رجل الثلج المسمى «بوج Böögg» المحشو بالديناميت. ينفجر هذا التمثال الذي يزيد ارتفاعه عن ثلاثة أمتار، والمصنوع من الورق والكرتون، معلنًا رسميًا عن بداية الربيع.

أقيم هذا الاحتفال للمرة الأولى في عام 1818، ويجري الاحتفال به في كل عام منذ ذلك الحين. وكان الخبازون، والحدادون، وغيرهم من التجار يوزعون الخبز والنقانق على الحشود. وينتهي العرض بوضع «بوج» على كومة من الخشب يبلغ ارتفاعها 40 قدمًا، وبعد أن تدق أجراس كنيسة القديس بطرس ست مرات، تُمثل انتهاء الشتاء، تُشعل النار في الكومة، وعندما ينفجر رجل الثلج، يُعتبر الشتاء رسميًا قد انتهى. ويُقال إنه كلما كان الاحتراق أقصر، كان الصيف أطول.

وحاليًا يشارك في تنظيم هذا الاحتفال، الذي يعد أكبر احتفال بالربيع في سويسرا، أكثر من 26 نقابة، ويرتدي الجميع أزياءً تعود لأوائل القرن التاسع عشر، حين بدأ هذا الاحتفال، وتمتلئ قاعات المهرجان بالخطب الرفيعة، وفي وقت لاحق، يستخدم المئات من السكان المحليين الجمر من رماد رجل الثلج المحترق؛ لبدء موسم الشواء في الهواء الطلق. 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد