قراءة تاريخ أية مدينة تبدأ من التعرف على شوارعها، فالشوارع هي خير شاهد حي على الأزمنة التي شهدتها، فمن خلال قراءة أسمائها يمكن معرفة الشخصيات المؤثرة الذين ساهموا في بناء الدولة، وثقافة الشعب الذي يعيش بها.

وفي القاهرة لم تنتشر تسمية الشوارع، إلا بعد مجيء محمد علي باشا، فقد كانت في السابق عبارة عن أحياء أو مناطق تحمل أحيانًا اسم القبيلة التي عاشت فيها في البداية، أو منطقة يجتمع فيها أرباب حرفة معينة فتسمى على اسم هذه الحرفة، وفي بعض الحالات تحمل اسم صاحب قصر كبير أقيم بها، مثل: منطقة “عابدين” بوسط القاهرة، والتي تحمل اسم قصر عابدين، ولكن في الوقت الحالي كثرت شوارع القاهرة وتعددت أسماؤها، والكثير منها يخفي وراء اسمه حكاية تاريخية ممتعة، وفي هذا التقرير سنتعرف على أهم تلك الحكايات.

1- شارع المعز. هنا: القاهرة الفاطمية

أطلق عليه الرحالة والمؤرخون العرب اسم “الشارع الأعظم”؛ لأهميته التاريخية: فهو أول شارع في القاهرة الفاطمية، وتمثل المنشآت الأثرية في هذا الشارع ستة عصور إسلامية كبرى، بداية من العصر الفاطمي، وصولا إلى عصر محمد علي باشا الكبير.

تعود قصة إنشاء الشارع إلى فترة حكم القائد الفاطمي جوهر الصقلي الذي أنشأ مدينة القاهرة، وجعل لها في السور الشمالي بابين، هما: باب النصر وباب الفتوح، وفي السور الجنوبي بابين متجاورين، هما: بابا زويلة، وشق في المنطقة من باب الفتوح إلى باب زويلة شارعًا أًطلق عليه فيما بعد شارع المعز. وعلى الجانب الشرقي من الشارع بنى الصقلي القصر الشرقي الكبير؛ ليقيم فيه الخليفة المعز لدين الله، وعندما تولى ابنه العزيز حكم مصر أنشأ قبالة هذا القصر قصرًا جديدًا أصغر قليلا سماه بالقصر الغربي، وعرف الناس هذا الجزء من الشارع باسم “بين القصرين”.

وعلى مدار التاريخ لم يتوقف الشارع عن النمو، إذ امتد شمالًا خارج باب الفتوح إلى ميدان الجيش، وحتى حي الظاهر، ومن الناحية الجنوبية امتد بعد باب زويلة إلى مقام السيدة نفيسة، ثم إلى الفسطاط، ليصل في النهاية طوله إلى حوالي 4800 متر. وتعكس المنشآت الموجود بشارع المعز تفاصيل التاريخ الفاطمي، من خلال عدة صور في مقدمتها المساجد التي تُدرس كنماذج في عظمة البناء، والمدارس المعبرة عن طبيعة الأمة المصرية المتسامحة والمنفتحة، حيث التعليم على المذاهب الإسلامية الأربعة، وكذلك “الخانقاه”، وهي دار التعبد التي كان يقصدها الصوفية للبعد عن ملذات الدنيا والتقرب لله، ولا ننسى الأسبلة التي كان يتسابق السلاطين والأمراء والأغنياء لإقامتها في أماكن تجمع الناس.

2- شارع قصر النيل: شاهد على تاريخ مصر السياسي

يرجع سر تسمية الشارع إلى عصر محمد علي باشا فهو أول من عمَّر منطقة قصر النيل، وأحضر المهندسين الروم لإدخال المباني الرومية في الديار المصريَّة، وأنشأوا لابنته نازلي هانم سرايا على ساحل النيل في تلك المنطقة، وأُطلق على تلك السرايا “قصر النيل”، ولكنها هدمت فيما بعد على يد سعيد باشا بعد؛ ليبني محلها ثكنات قصر النيل العسكرية.

وعندما نتحدث عن شارع قصر النيل لا ننظر إليه كمجرد شارع تم دَكُّه بالحجر الدقشوم – الحجر الصغير- بأيدي كبير مهندسي مصر علي باشا مبارك بتكليف من الخديوي إسماعيل خامس حكام مصر الحديثة، ولكننا نرى فيه خازنة أسرار لكثير من فصول تاريخ مصر السياسي: فمن الجانب العسكري لعبت ثكنات قصر النيل دورًا سياسيًا هامًا خلال أحداث الثورة العرابية؛ خصوصًا وأنها كانت قريبة جدًا من مقر الحكم الجديد في قصر عابدين الذي أنشأه الخديوي إسماعيل، وغير بعيدة أيضًا عن شارع قصر العيني بكل ما فيه من مباني الوزارات.

ولأن استيلاء أي قوات غازية على قلعة المدينة يعتبر استيلاء على البلد كلها فإن قوات الاحتلال البريطاني عندما وصلت إلى القاهرة يوم 14 سبتمبر 1882 بادرت إلى احتلال ثكنات الجيش المصري في قصر النيل كرمز لاحتلال القاهرة.

وظلت ثكنات قصر النيل تحت الاحتلال البريطاني، ثم مضى الزمان حتى جاء يوم 31 مارس 1947وانسحبت منها القوات البريطانية، ووقف الملك فاروق رافعًا علم مصر فوق ثكنات قصر النيل، وبجواره محمود فهمي النقراشي رئيس وزراء مصر آنذاك، وكان ذلك يومًا مشهودًا؛ لأن ما حدث يعني رحيل الإنجليز المستعمرين عن القاهرة. وعاد الجيش المصري إلى ثكناته، وظلت ثكنات قصر النيل في موقعها حتى تقرر إزالتها ونقل القوات المسلحة إلى منطقة العباسية، وتقرر بعدها هدم ثكنات قصر النيل لإنشاء مكانها واجهة غربية للقاهرة.

وأصبح شارع قصر النيل الممتد من عند المتحف المصري حتى تقاطعه مع شارع الجمهورية أشهر شارع تجاري في القاهرة وشهد زحفًا من كبار التجار، وفي مقدمتهم التجار اليهود الذين انشأوا العديد من المحال المشهورة مثل “صيدناوي” و”داود عدس” و”بنزايون”، ومن أهم العمائر بالشارع عمارة الإيموبيليا الشهيرة والتي سكنها كبار الفنانين المصريين.

3- شارع عماد الدين: شارع لا يُعرف صاحبه

قديمًا كان شارع عماد الدين يمتد من شارع رمسيس إلى ما بعد شارع الناصرية بقليل، ولكن بلدية القاهرة قسمته إلى جزئين: الجنوبي منه يبدأ من الناصرية ويحمل اسم محمد بك فريد، ويصل إلى تقاطع شارع 26 يوليو، والشمالي ما زال محتفظًا باسم عماد الدين ويبدأ من تقاطع شارع فؤاد ويصب في شارع رمسيس.

ومن العجيب أن الشيخ عماد الدين الذي سمي الشارع على اسمه، وهو صاحب الضريح الموجود بالقرب من تقاطع الشارع مع شارع الشيخ ريحان، لا أحد يعرف تاريخ إنشاء هذا الضريح، ولا شيئًا عن ذلك الشيخ، وأصبح الضريح بعد عملية التقسيم يقع في شارع محمد فريد.

وفي بداية القرن العشرين كان النشاط الفني يتركز حول منطقة الأزبكية القريبة من شارع عماد الدين، لذلك انتشرت بالشارع المسارح ودور الغناء والمقاهي، وفي مقدمتها مسرح “الماجسيتك” الذي كان يمثل عليه الفنان علي الكسار، وبعد ذلك بدأت دور السينما تظهر في أنحائه، وكان أولها سينما استديو مصر.

واهتم الخديوي عباس حلمي الثاني بإنشاء عمارات فخمة في شارع عماد الدين أطلق عليها اسم عمارات الخديوي، وأقامها على الطراز الإيطالي واستخدم الرخام فيها في الأعمدة والسلالم، وبعد عزل الخديوي عباس آلت هذه العمارات إلى شخص أجنبي يدعى “سيتون”، ثم تم تأميمها في أوائل الستينات لتصبح مقرًا للعديد من الشركات المصرية.

4- شارع الموسكي: أول شارع عرضي في القاهرة

بدأ شَقّ شارع الموسكي وتعميره على مدى عمر خمسة من حكام مصر من أسرة محمد علي، وكان الهدف من شقه توفير منطقة تجارية في قلب القاهرة الفاطمية، ويمتد الشارع من السكة الجديدة – شارع الأزهر حاليًا – وصولًا إلى ميدان العتبة، وتنسب تسميته إلى الأمير عز الدين موسك أحد أقرباء السلطان صلاح الدين الأيوبي.

ويروي علي باشا مبارك في خططه التوفيقية حكاية شق هذا الشارع أيام محمد علي باشا، فقد استفتى العلماء في فتحه وكيفية عرضه فأفتوه بأن يجعل عرضه يسمح بمرور جملين محملين بالتبن دون مشقة في مرورهما، وعلى ذلك تقرر أن يكون عرض الشارع 8 أمتار، وكان هذا العرض كافيًا وقتها، ولكن في الوقت الحالي فإن المشاة أنفسهم يعانون من السير في ذلك الشارع؛ من شدة ازدحامه، حتى بعد أن منعت محافظة القاهرة السيارات من دخوله، ويعد شارع الموسكي أول شارع بالعرض في القاهرة كلها، إذ إن شوارع القاهرة كانت شوارع طولية بحكم أن المدينة مدينة طولية بامتدادها مع نهر النيل.

5- شارع الأزهر: من أجله هدم 700 منزل

نبعت فكرة شارع الأزهر من الأزبكية، أي يسير بانحراف من الأزبكية إلى القلعة، وبدأ تخطيطه بإزالة المدافن التي كانت تقع في بدايته وشراء المنازل التي تقع في طريقه، واستلزم شقه هدم 700 منزل وعدد كبير من المباني، مثل: جامع “قوصون”.

وعندما بدأ تنفيذ فتح شارع الأزهر تمت إزالة جامع أزبك وحمامه، الذي كان معروفًا بحمام العتبة الخضراء، وجُمعت بقايا عظام الموتى الذين كانوا يدفنون في مقبرة الأزبكية، ووضعت في صهريج في أول شارع العشماوي وبُني عليه الجامع المعروف باسم جامع العظام، والذي ما زال قائمًا حتى اليوم، ويعد شارع الأزهر أعرض الشوارع التي تخرج من ميدان العتبة، وقام الخديوي إسماعيل بإكماله وأمر بإنارته بالغاز، وتنظيفه ثلاث مرات يوميًا، وجعل فيه أرصفة مظللة بالأشجار.

6- شارع محمد علي: طراز معماري باريسي

بدأ التفكير في إنشائه أيام محمد علي باشا، ولكن تنفيذه كان في عهد الخديوي إسماعيل عام 1874، وأطلق عليه في البداية اسم شارع القلعة، ولكنه يعرف اليوم باسم محمد علي، ويمتد من ميدان العتبة، ويصل إلى جامع السلطان حسن، وتولى عملية إنشائه ديوان الأشغال الذي كان يشرف عليه آنذاك علي باشا مبارك، وتم شراء المباني التي كانت تعترض الشارع، وبلغت التكلفة الإجمالية لإنشائه حوالي 78645 جنيهًا و448 مليمًا، كما جاء في كتاب “تقويم النيل” لمؤلفه أمين سامي باشا.

ويتميز الشارع بطراز خاص لمبانيه فقد تم بناء العقارات على جانبي الشارع بحيث تعلوها البواكي -الأقواس- التي تظلل الرصيف من الجانبين؛ لتوفير مظلة للتجار والمترددين لحمايتهم من أشعة الشمس، ومن مياه الأمطار، وهذا الطراز ما زال موجودًا في أجزاء عديدة من الأحياء القديمة في باريس. وعند التقاء شارع محمد علي بميدان باب الخلق كانت هناك قنطرة أعاد الخديوي إسماعيل بناءها بالكامل، وأقام أمامها أول دار للكتب “الكتبخانة”، والتي ما زالت قائمة في موقعها، وبجوارها المتحف الإسلامي الذي يقع أمام مديرية أمن القاهرة.

7- شارع المبتديان: الاسم الأقدم هو الأبقى

تغيَّر اسم هذا الشارع وتبدل مرات عديدة، لكنه رغم ذلك ما زال محتفظًا بأول اسم أطلق عليه: “المبتديان”، أشهر شوارع حي المنيرة وسط القاهرة، ويبدأ من شارع قصر العيني وينتهي عند التقاء شارعي الناصرية وخيرت، وسبب تسميته بالمبتديان أنه في يناير 1868 تم نقل مدرسة المبتديان إلى الناصرية مكان قصر عثمان بك البرديسي الذي كان يستخدم لاستقبال واستضافة ضيوف مصر، والمبتديان كلمة تركية تعني الابتدائية.

وتغير اسم الشارع بعد ذلك ليصبح شارع الشيخ محمد عز العرب المحامي، الذي ترافع ضد الشيخ علي يوسف صاحب جريدة المؤيد أكبر صحف مصر اليومية؛ بعد زواج الشيخ علي من السيدة صفية بنت الشيخ السادات عام 1904، ونجح في الحصول على حكم ضده بالتفريق بينه وبين السيدة صفية لعدم التكافؤ؛ نظرًا لعمله “جورنالجي” وكانت آنذاك مهنة لا تحظى بالاحترام الكافي، ولذلك أطلقوا اسم الشيخ محمد عز العرب على الشارع بعد أن كان يطلق عليه شارع الشيخ علي يوسف، وكأنهم يؤكدون على استمرار الصراع بين الشيخين، ورغم أن المراسلات تحمل الاسم الرسمي للشارع وهو محمد عز العرب المحامي، إلا أن سكان القاهرة لا يعرفونه سوى بشارع المبتديان.

وشهد شارع المبتديان وجود العديد من المنشآت الهامة، مثل مدرسة دار العلوم التي تحولت فيما بعد إلى كلية، وكانت من أهم وأول المدارس العالية في تاريخ التعليم بمصر الحديثة، وأيضًا تواجدت به واحدة من أكبر دور الصحف في مصر آنذاك، وهي: “دار الهلال” بمبناها الشامخ الذي أقيم في مطلع القرن العشرين.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!