مع نهاية الحرب العالمية الثانية وتشكُّل عالم جديد بانتصار الحلفاء وهزيمة قوات المحور، وصعود الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي ليصبحا أعظم قوتين في العالم بتنحية القوتين الاستعماريتين التقليديتين: بريطانيا وفرنسا، تطلعت الدول المستَعمرة لتحررها من رقبة الاستعمار الذي تضافرت ظروف جمة لإنهائه في العقدين التاليين لنهاية الحرب؛ وذلك نتيجة نضالات تلك الشعوب ضد الاستعمار، ورفض الولايات المتحدة والسوفيت لاستمرار استعمار القوى العظمى السابقة المتآكلة، وإنهاك الدول المستعمِرة وميزانياتها في الحرب العالمية وفي حروب التحرير، وكل ذلك شكَّل الأرضية الخصبة لانتظام الشعوب في المؤسسات والمنظمات المعنية بالنضال لانتزاع حقوقها.

ولم يكن التونسيون بعيدين عن هذه المعادلة، ففي عام 1946 شكل الشعب التونسي أول منظمة نقابية في العالم العربي وأفريقيا معنية بالدفاع عن حقوق العمال؛ إذ أسس الاتحاد الزعيم التونسي الراحل فرحات حشاد، وانتخب أول أمين عام للاتحاد خلال مؤتمر عُقد في المدرسة الخلدونية، وانتُخب فيه أيضًا الشيخ محمد الفاضل بن عاشور رئيسًا للاتحاد وهو ابن الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، شيخ الزيتونة ومفتي تونس.

وقد سبقت ذلك محاولات أخرى لتأسيس منظمات نقابية في تونس إلا أنها فشلت، ولم يقتصر عمل الاتحاد التونسي العام للشغل على الدفاع عن حقوق العمال بل عارض الاستعمار الفرنسي، وتبنى مؤسسه فرحات حشاد المقاومة العسكرية ضد فرنسا، فبدأ بالكفاح السري المسلح ضد الاستعمار، بالإضافة لتنظيم الإضرابات والتحركات الشعبية حتى اغتياله عام 1952، وقد اعترف عضو منظمة «الكف الحمراء» الفرنسية (وهي منظمة تابعة للاستخبارات الفرنسية كان هدفها إجهاض الثورة الجزائرية بالاغتيالات) بمسؤولية المنظمة عن اغتياله، وكان الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، قد زود زوجته وابنه عام 2003 بوثائق سرية تثبت ضلوع مخابرات سرية فرنسية في الاغتيال.

فرحات حشاد

بعد عام واحد فقط من تأسيس الاتحاد تقرر تنظيم إضراب عام في شهر أغسطس (آب) من عام 1947 لعدم تلبية مطالب الشغيلة والفلاحين برفع الأجور وتحسين أوضاعهم، فاشترك في الإضراب 100 ألف مضرب في كامل أنحاء البلاد، وقد اجتمع آلاف العمَّال للاحتجاج في صفاقس فواجهتهم قوات الاستعمار بالرصاص وخلفت 29 قتيلًا و150 جريحًا، بينهم الزعيم التونسي الحبيب عاشور الذي أصبح فيما بعد أمينًا عامًا للاتحاد.

وعلى إثر تلك الأحداث، أصبح وجود الاتحاد واستمراره وقادته في خطر كبير؛ فلجأ حشاد للأمين باي، ملك تونس الذي نصبته فرنسا بعد خلع المنصف باي ونفيه خارج البلاد، ونتج من ذلك خلاف بين الفاضل بن عاشور وحشاد، الذي لم يلجأ للباي فقط، بل طلب شفاعته لإطلاق سراح الحبيب عاشور، وقبل مبلغ 100 ألف فرنك للاتحاد من الباي، ما رآه الفاضل بن عاشور قادحًا في شرف الاتحاد ومخالفًا لمعارضته لحكم الباي المستسلم للإرادة الاستعمارية الفرنسية والقامع للطبقة العاملة وحقوقها في تونس من وجهة نظر الاتحاد، وقد أرسل لحشاد رسالة اعتراض بوصفه الرئيس الشرفي للاتحاد.

الشيخ محمد الفاضل بن عاشور

إلا أنَّ أحداث عام 1952 التي شهدت المؤتمر السري الرابع للحزب الدستوري الجديد ومطالبته إلغاء الحماية الفرنسية وإعلان استقلال تونس، واعتقال رئيس الحزب الحبيب بورقيبة ومديره المنجي سليم، ونفيهما لطبرقة واعتقال رئيس المؤتمر، الهادي شاكر، بعدها بأيام، واندلاع الكفاح المسلح ضد الاستعمار الفرنسي، كل ذلك أقنع حشاد بضرورة الكفاح المسلح ضد الفرنسيين في تونس، وقد اغتيل في العام ذاته.

استمر سعي التونسيين للاستقلال، وقد شهد خلافات سياسية بين تيار الحبيب بورقيبة الذي تولى رئاسة الجمهورية بعد توقيع اتفاقية الاستقلال مع فرنسا، وأحد زملائه صالح بن يوسف الذي عارض الاستقلال المرحلي وقبول الاتفاقيات مع فرنسا، ودعا إلى الكفاح المسلح حتى تحرير كامل المغرب العربي من الاستعمار، فعقد مؤتمر الحزب الخامس عام 1955 وفصل منه الزعيم صالح بن يوسف، وقد اتخذ الاتحاد التونسي العام للشغل موقفًا مناصرًا لبورقيبة وقتها، فناصره الزعيم الحبيب عاشور، وأُقيم المؤتمر بحماية الاتحاد، لتنال تونس استقلالها بعدها بعام في 1956 ويتولى بورقيبة مقاليد الحكم في تونس ويتفرد بقيادة الحزب الدستوري الجديد، الذي أصبح الحزب الحاكم في تونس.

الاتحاد العام التونسي للشغل.. من حليف سابق إلى خطر على النظام

بحسب كتاب «الاتحادات التجارية والثورات العربية» المنشور عام 2018 فقد تحالف الاتحاد التونسي العام للشغل مع بورقيبة وحزبه الحاكم في فترة ما بعد الاستقلال، وخصوصًا في وجه تحديات الزعيم صالح بن يوسف والمخاطر التي وجهها لنظام ما بعد الاستعمار تحت حكم بورقيبة، فقد حاول الرجل ترتيب تحركات داخل تونس تؤدي للإطاحة بحكم بورقيبة والانقلاب عليه، إلا أن تلك التحركات باءت بالفشل وانتهت باعتقال وملاحقة رجال صالح بن يوسف، واغتياله أخيرًا في ألمانيا.

وقد شكل الاتحاد التونسي العام للشغل في ذلك الوقت رافعة للنظام في مقابل موافقة النظام على مطالب الاتحاد العام ومماشاته للمطالب العمَّالية عمومًا؛ لكون الاتحاد لاعبًا اجتماعيًّا وسياسيًّا مهمًّا في تونس، وأصبح للاتحاد العام وقيادته تأثيرًا كبيرًا في حزب الدستور الجديد، خصوصًا بضمه لعضوية 80 ألف عامل، وهذا تحديدًا ما جعل النظام يرى الاتحاد العام وقيادته خطرًا على استمراره لتقديرهم إمكانية تحول الأمور، بحيث يصبح الاتحاد هو المسيطر، أو حتى يعمد لتأسيس حزب عمال خاص به بعيدًا عن حزب الدستور الجديد.

استمرت فترة الحلف بين النظام والاتحاد التونسي العام للشغل منذ الاستقلال وحتى عام 1970، وقد شارك خلالها الحزب في بناء الدولة والتأثير في سياساتها، خصوصًا السياسات الاشتراكية التي اتبعها النظام، مثل التأثير في وضع الخطط الصحية والتعليمية للدولة في عام 1958، ووضع الخطة الاقتصادية لعام 1964، وقد شهدت تلك الفترة تأثيرًا متبادلًا بين حزب الدستور الجديد الحاكم وبين الاتحاد التونسي العام للشغل، فقد عين النظام الكثير من قادة الاتحاد التونسي العام للشغل وزراء لتنفيذ خطط الدولة، كما تدخل بورقيبة وحزبه عمومًا في شؤون الاتحاد بالموافقة على الترشيحات والتدخل في تعيين الأمناء العامين وفصلهم.

وقد تحكمت الحكومة بتمويل الاتحاد عن طريق تحصيل اشتراكات الاتحاد التونسي العام للشغل من أعضائه وتقديم الدعم في المقابل للاتحاد من ميزانية الدولة المخصصة، ما مكن الدولة من جعل الاتحاد معتمدًا تمويليًّا عليها، وسهل الطريق لإضعاف شخصية الحزب النضالية وتدجينه، ومع ذلك لم تخلُ تلك الفترة من مشاحنات بين الاتحاد التونسي العام للشغل والدولة، فقد حصل الصدام الأول بينهما على إثر مطالبات برفع الأجور عام 1964، إلا أن الحبيب عاشور الذي أيد الصدام مع الدولة في تلك القضية، رأى أن تلك الفترة إستراتيجية جديدة للاتحاد، بحيث يدعم الاتحاد السلطة عمومًا، ويقاوم أي قرار يمس بالعمال في المقابل.

اعتمدت الدولة في تلك الفترة على سياسات اقتصاد اشتراكية متوافقة مع مطالب الاتحاد العام، وعينت أمينه العام، أحمد بن صالح، وزيرًا للمالية لتنفيذ تلك الخطط، قبل أن تنتهي هذه الحقبة من تاريخ تونس بفصل ابن صلاح وبدء تبني الدولة التونسية سياسات انفتاح اقتصادي، ويبدأ انسحاب الدولة من الاقتصاد مع كل ما حمله ذلك من تحول للاقتصاد التونسي، وفتح الباب لفسخ العقد الاجتماعي الضمني بين النظام والاتحاد التونسي العام للشغل.

ومع حدوث صدامات بين الطرفين، فإن الصدام الدموي تأخر حتى نهاية عقد السبعينيات بعد استشراء سياسات اللبرلة الاقتصادية والخصخصة، ففي عام 1978 قرر الاتحاد العام تنظيم أكبر إضراب عام في تاريخ تونس بعد الاستقلال بوصفه ردَ فعل لسياسات الدولة، التي أفقرت العمال واضطهدت تحركاتهم، بعد سلسلة من الاحتجاجات والأحداث السياسية، واستخدمت الدولة العنف في مواجهة الاتحاد  وأعلنت حالة الطوارئ، ونشر الجيش في البلاد، وقُتل في تلك الأحداث الدامية 300 تونسي، فيما بات يعرف باسم «الخميس الأسود».

قمع الاحتجاجات عام 1978

ورغم تمكن النظام من إنهاء تلك الأزمة لصالحه واعتقال قادة الاتحاد التونسي العام للشغل وإخماد الاحتجاجات، فإن أسباب الاحتجاج لدى الناس لم تنقطع، بل ازداد الأمر سوءًا في العقد التالي عقد الثمانينيات نتيجةً لقرارات الدولة برفع أسعار الخبز، فعمت احتجاجات دامية نهاية عام 1983 وبداية عام 1984 فيما عُرف بأحداث الخبز، عندما قررت الحكومة التونسية رفع سعر أسعار الحبوب ومشتقاتها ومنها سعر الخبز الذي تضاعفت قيمته، في إطار اتجاه الدولة لتحرير الاقتصاد أكثر.

اندلعت الاحتجاجات في المناطق الأكثر تهميشًا وفقرًا في تونس، وبينما اختارت قيادة الاتحاد العام تأييد قرار الحكومة، طالما شمل ذلك محاولة الحصول على أقصى قدر ممكن من الإعانات الحكومية للشرائح الأفقر، شاركت القواعد الأكثر جذرية من الاتحاد التونسي العام للشغل في الأحداث وكانت في قلبها.

ولم تنته الاحتجاجات إلا بإعلان بورقيبة التراجع عن قرار رفع الأسعار، وفي العام ذاته قرر الاتحاد التونسي العام للشغل فصل أعضاء يساريين منه لتنفيذهم إضرابات دون الرجوع للقيادة، وفي شهر مايو (أيار) من العام ذاته قرر رئيس الاتحاد الحبيب عاشور إلغاء إضراب عام كان من المقرر تنفيذه في ذلك الشهر، دون استشارة الجهات المعنية في الاتحاد، لتكون تلك علامة على بداية نهاية قيادة الاتحاد، وبعدها بعام ونتيجةً لضعف القيادة تمكنت الدولة من وضع الحبيب عاشور قيد الإقامة الجبرية في منزله.

أيدوه في الانتخابات.. الاتحاد في عهد بن علي

بعدها بعامين تولى بن علي السلطة بعد انقلاب ناعم على بورقيبة بذريعة عدم أهليته للحكم صحيًّا، وبات الإسلاميون خلال تلك الفترة هم الخطر الأكبر على النظام، وقد تنامت قوة الجيش عبر صعود بن علي – وهو أحد ضباطه – حتى أصبح كثير من الضباط خطرًا على حكم بن علي، فقرر أركان النظام والجهاز الأمني بالاتفاق مع بن علي ضرب الجيش والإسلاميين معًا – وفقًا للرواية السائدة – بتزييف محاولة انقلاب عام 1991 لنفي واعتقال المتهمين من حركة النهضة والجيش.

استطاع بن علي تحييد الضباط الكبار بإحالتهم للتقاعد وإجبارهم على مغادرة البلاد ليصبحوا سفراء، أما الاتحاد التونسي العام للشغل فقد كان خلال فترة بن علي تحت قدرة النظام على السيطرة طوال تلك الفترة وبعدها، واقتصر دوره على إجراء مفاوضات عن العمال في مسائل الأجور مع تخليه عن دوره السابق بوصفه مدافعًا شرسًا عن حقوق العمال في وجه السلطة، حتى إن الاتحاد العام تبنى ترشيح بن علي للانتخابات عام 2004، ولم يتخذ الاتحاد موقفًا نقديًّا واضحًا من سلطة بن علي حتى عام 2005 عندما انتقد علنًا دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي، إريائيل شارون، لتونس عام 2005 لحضور قمة عالمية لمجتمع المعلومات، بينما استمر نهج النظام التونسي في تحرير الاقتصاد.

ولم تحصل في تونس احتجاجات شعبية واسعة منذ أحداث الخبز في الثمانينيات – باستثناء احتجاجات بسيطة لطلبة الجامعات ولحركة النهضة – حتى عام 2008 الذي شهد ثورةً في الحوض المنجمي في قفصة احتجاجًا على تردي الأوضاع الاجتماعية، وفشل حملة التوظيف الحكومية في تلبية مطامح سكان المنطقة المنجمية الغنية بالفوسفات في قفصة، والتي لطالما اعتمد عليها الاقتصاد التونسي.

واتُّهم الاتحاد التونسي العام للشغل بالوقوف متفرجًا في تلك الأحداث بسبب عدم إعلان قيادة الاتحاد أي موقف مؤيد للاحتجاجات، مع أن قواعد الاتحاد شاركت في الاحتجاجات وعارضت مواقف القيادة، واستخدم النظام الجيش في النهاية لقمع الاحتجاج بالقوة مسقطًا ثلاثة قتلى من المحتجين، وتمكن من إخماد الاحتجاج بالقمع والاعتقالات، وبينما أيدت أحزاب معارضة مثل الحزب الشيوعي التونسي الاحتجاجات وغيره من منظمات المجتمع المدني امتنعت قيادة الاتحاد عن إصدار موقف صريح.

الثورة تشتعل.. القاعدة والقواعد في اتجاهين مختلفين

لم يختلف موقف قيادة الاتحاد من الثورة، فلم تتخذ القيادة أي موقف صريح وواضح من الثورة التونسية عندما انطلقت بشكلٍ عفويٍّ ودون تخطيط أو تنظيم مسبق في 17 ديسمبر (كانون الأول) عام 2010، إلا أن هياكل الاتحاد الذي يضم 500 ألف عنصر على الأقل في صفوفه، بما في ذلك فروعه المنتشرة في كل تونس وقواعده العمالية، قد لعبت دورًا أساسيًّا في الثورة وإنجاحها.

وحسب بحث لورنزو فلترن بعنوان «تونس: الاتحاد التونسي العام للشغل والعمال العفويون في انتفاضة تونس 2011» فإن المشاركة القاعدية للاتحاد ترجع أساسًا لكونه الاتحاد الوحيد المرخص له العمل في تونس، ولضمه لأعداد ضخمة من أعضاء التيارات المختلفة، وقد كان لكل ذلك أثر في المشاركة غير المركزية للاتحاد وبفاعلية في الثورة التونسية؛ إذ احتضنت مقرات الاتحاد المحتجين ومنها خرجت المظاهرات، وساهمت كوادر في الاتحاد بتوجيه الاحتجاجات وتسييسها، وإضافة عنصر الإضرابات إلى الاحتجاجات الشعبية.

استمرت قيادة الاتحاد بعدم المشاركة في الثورة – بخلاف قواعده – بأكثر من مطالبة النظام بتحرير السجناء، إلا أنه بعد أن هدد النظام المحتجين، واستخدم الرصاص الحي، اتخذ الاتحاد قرار المشاركة في الثورة وأصدر بيانًا بتاريخ 11 يناير (كانون الثاني) 2011 يدين فيه استخدام الرصاص الحي ضد المحتجين ومحاصرة منطقة القصرين وغيرها، وسحب الجيش من الشوارع، كما منح الاتحاد الحق للقيادات الجهوية في كل منطقة الحرية في إعلان الإضرابات الجهوية والإقطاعية، وقد أعلن فعلًا إضرابًا عامًّا في صفاقس في اليوم التالي مباشرة، وقبل يومين فقط من سقوط بن علي، وتبعه إعلان إضراب عام في كل تونس من قِبل الاتحاد لمدة ساعتين في اليوم نفسه 12 يناير من عام 2011.

الاتحاد العام التونسي للشغل.. أكثر من مجرد نقابة

أصبحت قيادة الاتحاد التونسي العام للشغل فاعلة أكثر في مناوأة السلطة بعد الثورة، وقادت حركات احتجاج ضد حكومة حركة النهضة منذ استلامها للسلطة، واشتركت فيها بقوة، خصوصًا باعتبار خلافاتهم السياسية والأيدولوجية مع الإسلاميين الذين نجحوا في الفوز بالانتخابات بعد الثورة.

وكان أول اختبار حقيقي هو الإضراب العام الذي دعا إليه الاتحاد العام للشغل في نهاية عام 2012 بعد إضرابات جهوية نفذتها فروع الاتحاد في عدة مناطق تونسية منها سيدي بو زيد – التي انطلقت منها شرارة الثورة – والقصرين وقفصة وصفاقس، ليزيد الاحتقان في البلاد بسبب المواجهة السياسية وينتج من ذلك اشتباكات بين مناصري النهضة وأعضاء الاتحاد.

أعلن الاتحاد العام للشغل الإضراب العام في يوم 13 ديسمبر (كانون الأول) 2012 وهو الإضراب العام الثالث الذي دعا إليه الاتحاد العام للشغل في تاريخه بعد إضرابات عام 1978 والثاني الذي دعا إليه قبل يومين من سقوط بن علي، وقد حذرت الحكومة حينها الاتحاد العام من المضي في الإضراب لما سيكون له من أثر سلبي على الدولة، وقد أعلن الاتحاد التراجع عن القرار فعلًا قبل ساعات من موعده.

وتكررت الاشتباكات بين كوادر الاتحاد وكوادر حزب النهضة وتعمقت الخلافات على وقع الأحداث السياسية، وقد حمل الاتحاد النهضةَ مسؤولية الفشل السياسي والاقتصادي والأمني في البلاد، خصوصًا مع حوادث أمنية حصلت في تونس مثل اغتيال ناشطين يساريين، هما شكري بلعيد الذي اغتيل عام 2013، ومحمد براهمي، في العام ذاته خلال فترة حكم حركة النهضة التونسية.

وقد نظم الاتحاد التونسي العام للشغل إضرابين عامين خلال 2013 تنديدًا باغتيالهما، ولم تسفر التحقيقات حتى اللحظة عن كشف هوية القتلة، فيما يتهم اليساريون الإسلاميين بالمسؤولية بشكل مباشر أو غير مباشر عن مقتلهما، وتسببت تلك الأزمة في تخلي حركة النهضة في النهاية عن رئاسة الحكومة في 2014 وبدء الإعداد للانتخابات النيابية والرئاسية في العام نفسه.

وقد كان للاتحاد العام دور مهم في رعاية الحوار الوطني على إثر هذه الأزمة، بحيث أصبح للاتحاد العام بعد الثورة دور سياسي واضح – وإن لم يشارك بالفعل في السلطة – ومواقف من الأطراف الفاعلة في السياسة التونسي سواءً أكانت في السلطة أم في المعارضة، ما جعل الاتحاد أكثر من نقابة عمالية تدافع عن حقوق العمال في تونس عمومًا وأقرب لحزب سياسي.

تبدَّلت المعادلة بعد الانتخابات التشريعية والرئاسية في 2014؛ إذ تراجع حزب النهضة ليصبح ثاني أكبر حزب يحصل على مقاعد في المجلس التشريعي بعد حزب نداء تونس، كما فاز رئيس حزب نداء تونس، باجي قايد السبسي، بانتخابات رئاسة الجمهورية، ليصبح الإسلاميون في المعارضة، إلا أن حركة النهضة تمكنت من خلق ائتلاف حكومي مع حزب نداء تونس لتشكيل الحكومة برئاسة الحبيب الصيد، الذي رشحه باجي قايد السبسي، وبعد مداولات وتغيير في التشكيل الحكومي أُعطيت الثقة لحكومة الحبيب الصيد بائتلاف حكومي ضم نداء تونس والنهضة.

لكن مبادرة من باجي قايد السبسي بتشكيل حكومة وحدة وطنية إثر الأزمات الاقتصادية في البلاد، أدت إلى سحب الائتلاف الحكومي الثقة من الحبيب الصيد في العام التالي لتوليه الحكومة، وقد أطلق الرئيس السبسي حوارًا وطنيًّا ضم الأحزاب الكبرى ومنظمات، بينها الاتحاد العام للشغل، للتشاور بشأن تشكيل حكومة وحدة وطنية أدت لتكليف يوسف الشاهد في عام 2016 بتوليها.

أصدر الاتحاد التونسي العام للشغل بيانًا منذ الأيام الأولى لتولي الشاهد رئاسة الحكومة ليقول إنه يتابع عمل الحكومة وينتظر منها الالتزام بما تم الاتفاق عليه بين الأطراف السياسية الكبرى والمنظمات المشاركة في مشاورات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، ما بدا أنه بداية صدام بين الاتحاد والحكومة التي أعلنت نيتها اتباع سياسات تقشف لا يمكن تجنبها في خطاب تولي الحكومة.

ونتج من هذه السياسة مقترح الحكومة لتأجيل رفع أجور العاملين المقرر في عام 2017 لعام 2019، لتبدأ أولى الأزمات بين الحكومة والاتحاد العام للشغل الذي رفض مقترح الحكومة بشكل مطلق، ورغم رفضه للمقترح فإن ميزانية عام 2017 الحكومية تضمنت تأجيل الزيادة في الأجور، فأصدر الاتحاد بيانًا منددًا بميزانية الحكومة وقراراتها، معتبرًا أن الحكومة خاضعة في ذلك للإملاءات الخارجية – في إشارة إلى صندوق النقد – محملًا الحكومة مسؤولية زعزعة الاستقرار الاجتماعي وداعيًا العمال للتجهز للدفاع عن حقوقهم.

وقد شهد عام 2017 مواجهات كثيرة بين الاتحاد والحكومة استدعت تدخل رئاسة الجمهورية لتخفيف التوتر، كان أبرزها رفض الاتحاد تعيين رجل الأعمال، خليل الغرياني، وزيرًا في الحكومة، وفي عام 2018 خرجت إلى العلن أزمة بين رئيس الجمهورية ونجله وبين رئيس الحكومة يوسف الشاهد، ممهدة بذلك لانشقاقه عن نداء تونس ليطالبه رئيس الجمهورية بالاستقالة من منصبه ويرفض الشاهد ذلك، لتبدأ أزمة سياسية جديدة عنوانها الحكومة، فبينما رفض حزب رئيس الجمهورية «نداء تونس» استمرار الحكومة حافظت حركة النهضة على دعمها له داعية لإبقاء الحكومة حتى موعد الانتخابات الرئاسية عام 2019 للمحافظة على الاستقرار الحكومي.

مواقع صديقة

منذ 4 شهور
«ميدل إيست آي»: خطة انقلاب قيس سعيد الدستوري مسربة منذ شهرين.. وهذه تفاصيلها

واصطف الاتحاد التونسي العام للشغل حينها ضد رئيس الحكومة مطالبًا بإسقاطها لتدهور الوضع الاقتصادي في البلاد، واستمرت الحكومة بدعم حركة النهضة وقرر الاتحاد العام تنفيذ إضراب عام في البلاد في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2018 احتجاجًا على رفض الحكومة مطالب رفع أجور الموظفين، ليشل الإضراب البلاد وسط أزمة اقتصادية وسياسية خانقة ومحاولة للضغط في مفاوضات مع الحكومة لقبول رفع الأجور، واستمرت المفاوضات دون جدوى ليعود الاتحاد التونسي العام للشغل للدعوة لإضراب آخر عام 2019، حتى اضطرت الحكومة لرفع الحد الأدنى للأجور في شهر مايو (أيار) من العام ذاته لامتصاص الغضب الشعبي.

عقدت الانتخابات في تونس عام 2019، وفاز فيها رئيس الجمهورية الحالي، قيس سعيد، وحصلت حركة النهضة على أكبر عدد مقاعد في البرلمان التونسي، مع استمرار الأزمة الاقتصادية في تونس، ولتزيد الجائحة من سوئها في بداية عام 2020 وتستمر حتى عام 2021، ولتشهد تونس خلال فترة قيس سعيد احتجاجات جهوية وأخرى قطاعية تعمق الأزمة الاقتصادية، وتبدأ معها فصلًا جديدًا من فصول الأزمة السياسية بقرارات رئيس الجمهورية الاستثنائية المتزامنة مع احتجاجات عنيفة مطالبة بإسقاط الحكومة والبرلمان.

فقد قرر رئيس الجمهورية التونسية، قيس سعيد، تجميد عمل البرلمان وإقالة الحكومة ليتولى رئيس الجمهورية السلطة التنفيذية بنفسه، ولم يكن الاتحاد التونسي العام للشغل للشغل ببعيد عن الأحداث، فبينما رفضت الأحزاب التونسية قرارات رئيس الجمهورية لم يُدِن الاتحاد قرارات الرئيس أو يؤيده بشكل صريح، وإنما طالب الاتحاد العام بضرورة الإسراع في تشكيل حكومة لمواجهة المخاطر الاقتصادية في البلاد، وقد أعلن الاتحاد التونسي العام للشغل العمل على خارطة طريق للخروج من الأزمة، مع اشتراطه تشكيل حكومة في أسرع وقت للمصادقة على خارطة الطريق ونشرها.

فصول الأزمة الحالية في تونس لم تُكتب بعد، ولم يتضح إلى أين ستصل تونس بعد قرارات قيس سعيد، وإن كانت ستحافظ على طبيعتها الديمقراطية بعد الثورة أم لا، لكن دورًا مرتقبًا بالطبع سيلعبه الاتحاد، فهل سنجد الاتحاد يلعب دورًا أشبه بذلك الدور الهادئ الذي لعبه في عهد بن علي؟ أم سيكون جزءًا من النظام كما في عهد بورقيبة؟ أم سيكون معارضًا شرسًا كما كان في عهد النهضة؟

المصادر

تحميل المزيد