يُعد متحف اللوفر، أكبر متحف في العالم؛ إذ يشغل مساحة 60 ألف متر مربع، ويقع على الضفة الشمالية لنهر السين في باريس، وهو إحدى أهم مناطق الجذب السياحي في فرنسا. يضم المتحف العديد من المجموعات الفنية الرائعة، ويوجد بداخله لوحة الموناليزا الشهيرة التي رسمها ليوناردو دافنشي خلال عصر النهضة.

هذا المتحف الذي يُعد تحفة تاريخية، مر بالعديد من مراحل البناء والتطوير؛ فلم يكن متحفًا في الأساس، بل كان قلعة عسكرية، ثم مقرًّا لإقامة ملوك فرنسا. في هذا التقرير، نعود معًا إلى الماضي لنتعرف سويًّا إلى تاريخ متحف اللوفر الشهير.

قلعة عسكرية مُحصَّنة لحماية باريس

نبدأ رحلتنا من أواخر القرن الثاني عشر، وتحديدًا عام 1190، عندما أمر ملك فرنسا، فيليب الثاني أغسطس، بتشييد قلعة محصنة لحماية باريس، أثناء مشاركته في الحملات الصليبية.

كان المبنى الذي صممه مهندسو الملك مربع الشكل، ومحاطًا بخندق، ومعززًا بأبراج دفاعية في زواياه ومنتصف جوانبه. كذلك، وُجِد في منتصفه أحد الأبراج بخندق خاص، وضم المبنى سجنًا للشخصيات المهمة، وقد سُجِن فيه لمدة 13 عامًا، فرديناند كونت فلاندرز، وذلك بعد هزيمته في معركة بوفين عام 1214.

متحف اللوفر باريس

متحف اللوفر باريس

لم يكن اللوفر مقرًّا للإقامة الملكية، في عهد الملك فيليب الثاني أغسطس، بل كان قلعة عسكرية فحسب. لكن مع تحول المنطقة المحيطة بالقلعة إلى منطقة حضرية، لم يعد للقلعة أهمية دفاعية كسابق عهدها، فبدأ الملوك في الانتقال للإقامة فيها شيئًا فشيئًا.

اللوفر يتحول إلى مقر إقامة ملكية

خلال فترة حكمه ما بين 1364 و1380، أيَّد الملك الفرنسي شارل الخامس تحويل اللوفر إلى مقر إقامة ملكي، وكلَّف المهندس المعماري، ريمون دو تمبل، بتحويل القلعة إلى سكن حديث. وفي عهده، رُفعت الأجزاء العلوية من اللوفر، وحل محلها أسقف عالية الزخرفة، كما فتحت النوافذ في الجدران.

بعد انتهاء حرب المئة عام التي استمرت ما بين 1337 إلى 1453، لم تكن الإقامة في العاصمة باريس أمرًا شائعًا، فقد اعتاد الملوك الإقامة في وادي لورا بشكل رئيسي، لكنهم كانوا  يذهبون إلى باريس بضع مرات فقط في السنة.

ولكن بعد هزيمة فرنسا في معركة بافيا أمام القوات الألمانية والإسبانية في عام 1525، أراد الملك فرنسوا الأول إحكام قبضته على العاصمة باريس، فأعلن رسميًّا في عام 1528، اللوفر مقر الإقامة الرسمية للملك، كما قرر إعادة بنائه، وهدمه في عام 1546، ليبني مكانه مقرًّا للإقامة، وهو ما حدث بالفعل في عهد الملك هنري الثاني (1547- 1559).

قصر التويليري.. ملحق قصر اللوفر

بدأت إعادة بناء القصر على النحو الذي أراده فرانسوا الأول بالجناح الغربي، وأشرف المهندس المعماري بيير ليسكوت على جميع الأعمال، بمساعدة فنانين آخرين. وتميز عمل ليسكوت بتكييف الأشكال الكلاسيكية مع الأذواق والضرورات الحديثة.

استأنف ليسكوت أعمال إعادة بناء الجناح الجنوبي بعد مقتل الملك هنري الثاني، وتولت كاترين دي ميديشي الإشراف على تلك الأعمال بعد وفاة زوجها الملك. وفي الفترة ما بين 1561 و1569، قررت دي ميديشي شراء مساحة كبيرة من الأرض في الضاحية الواقعة على بعد 500 متر غرب القصر، حيث يمكنها إقامة حديقة كبيرة وقصر التويليري، ولكن لنقص التمويل لم يكتمل البناء حتى موت دي ميديشي في عام 1589.

أعمال فنية داخل متحف اللوفر

خلال فترة حكم الملك هنري الرابع (1589- 1610)، لم يعد بناء قصر التويليري معزولًا، وإنما أصبح ملحقًا ترفيهيًّا لقصر اللوفر، فقد أمر هنري الرابع مهندسيه بربط المبنيين بمعرض كبير يبلغ طوله 500 متر تقريبًا، وهو ما حدث بين عامي 1595 و1609.

أراد هنري الرابع جعل اللوفر والتويليري أكبر مجمع فخم في أوروبا، ولذا جرف قسمًا كاملًا من المدينة المطلة على القصر، لكنه اغتيل في عام 1610 قبل تحقيق حلمه. عزم لويس الثالث عشر ابن الملك هنري الرابع على مواصلة مشروع والده، ونجح في مضاعفة طول الجناح الغربي لإحدى الساحات الرئيسية لقصر اللوفر.

تجديدات وتحديثات في القصرين

بحسب ما ذُكر في الموقع الرسمي لمتحف اللوفر؛ استمرت التحديثات في القصر في عهد الملك لويس الرابع عشر الذي حكم فرنسا من عام 1643 حتى عام 1715، ولكن بعد وفاة رئيس الوزراء جول مازاران في عام 1661، أصبح مشروع إعادة البناء والتوسيع معقدًا بشكل كبير، ومنذ عام 1674، فقد العمل في اللوفر زخمه، إذ انتهى تشييد الجدران، بينما ظلت غرف جناح كور كاري مفتقرة إلى الأرضية والنوافذ والسقف.

فيما بعد، تمكن الملك لويس الرابع عشر من الحصول على المجموعة الفنية للملك تشارلز الأول، ملك إنجلترا، بعد إعدامه خلال الحرب الأهلية الإنجليزية، ووضعها في اللوفر.

اللوفر مقرًّا للفنانين

خلال عصر النهضة الأوروبي، دُمرت أجزاء كبيرة من اللوفر من أجل تحديث القصر، وفقد القصر حدوده القديمة تدريجيًّا ما بين عامي 1528 و1660. وأثناء العمل في قصر اللوفر، كان قصر التويليري يخضع للتجديدات والإصلاحات كي يكون محل إقامة للملك حتى الانتهاء من أعمال اللوفر، وقد افتتح بالفعل في عام 1662، ليكون مقرًّا للحكم، حتى عام 1682، حينما نقل لويس الرابع عشر بلاطه إلى فرساي.

وفي حين أصبح التويليري مقرًّا للملك أثناء وجوده في باريس؛ كان اللوفر مخصصًا للفنانين والمثقفين، ومقرًّا للأكاديمية الفرنسية، وأكاديمية النقوش، وأكاديمية النحت والرسم، وأكاديمية العلوم، وأكاديمية الهندسة المعمارية.

الثورة الفرنسية ومتحف نابليون.. اللوفر سابقًا!

بدأت الثورة الفرنسية في عام 1789، وسعت لفتح متحف في قصر اللوفر، وهو ما حدث بالفعل في 10 أغسطس (آب) 1793، وكان وقتها يضم 537 لوحة. أُغلق المتحف في عام 1796 بسبب مشكلات هيكلية في المبنى، وأعاد نابليون افتتاحه في عام 1801.

تمكن نابليون من توسيع المجموعات الفنية في متحف اللوفر، فقد استولى الجيش الفرنسي على الفن والأشياء الأثرية من الأراضي التي جرى غزوها في الحروب والحملات العسكرية على كل من بلجيكا وإيطاليا والنمسا، ولذا أعاد تسمية المتحف في عام 1802 فأطلق عليه متحف نابليون.

مجموعة من الأعمال الفنية داخل متحف اللوفر

مجموعة من الأعمال الفنية داخل متحف اللوفر

أعيد حوالي 5 آلاف عمل فني إلى بلدانهم الأصلية بعد هزيمة نابليون في عام 1815، وسمح له بالاحتفاظ ببضع مئات من الأعمال، وبقيت الكثير من القطع الأثرية التي استولى عليها خلال حملاته على مصر، وأعيد إلى المتحف اسمه الأصلي، اللوفر. فيما بعد، تولى نابليون الثالث ابن شقيق نابليون الأول منصب رئيس الجمهورية الثانية في عام 1848، واستمر في الحكم حتى عام 1870، وتميز عهده بالتحسينات المعمارية لمتحف اللوفر.

فقد أطلقت الجمهورية الثانية، برنامجًا إنشائيًّا كبيرًا تضمن بشكل خاص ترميم متحف اللوفر، وافتُتح المبنى الرئيسي في عام 1857، وكان يتكون من أجنحة سفلية وأجنحة علوية حول فناء جديد، تفتح بالكامل على جانب واحد نحو قصر التويليري.

كان متحف اللوفر الجديد علامة بارزة في أسلوب نابليون الثالث، تميز بوفرة من الزينة والرغبة في تحقيق التوازن بين جميع الأنماط التي كانت موجودة من قبل، وليصل إلى ما أراده، وظَّف عدة مئات من النحاتين لتزيين الواجهات.

نهاية قصر التويليري

بعد هزيمة نابليون الثالث العسكرية في عام 1870 في الحرب الفرنسية البروسية، مُزقت فرنسا بين حكومة مؤقتة، مقرها في فرساي من ناحية، وكومونة باريس، وهي حكومة ثورية أرادت السيطرة على باريس. وحينها، بدأت الحكومة المؤقتة الرسمية في أعمال قمع واسعة، ووقع المبنى الرئيسي لقصر التويليري، ضحية للحرائق خلال الأسبوع الدموي من 21 إلى 28 مايو (أيار) 1871، ثم هُدمت أطلاله فيما بعد نهائيًّا في عام 1883.

وأخيرًا.. متحف اللوفر كما نعرفه الآن

في عام 1983، خضع متحف اللوفر لعملية تجديد كبيرة معروفة باسم متحف اللوفر الكبير. فأضيفت وسائل الراحة الحديثة للمتحف وافتتحت آلاف الأمتار المربعة من مساحة المعرض الجديدة. وبنى المهندس المعماري الأمريكي الصيني آي إم بي، هرمًا من الفولاذ والزجاج في وسط فناء نابليون، وافتتح في عام 1988.

هرم من الفولاذ والزجاج في وسط فناء نابليون

هرم من الفولاذ والزجاج في وسط فناء نابليون

وفي عام 1993، افتُتح للجمهور جناح أعيد بناؤه، كانت تحتله سابقًا وزارة المالية الفرنسية، وكانت المرة الأولى التي يخصص فيها متحف اللوفر بالكامل لأغراض المتحف.

ويضم متحف اللوفر من الداخل مجموعة من أغنى الأعمال الفنية في العالم، التي تمثل فترات الفن الأوروبي حتى ثورات عام 1848. وتنقسم المعروضات في متحف اللوفر من الداخل إلى الآثار اليونانية، والإتروسكانية (الإيطالية القديمة)، والرومانية، والفن الإسلامي، المنحوتات، والفنون الزخرفية، واللوحات، والمطبوعات.

تاريخ

منذ 4 شهور
باريس.. قصة مدينة أبهرت العرب وأغرقتهم أحياء في نهرها

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد