مرَّ علم مصر بتغيُّرات كبيرة وعديدة، كونه علم دولة ذات تاريخ ضاربٍ في القدم، وتمتلك حضارة متعمقة في التاريخ لآلاف السنين.

الأعلام من أبرز ما يحاول المحتلُّون تغييره أو التأثير فيه، كأنما يريدون طمس هوية البلاد التي يدخلونها، لذا فإن الشعوب دائمًا ما تبدأ مراحلها الجديدة، بعد نهاية استعمار أو قيام ثورة شاملة، بوضع علم جديد للبلاد.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
تنين ونسر ذو رأسين وإله الشمس.. أغرب الرموز التي تحملها أعلام الدول

بدأ العرب رحلتهم مع الأعلام باللون الأسود، ثم بعد انقضاء عصر الخلفاء الراشدين ونشأة دولة بني أمية، اختار الأمويون العلم أبيض اللون، لكن حين اقتحم العباسيُّون دمشق أرادوا أن يُعلنوا بوضوح أنهم ليسوا الأمويين، فرفعوا الرايات السُود. العباسيُّون بدورهم اضطهدوا الشيعة فهربوا ليُنشئوا الخلافة الفاطمية، واتخذوا اللون الأخضر شعارًا لها، وبتوسُّع الدولة الفاطمية في مصر، والأموية في الأندلس، والعباسيَّة في العراق، باتت المنطقة موطنًا لثلاثة ألوان كاملة.

تعقدت السياسة وتشرذمت الجغرافيا وتفككت الدول، وانتهى عصر الإمبراطوريات الكبرى، فباتت الدول في حاجة لأعلام أكثر تعقيدًا لا تعتمد على مجرد اللون، فصار اللون خلفيةً تختارها الدولة حسب رغبتها لكن لا بد من وجود عدة رموز أو نقوش ذات دلالات مختلفة ومتعمدة، وحال الدول العربية في ذلك الصدد يبدو متقاربًا، فكل عدة أعلام تجمعهم ألوان مشتركة قد تحتاج بعضها منك إلى التركيز في ترتيب الألوان لتعرف الفرق، أو في حالة مصر مثلًا فقد كان الفارق بين علم مصر الذي اختاره محمد علي باشا وعلم الدولة العثمانية، ليس سوى عدد أضلع النجمة التي تزينه.

من أقدم الدول ذات الأعلام

مرَّ علم مصر بتغيُّرات كبيرة وعديدة، كونه علم دولة ذات تاريخ ضاربٍ في القدم، وتمتلك حضارة متعمقة في التاريخ لآلاف السنين، ويمكن القول إن مصر من أقدم الدول التي اتخذت شعارًا لها.

بدأ الأمر منذ عام 4242 قبل الميلاد، حين انهارت الوحدة بين شقَّي مصر، فنشأت مملكة الشمال بشعارها المتمثل في زهرة البردي، أما حكومة الجنوب فاختارت زهرة اللوتس شعارًا، وحين توحد القُطران بدأ كل فرعون، وكل أسرة حاكمة، يتخذون شعارًا موحدًا وخاصًّا بهم.

غربت شموس السيطرة الفرعونية عن مصر، فدخلت مرحلة الاحتلال المتتابع، فبات شعارها هو شعار الإمبراطورية الرومانية، ولما انقسمت الإمبراطورية الرومانية ودانت مصر للإمبراطورية البيزنطية فبات علم مصر هو علم الدولة البيزنطيَّة.

جاء الفتح الإسلامي لمصر في فترة الخلافة الراشدة، فبات علمها علم الخلافة الأسود، ثم أصبحت جزءًا من الدولة الأموية فبات علمها أبيض، ثم سيطر عليها العباسيون فأضحى علمها الأسود، ثم رفرف علم الدولة الفاطمية الأخضر على مصر منذ عام 969م حتى عام 1171م.

ظهر الناصر صلاح الدين الأيوبي في المشهد السياسي المصري ليُغيِّره تمامًا، أول ما غيَّره أنه أعاد مصر لتبعية الدولة العباسية، لكنه اختار لمصر علمًا خاصًّا بها أصفر اللون، فسنَّ بذلك سنة تابعه فيها المماليك حتى عام 1517م. لكن التاريخ دار دورته وسيطر العثمانيُّون على القاهرة، فرفعوا عليها العلم العثماني المشهور بلونه الأحمر وهلاله ونجمته الثمانية البيضاء.

غير محمد علي علم مصر ليختلف عن علم الدولة العثمانية ذي النجمة الثمانية وقتها، لكن هذا العلم أصبح علم مصر مجددًا في عهد الخديوي محمد توفيق.

علم مصر العلوية

حين وصل محمد علي باشا أعلن تمردَّه على التبعية للعثمانيين بوضع نجمة خماسية لا ثمانية على العلم، وكان السبيل الوحيد للتفريق بين العلمين هو عد أطراف النجمة، وتقول بعض التفسيرات إنه اختار النجمة الخماسية ليُغازل بها المصريين عبر القول بأن النجمة الخماسية ترمز لأركان الإسلام الخمس. كذلك، صنع محمد علي لكل فرقة من الجيش علمًا خاصًّا بها، كتبت عليه بضع آيات من القرآن وأرقامها.

أتى الخديوي إسماعيل فغيَّر علم محمد علي بعلمٍ أحمر لكن تتوسطه ثلاثة أهلة بيضاء، وفي حضن كل هلال نجمة خماسية الأطراف، في ذلك الاختيار تفسيران، أولهما أن كل هلال ونجمة يرمزان لمصر والنوبة والسودان، وثانيهما أن كل هلال ونجمة يرمزان لانتصارات محمد علي في قارة من قارات العالم، وقد انتصر محمد علي في ثلاث قارات، آسيا وأفريقيا وأوروبا، سواء كان هذا التفسير أو ذاك، فقد ظل العلم رمزًا لمصر مدة 15 عامًا، من 1867م وحتى عام 1882م.

علم مصر من 1867م وحتى عام 1882م.

كان عام 1882م هو عام الاحتلال البريطاني لمصر، وحين دخل الاحتلال أعاد علم محمد علي ذي النجمة الخماسية الواحدة والهلال الواحد، ظلت الأمور ساكنةً حتى عام 1914م حين أعلنت بريطانيا حمايتها ووصايتها التامة على مصر وقطع أي علاقة بين مصر والدولة العثمانية، بالتالي كان لا بد لبريطانيا من تغيير العلم، فأعادت علم الخديوي إسماعيل كونه علمًا غير مشابه للعلم العثماني، وظل كذلك حتى عام 1923م.

في الفترة ما بين 1914م و1923م يقع حدث شديد الأهمية في الحياة السياسية المصرية، وبالطبع في تاريخ تطور العلم المصري، وهو ثورة عام 1919م. في تلك الثورة خرج المصريون بعلم الخديوي إسماعيل ولفُّوا به نعوش الشهداء الذين قتلهم البريطانيون، لكن ثورة عام 1919م كانت من ولدت أشهر الأعلام المصرية، علم الهلال والصليب.

الضباط الأحرار يُبدعون عالمهم بعيدًا عن العرب

صحيح أن الهلال والصليب لم يكن هو العلم الرسمي للدولة، لكنه كان علمًا للثورة، وظل علامةً على لحظةٍ مشرقة في التاريخ النضالي المصري، أعلنت بريطانيا رفع الحماية عن مصر وباتت مصر ملكيةً مصريةً بتصريح 28 فبراير (شباط) الشهير.

استدعت تلك المرحلة علمًا فريدًا لم يُر من قبل، فاختار المصريون علمًا خلفيته خضراء؛ إشارةً إلى النيل ودلتاه وزراعة مصر التي كانت مشهورةً عالميًّا آنذاك، ويُقال إنه اختِير لأنه لون له ملمح إسلامي أو تراثي إسلامي، خاصةً وأغلبية المصريين مسلمون، يتوسط اللون الأخضر هلال أبيض كبير يحتض ثلاث نجمات خماسية، النجمات الثلاثة تشير إلى مصر والنوبة والسودان، وتقول أحد التفسيرات إنها تشير إلى الديانات السماوية الثلاثة، الإسلام والمسيحية واليهودية، التي كان يعتنقها مختلف المصريين في ذلك الوقت.

ظل ذلك العلم غطاءً لنعوش الشهداء المصريين طوال رحلة كفاحهم ضد المستعمر البريطاني، منذ عام 1919م وحتى معارك قناة السويس في عام 1952م.

عام 1952م هو الآخر شهد حدثًا مفصليًّا في الحياة المصرية، ثورة 23 يوليو (تموز)، بعد الثورة بستة أشهر رفع الضباط الأحرار علمهم الخاص لينقلبوا بذلك على كل الأعلام السابقة، وبات العلم يُعرف بعلم التحرير، وتوسطه نسر رسم عليه العلم الأهلي، أي الهلال والنجوم الثلاثة.

تألف العلم الجديد من ثلاثة ألوان، الأحمر إشارةً لدماء الشهداء الذين ضحوا لتحرير مصر في مختلف العصور، أما الأبيض فإشارة للعهد الجديد الذي دخلته مصر، أما الأسود فيُشير إلى الاستعمار البائد أوالحكومات الملكية السابقة للثورة، أو يمكن القول إنه يشير إلى كل أعداء الثورة.

علم مصر بعد ثورة 23 يوليو 1952م.

انتهاء الوحدة العربية وميلاد الوحدة الفردية

في  المستطيل الأبيض القابع بين الأحمر والأسود وُضع نسر صلاح الدين الأيوبي، عُرف بذلك لأنه النسر نفسه المنقوش داخل قلعة صلاح الدين بالقاهرة. كان نسر صلاح الدين نسرًا عريضًا فاردًا جناحيه، وأضاف له الضباط الأحرار درعًا في منتصفه يحتوي العلم الأهلي السابق. والنسر ذاته نقشته الثورة في مقر مجلس الشعب وصُكَّت به العملات المعدنية.

ظلَّ العلم بتلك الصورة حتى الوحدة بين مصر وسوريا، فأصبحت جمهورية مصر العربية هي الجمهورية العربية المتحدة، فطار نسر صلاح الدين وحطَّ مكانه نجمتان خماسيَّتان خضراوتا اللون، إشارة لمصر وسوريا.

ظل علم الوحدة هو العلم الرسمي حتى بعد الانفصال عام 1961م، وظل النسر ودرعه هما خاتم الدولة الرسمي والموجود على أوسمتها وعملاتها، لكن حدث تطوِّر طفيف فيه بأن صار الدرع طوليًّا وفيه علم مصر.

علم مصر بين 1972م و1984م وكتبت على قاعدته «اتحاد الجمهوريات العربية» الذي كانت مصر جزءًا منه.

دخول سوريا تحت مظلة العلم ذي الألوان الثلاث، الأحمر والأبيض والأسود، جعل العديد من الدول العربية تقتبس أعلامها بالألوان نفسها، مثل اليمن والعراق وسوريا والسودان، فبات منافسًا قويًّا للعلم العربي الأكبر الذي اشتقت منه غالبية دول المشرق أعلامها، وهو العلم المكوَّن من الأخضر والأبيض والأسود، المستوحى من بيت الشعر للشاعر صفي الدين الحلي، يقول فيه: «وإنا لقوم أبت أخلاقنا كرمًا، أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا.. بيض صنائعنا سود وقائعنا.. خضر مرابعنا حمر مواضينا».

وتستند العديد من الأعلام الحالية إلى ألوان الثورة العربية، مثل أعلام الأردن، والكويت، وفلسطين، والإمارات العربية المتحدة، والعراق.

توفي قائد الضباط الأحرار وزعيم الوحدة مع سوريا وتولى نائبه، محمد أنور السادات، صاحب فكرة اتحاد الجمهوريات مع سوريا وليبيا، وصاحب فكرة توحيد العلم للدول الثلاثة كذلك.

من رحم هذا الاتحاد وَضع الصقر، صقر قريش، على العلم المصري، فقد كان الصقر شعار اتحاد الجمهوريات، وعلى قاعدته يُكتب اتحاد الجمهوريات العربية.

سياسة

منذ 3 سنوات
أحلام الوحدة العربية التي لا تتحقق.. لماذا يفشل العرب وينجح الآخرون؟

ولتتمايز الدول سُمح لكل دولة بكتابة اسمها تحت كلمة الاتحاد، وظل العلم هو العلم المصري رسميًّا، واكتسب مجده الذي ضمن استمراره حين صار العلم الذي خاض الجيش المصري تحته حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973م.

لكن التغيير ناموس الكون، فأتى عام 1982م بتغيير طفيف لكنه جوهري للعلم المصري، حين أصدر الرئيس الجديد، محمد حسني مبارك، قراره رقم 143 بالانسحاب من اتحاد الجمهوريات، فتلاه قراره رقم 144 بإزالة كلمة اتحاد الجمهوريات وكتابة جمهورية مصر العربية في قاعدة العلم بخط كوفيٍّ، وتغيير صقر قريش إلى نسر صلاح الدين، ليصبح العلم المصري الحالي.

*الصورة الرئيسية لعلم مقترح للجمهورية المصرية الجديدة بعد إلغاء الملكية عام 1952.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد