«إني بكم أسعد، ولكم قلبي يطرب» هكذا كان يُرحب دكتور «لوسيفر» بالآخرين قبل أن يبدأ في قراءة الطالع لهم من خلال «أوراق التاروت»، وإخبارهم بما يحمله لهم الغد. دكتور لوسيفر، هو شخصية خيالية ابتكرها الكاتب المصري دكتور أحمد خالد توفيق في سلسلة «ما وراء الطبيعة»، وكان أول ظهور له في السلسلة خلال حلقة الرعب الثانية «حكايات التاروت».

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
تنبأ أن 2019 هي بداية نهاية العالم.. ماذا تعرف عن الطبيب والمنجم نوستراداموس؟

كانت قراءة لوسيفر لأوراق التاروت ثاقبة، تُصيب كبد الحقيقة وتقرأ الأفكار، رُبما كان لوسيفر تجسيدًا لشخصيات موجودة فعلًا، وهم قرَّاء «أوراق التاروت»، فما قصة هذه الأوراق؟ وهل لديها القدرة على كشف الغيب والتنبؤ بالمُستقبل فعلًا؟ هذا ما سنتعرَّف إليه خلال السطور التالية.

ما هي أوراق التاروت؟

تُعرف البطاقات باسم «tarots» في الفرنسية، و«Tarocks» في الألمانية، و«tarocchi» في الإيطالية، وغيرها من الأشكال الأخرى للكلمة نفسها، وفقًا للغة اللاعبين. وألعاب التاروت أكثر شيوعًا في فرنسا والنمسا وإيطاليا، ولكنها تُلعب أيضًا في سويسرا، وألمانيا، والدنمارك، وجمهورية التشيك، والمجر ودول أخرى من الإمبراطورية النمساوية المجرية السابقة. تختلف تفاصيل اللعبة من مكان إلى آخر، ولكن بشكل عام تكون أوجه تشابهها أكثر من اختلافاتها، ويلعبها ثلاثة أو أربعة لاعبين، وأحيانًا خمسة.

«بطاقات التاروت» هي تشكيلات تتضمن أربع مجموعات، تُشبه إلى حد كبير أوراق اللعب العادية، ولكنها تتميز بوجود مجموعة إضافية من الأوراق الرابحة، والمعروفة باسم «الأركانا الكُبرى»، والتي تُصور شخصيات أسطورية أو نماذج مثل الموت أو الساحر. في فرنسا والدنمارك وبعض الألعاب الإيطالية، تُستخدم المجموعة الكاملة المُكونة من 78 بطاقة، ولكن في وسط أوروبا تُلعب التاروت باستخدام حزمة من 54 بطاقة فقط.

أُسطورتان تحكمتا في استقبال الناس لقراءة أوراق التاروت

طغى على تاريخ التاروت أسطورتان. الأولى، والأكثر إيجابية، أشاعها السحرة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في فرنسا؛ فقد روَّج البعض مثل القس أنطوان كورت دي جيبيلين، والسحرة جان بابتيست ألييت، وإليفاس ليفي، أن البطاقات كانت من التقاليد السحرية المصرية القديمة، وذلك لأن العديد من المثقفين الأوروبيين في أواخر القرن الثامن عشر كانوا يعتقدون أن دين وكتابات مصر القديمة تحمل رؤى رئيسية حول الوجود البشري. ومن خلال ربط صور التاروت بالمصرية القديمة، أعطيت البطاقات مصداقية أكبر.

Embed from Getty Images

لكن هذه النظرية لا أساس لها؛ إذ يرجع تاريخ أقدم أوراق التاروت إلى إيطاليا في القرن الخامس عشر. ورغم عدم صحة النظرية التي تنسب أوراق التاروت للمصرية القديمة، فإنها ألهمت السحرة أن يُجادلوا الآخرين بشأن قوة البطاقات التي تُشفر الألغاز القديمة الخفية، وأن فهم هذه المعاني المُعقدة سيمنح قراء البطاقات صلاحيات لمعرفة المستقبل.

الأسطورة الثانية كانت سلبية وانتشرت بواسطة السلطات في دول مثل فرنسا. فبعد الثورة الفرنسية عام 1789، أدخلت أحكام جديدة ضد الكهانة. واتفقت الصحافة والشرطة والسياسيون على أن استخدام بطاقات التاروت دليل على أن الفرد كان يخدع الناس.

ما تزال هذه الأساطير التي تتأرجح بين الحكمة القديمة والرموز المُشفرة التي تحملها أوراق التاروت، وبين التفسير الذي يقول إن هذه الأوراق وسيلة احتيال، تلعب دورًا كبيرًا في كيفية استجابة الناس للبطاقات. لكنها ليست القصص الوحيدة التي يمكن أن نرويها عن تاريخ التاروت.

روايات أخرى لتاريخ التاروت

يعود ظهور بطاقات التاروت على الأغلب إلى منتصف القرن الرابع عشر، حينها كان الفنانون الإيطاليون مهتمين ببطاقات لعبة التاروت، وأبدعوا في رسم بطاقات إضافية مع رسوم توضيحية مثيرة للإعجاب لتعمل امتدادًا لمجموعات التاروت الموجودة حينها.

كانت الأرستقراطية الإيطالية مُهتمة باللعبة التي عُرفت باسم «tarocchi/ تاروتشي»، ورُسمت هذه البطاقات فقط لأغنى أعضاء المجتمع الذين كانوا غالبًا يبحثون عن الفنانين الموهوبين، ليرسموا لهم مجموعة شخصية خاصة بهم من بطاقات التاروت، والتي تضم أفراد عائلتهم وأصدقاءهم المقربين.

Embed from Getty Images

مصمم الجرافيك والفنان بيل وولف، الذي يعود اهتمامه بتوضيحات التاروت إلى أيام دراسته الفنية في كلية كوبر يونيون للعلوم والفنون بنيويورك، لديه نظرياته الخاصة حول بداية التاروت. فيعتقد أنه في الأصل، كان معنى الصور موازيًا لأحداث اللعب. أدى السحب العشوائي للبطاقات إلى إنشاء رواية جديدة وفريدة من نوعها في كل مرة لُعبت فيها اللعبة، وأثرت القرارات التي اتخذها اللاعبون على كشف تلك الرواية.

انتشرت التطبيقات الغامضة للبطاقات من إيطاليا إلى أجزاء أخرى من أوروبا. ففي فرنسا انتشرت «Tarot de Marseille»، وهي واحدة من أكثر أنواع التاروت شيوعًا على الإطلاق، وقد نشأت في القرن السابع عشر بمدينة مرسيليا الفرنسية، وطُبعت أسطح مرسيليا بشكل عام باستخدام كتل خشبية، ولونت لاحقًا يدويًّا باستخدام الإستنسل (عبارة عن تفريغ الزخارف أو الوحدة الزخرفية على ورق مقوى لا ينفذ منه اللون أو يتشربه).

في أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر، بدأت ألعاب الورق والكهانة يتشابكان، ويمكننا أن نرى خلال هذا الوقت بداية قراءات التاروت كما نعرفها اليوم. ولكن، من المهم ملاحظة أن هذه القراءات الأولى كانت مختلفة تمامًا لأنها استخدمت طرقًا بسيطة لقراءة الأوراق.

وبحلول القرن الثامن عشر، استخدم العرافون بطاقات التاروت، بهدف اختراق الغيب والتنبؤ بالمستقبل عن طريق قراءات التاروت، وكان الناس يُعينون ببطء معاني مُحددة لكل بطاقة.

كيف تجري قراءة الأوراق؟

لمعرفة هذا، يمكن للمؤرخين اللجوء إلى ما قاله رسامو أوراق التاروت أنفسهم وعملاؤهم. كجزء من أبحاث أُجريت حول ​​السحر في فرنسا في الفترة من 1790 إلى 1940، وقد اعتمدت هذه الأبحاث على عدَّة مئات من الحالات التي تكشف عن جوانب مختلفة للبطاقات.

فمثلًا كان من غير المُرجح أن يتبنى العرافون الأنظمة المُعقدة ذات المعنى الرمزي التي اقترحها السحرة جان بابتيست ألييت، وإليفاس ليف، في قراءة أوراق التاروت. بدلًا من ذلك، تمسكوا بخطط أبسط. فقد يكتب العرافون تذكيرات سريعة على البطاقات حول أهميتها، فمثلًا تُشير «عجلة الحظ» إلى أن «الزواج سيجلب الثروة»، بينما يرمز «البرج» إلى دمار أو كارثة.

طوَّر العرافون أيضًا تفسيراتهم الخاصة للصور من البطاقات. فعلى سبيل المثال، أشارت إحدى قارئات أوراق التاروت إلى بطاقتين سحبتهما وأعلنتهما لموكلها قائلة: «حسنًا، ملكة البستوني هي زوجتك، وAce of Clubs هي المال، لذا زوجتك تسرق منك».

Embed from Getty Images

يدرك مُعظم قرَّاء البطاقات أن الارتباطات والانطباعات المُسبقة التي يكونونها للشخص الذي تجري قراءته لا تقل أهمية عن الرسومات الفعلية على البطاقات، تُقدِّم بطاقات التاروت طريقة لعرض أفكار معينة، سواء كانت تستخدم في ذلك اللاوعي أو لا، ويجري الوصول إلى النتائج من خلال القرارات التي يتخذها اللاعبون. وهنا قد تبدو رسوم التاروت وكأنها تُقدِّم رؤى واضحة لأحداث  حياتهم، كما لو أن الحدث يتكشف أمامك.

لماذا قد يرغب البعض في قراءة «أوراق التاروت»؟

على الرغم من أنه في معظم الحالات كانت السلطات تحاول بفاعلية قمع قراءة أوراق التاروت، منعًا لعمليات الاحتيال، وكانت ترى فيمن يرغبون في قراءة أوراق التاروت ضحايا ساذجين؛ فإن الكثير من هؤلاء أظهروا فهمًا أكثر عمقًا مما يُعتقد عنهم، فعلى سبيل المثال، قالت شابة في مدينة روان بفرنسا عام 1888 للمحكمة: «أنا لا أؤمن بكل هذا الهراء. ذهبت إلى عراف لمجرد إرضاء صديقي». فبينما سعى بعض الراغبين في قراءة أوراق التاروت من أجل التنبؤ بالمستقبل، كان الأمر بالنسبة للبعض الآخر هو وسيلة لمُعالجة المشكلات في حاضرهم.

العديد من المشكلات التي استخدم أصحابها قراءات التاروت لمُعالجتها ما زالت مألوفة حتى اليوم. فقد سعى البعض إلى معرفة أماكن أشياء مسروقة ومفقودة، ومعرفة أسباب الأمراض الغامضة، والأخبار المتعلقة بفرص العمل المُحتملة، والتأكيدات حول العلاقات الرومانسية.

تاريخ التاروت عامر بالمحتالين الذين استخدموا الكهانة لخداع العملاء. ومع ذلك، فإن الراغبين في قراءة البطاقات ليسوا ساذجين كما قد تفترض السُلطات، فبالنسبة للغالبية العظمى، لم تكن البطاقات محاولة مُضللة للتنبؤ بالمستقبل. بمقدار كونها وسيلة إبداعية لإعادة التفسير والتصالح مع حاضر غير مؤكد.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
ما الألعاب التي كان يمارسها البشر في العصور القديمة؟

يشرح عالم الاجتماع مايك سوستريك أن التاروت استُخدم أحيانًا بوصفه أداة أيديولوجية، قائلًا: «خلال التحول من الإقطاع إلى الرأسمالية في أوروبا، استخدمت الطبقات الحاكمة التاروت، لتلويث عملية بناء الحضارة. وقد شحنت البطاقات الناس ضد الأدوار الجديدة في المجتمع. وساعدت الأوراق الطبقات الحاكمة على تعبئة الجماهير وإدارتها».

يُضيف سوستريك أنه في أوقات التغير العالمي السريع، تتحول أوراق التاروت إلى أداة جذب لأولئك الذين يشعرون بعدم الأمان بشأن مستقبلهم، بما في ذلك الأغنياء والمشاهير.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد