لم تزل التسمية بالألقاب والكنى سمة الأمم جميعها: عربها وعجمها، لا سيما الملوك والسلاطين على مر التاريخ وحتى يومنا الحاضر، على الرغم من التخلص من نزعة تقديس الزعماء مقارنة بما كان عليه الأمر في الماضي. فبعض هؤلاء الحكام عرفوا بمناصبهم أولًا قبل أسمائهم؛ فمنهم الخلفاء، والأئمة، والسلاطين، والملوك، والأباطرة، والباشوات والباكوات، حتى أن منهم من عرف بلقبه فقط دون اسمه مثل: أبو فراس الحمداني والحاكم بأمر الله.

يأخذنا هذا التقرير في جولة حول مجموعة من الألقاب الغريبة والطريفة في الماضي والحاضر، وأبرز الأمم التي اهتمت بهذا التقليد.

من أين يأتي اللقب أو الكنية؟

أحيانًا يختار الحاكم نفسه اللقب الذي يعجبه، وربما أطلق عليه نتيجة عمل شجاع نال إعجاب العامة، وبعضهم منحه المؤرخون لقبًا بعد عدة سنوات من وفاته.

يذكر فؤاد صالح السيد، صاحب معجم ألقاب السياسيين في العالم العربي والإسلامي، أن هناك العديد من الأسباب التي تدعو إلى إطلاق هذه الألقاب على أصحابها:

  •  فمنها ما يطلق على السلطان أو الحاكم؛ لأنها سمة ذلك العصر، مثل ألقاب المعتصم بالله، والناصر لدين الله، وأمير المؤمنين.
  • ومنها ما ارتبط بحادثة تركت أثرًا نفسيًا أو جسديًا على صاحبها، كالأقطع، والأعور، والصديق والمظلل بالغمامة، أو إعاقة علامة مميزة في المظهر مثل: الأعمى، والأحول، والأحنف.
  • ومنهم من تلقب بذلك اللقب تشبهًا بقائد سابق شهير، مثل: حجاج المغرب، وبلقيس الصغرى، والجاحظ الثاني.
  • وهناك من تلقب بألقاب تعظيم لمنزلته العلمية، أو العسكرية، أو السياسية، مثل: ترجمان القرآن، وأمير السيف، والقلم.
  • فيما أطلق على بعضهم ألقاب سخرية وتقبيح، مثل: لطيم الحمار، وكذاب صنعاء، ومنهم من نُسب لأمه، مثل: ابن أروى، وابن هند، وابن ماء السماء.

ما هي أكثر الأمم اهتمامًا بالألقاب والكنى؟

لا تخلو أمة من إطلاق ألقاب التشريف والتعظيم، ولكن بعض الأمم والبلدان اهتمت على نحو خاص بهذا الأمر، وفصّلت في مراتبه ومستحقيه، ومن أبرزها البريطانيون، والعثمانيون، والروس، والهنود.

البريطانيون

اكتسبت الألقاب هنا هيبتها من هيبة العرش البريطاني نفسه، فلم تزل هناك الألقاب الملكية التي تقتصر على الملك، والملكة، والأمراء، والأميرات. ثم تأتي ألقاب النبلاء التي يتوارثونها أبًا عن جد، وتقع هذه في خمس منازل نذكرها من الأعلى إلى الأقل أهمية: الدوق والدوقة، الماركيز والماركيزة، الإيرل أو (الكونت) أو الكونتيسة، الفيكونت، والبارون.

ولم يزل هناك لقب «سير» أو «لورد» الذي تمنحه العائلة الحاكمة لبعض الشخصيات من خارج العائلة لخدماتها في مجال السياسة، والاجتماع، والفن، والعلم.

الهنود

شهد التاريخ الهندي طيفًا واسعًا من الزعماء، واختلفت ألقابهم تبعًا لاستقلاليتهم، أو الأراضي التي تقع تحت سيطرتهم. فاشتهرت ألقاب مثل: مهراجا (مأخوذة من كلمتي ماهات، أي: عظيم، وراجان، أي: ملك)، ومهراني (للسيدات)، ومهراجا رتبة إدارية في الهند، وهو أعلى لقب متاح لحاكم الأراضي الهندية، وهو أعلى من لقب راجا الذي يلقب به حاكم إحدى الولايات الهندية، وهي كانت ألقاب شائعة بين الحكام من الهندوس، أما أثناء الحكم الإسلامي فشاعت ألقاب مثل: خان، ووالي، وسلطان.

الروس

امتلأ تاريخ الروس أيضًا بالألقاب؛ لما شهدته بلادهم من تقلب في أحوال حكامها وخلفياتهم من روسيا الإمبراطورية، والاتحاد السوفيتي، والدولة الاتحادية الحديثة. وكان هناك عدد من الاعتبارات التي تمنح الرتب بناء عليها مثل: جَمْع الأراضي وحشد الأتباع، وإظهار المهارات القتاليّة، والإنجازات الوطنيّة، أو من خلال مِنْحةٍ من القيصر. والأمراء في هذا الباب هم الأرفع درجة من كل الرتب، وينحدرون من الأسر النبيلة التي حكمت روسيا، ثم هناك الدوق، والدوقة، والماركيز، والماركيزة، ثم الكونت، والكونتيسة، ثم البارون وهي أدنى منازل النبلاء. ثم أُلغيت جميع الألقاب والرتب العسكرية في 21 مارس (أذار) 1917 بعد سقوط روسيا القيصرية، واقتصر التخاطب مع أصحاب الرتب والمراكز العليا في الدولة على لقب «السيد»، ثم ابتكر الشيوعيون لأنفسهم ولزعمائهم لقب «الزميل» أو «الرفيق».

تاريخ

منذ 3 شهور
ظل أحمر منذ محمد الفاتح.. تاريخ العلم التركي الذي تحوم حوله الأساطير

أما العثمانيون فهم المنافس الأكبر للبريطانيين في الألقاب؛ إذ منحوا لقب باشا للمسؤولين، وأصحاب النفوذ الاجتماعي، وموظفين في الدولة، وقيل إنها تعني «باش»، أي: رأس بالتركية، وكذلك لقب بيك الذي يعني حاكمًا، وهو يقابل لقب أمير، واستخدمته الدول المغولية والعثمانية والتركية، وهناك لقب أفندي، وتعني: الأخ الأكبر، ومنحته الدولة للمثقفين، وصغار الضباط الذين لا يحملون لقب باشا أو بيك، وهناك ألقاب الغازي والفاتح التي أطلقت على كبار الفاتحين من خلفاء الدولة العثمانية أبرزهم محمد الفاتح بعد فتح القسطنطينية (إسطنبول).

بعض أبرز ألقاب الحكام عبر التاريخ

بلقيس الصغرى

وهي أروى بنت أحمد الصليحي، رابع من ولي اليمن من الصليحيين وآخرهم بعد وفاة زوجها الثاني في 492 هجريًا. كانت زوجة الملك المكرم أحمد الصليحي، وفوّض إليها أمر الحكم بعد إصابته بالفالج، فتولت أمور البلاد، ودبّرتها أحسن تدبير، وكان لها مآثر وسبل وأوقاف، وامتد حكمها لـ40 سنة. لقبت ببلقيس الصغرى، وكافلة المؤمنين، وكذلك الحرة الكاملة. من أبرز إنجازاتها بناء جامع صنعاء، المعروف باسم الجامع الكبير، كما أنها خصصت الأموال لشق الجبال، وتعبيد الطرق، وإيصال المياه من مدينة الخنوة إلى مدينة الجند.

محمد الفاتح

هو محمد الثاني، السلطان قمحي اللون، والمتوسط الطول الذي نشأ في كنف والده السلطان مراد الثاني. كان محبًا للعلم والثقافة، فأتقن إلى جانب لغته التركية: العربية، والفارسية، والإغريقية، ويفهم الإيطالية، وكان مولعًا بالتاريخ، وقراءة سير العظماء والأبطال، وأُعجب بسير الإسكندر المقدوني. تدرّب محمد على الملك قبل وفاة والده؛ إذ تولى أمور السلطنة مرتين فعلًا عندما آثر والده اعتزال الملك والركون إلى حياة الراحة.

اكتسب السلطان محمد لقبه الفاتح بعد أن استكمل مهمة والده الذي سيطر على البلقان وآسيا الصغرى، ولم يبقِ من ملك الدولة البيزنطية سوى القسطنطينية، رمز حضارتها ومركز ثقافتها، ليفتحها ابنه بعد أن استعصت على الكثيرين. عرفه القريب والبعيد بهذا اللقب إذ جاء فتحه للقسطنطينية في وقت سقطت فيه عاصمة للمسلمين في بغداد على يد التتار، وأرسى ملك الدولة العثمانية في آسيا الصغرى.

خوانا المجنونة

وهي خوانا الأولى ملكة قشتالة وأراجون، وابنة ملك أراغون فرناندو وملكة قشتالة إيزابيلا. حبسها والدها، ثم ابنها بالقوة بسبب مرض عقلي ألم بها، وقيل إن والدها وزوجها من أشاعوا ذلك عنها طمعًا في الملك الذي آل إليها من والدتها. تدهورت حالتها لاحقًا وأصبحت تعرف بخوانا «لا لوكا»، أي: المجنونة.

أبو العباس السفاح

هو عبد الله بن محمد العباسي أول خلفاء الدولة العباسية، قال عنه الذهبي في كتاب «سير أعلام النبلاء» إنه كان شابًا مليحًا، مهيبًا، طويلًا، ووقورًا. أقام في الكوفة وتولى الحكم لأربع سنوات فقط.

لم يتفق المؤرخون على سبب تسميته بهذا الاسم فقيل إن سبب ذلك هو كرمه وجوده، وكثرة عطائه. وذكر آخرون أن ذلك راجعًا لكثرة ما سفك من دماء بني أمية عندما ثار على دولتهم وأقام الدولة العباسية على أنقاضها. وقيل إنه من أطلق على نفسه هذا اللقب حين قال: «أنا سفاح بني أمية».

تشارلز الأحمق

تشارلز السادس ملك فرنسا لمدة 42 سنة حتى عام 1422. كان عمره 11 عامًا عندما تُوّج ملكًا. كان يعرف بشارلز الحبيب أول حكمه إلى أن أصابته نوبات من الجنون فاعتقد أنه مصنوع من الزجاج ويمكن أن ينكسر في أية لحظة، فكان يستعمل قضبان حديدية مخيطة في ملابسه ليمنع نفسه من الانهيار.

تاريخ

منذ شهر
4 من أغرب «عادات الملوك» الذين جلسوا على العرش

إيفار بلا عظام

كان إيفار ابن ملك الفايكنج الأسطوري راجنار لوثبروك أحد كبار حكام الفايكنج في القرن الثامن، يقال إنه لقب بهذا الاسم؛ لأنه كانت لديه غضاريف محل العظام، ولا يستطيع المشي. وقيل إنه كان لقبًا طريفًا أطلق عليه كناية عن عدم اهتمامه بالأمور العاطفية والرومانسية.

العنكبوت العالمي

كان لويس الحادي عشر، الذي كان في القرن الخامس عشر يحيك المؤامرات على نحو دائم ويختفي عن الأنظار حتى لقبه أعداؤه بالعنكبوت لاعتقادهم أنه يحيك المؤامرات ويحكي الأكاذيب دائمًا.

الحكام المعاصرون لهم نصيب أيضًا من الألقاب

الرجل البرتقالي

من أوائل الألقاب التي أطلقت على رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، الرجل البرتقالي، بسبب لون بشرته وشعره المميزين. وفيما عزا بعض الجمهور هذا اللون إلى خضوعه لجلسات تسمير البشرة، والتي باءت بالفشل، قال ترامب إن ما يراه الناس هو نتيجة للمصابيح الموفرة للطاقة.

الشمس الساطعة للقرن الـ21

أطلق الإعلام الكوري الشمالي على الرئيس كيم يونج أون هذا اللقب كاستحقاق له من وجهة نظرهم نتيجة الانتصارات التي حققها خلال النضال الوطني ضد العقوبات الأمريكية المفروضة على البلاد بسبب برنامجها النووي، وأيضًا ضد تهديدات كوريا الجنوبية، جدير بالذكر أن الإعلام في كوريا الشمالية هو جزء أساسي من الدولة، ولا يتمتع بالاستقلالية عنها.

السيدة الفولاذية وصديقة اللاجئين

لقب عرفت به المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وزعيمة حزب الاتحاد الديمقراطي، بسبب صمود بلادها في وجه الأزمة الاقتصادية العالمية، وبسبب التسهيلات التي فعلتها للاجئين السوريين في بلادها.

السيد منشار العظم

حصل ولي العهد السعودي ابن سلمان الملقب بـ(M.B.S) على لقب جديد بنفس الأحرف المشهورة (Mister Bone Saw) أي السيد منشار العظم وذلك عندما أطلق عليه الصحافي جيم روتنبيرج هذا الاسم في مقاله الذي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» على إثر حادثة مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد