تحوم حول العلم التركي الكثير من الأساطير التاريخية بداية من لونه وحتى رمزي الهلال والنجمة.

هل سألت نفسك من قبل كيف تختار الدول شكل أعلامها؟ وما هي الدلالات والرموز التي تحملها تلك الأعلام، ولماذا يقع الاختيار على لون بعينه دون آخر؟

الحقيقة أن هذه قصة قد يطول شرحها قليلًا ولها تاريخ طويل؛ فمسألة ألوان الأعلام على سبيل المثال بدأت في الإمبراطورية الإسلامية منذ عهد الدولة الأموية التي كانت ترفع العلم الأبيض لتأتي بعدها الدولة العباسية وترفع الرايات السوداء، ثم تُقام أركان الدولة الفاطمية وترفع علمها الأخضر.

وحتى عصرنا هذا تحمل ألوان الأعلام وأشكالها دلالات عدة إذ يختصر علم البلد تاريخها ونضالها وصراعاتها التي انتصرت فيها تارة وانهزمت فيها تارة أخرى؛ فالعلم التركي على سبيل المثال بلونه الأحمر، وهلاله، ونجمته، له تاريخ طويل سنحكيه لكم في هذا التقرير:

العلم العثماني.. تاريخ من الألوان المختلفة

في كتابه «تاريخ العلم العثماني» ذكر الأديب المصري أحمد تيمور أن العثمانيين اتخذوا في بداية دولتهم العلم الأبيض، ثم غيروه بالأخضر، ومن بعده اللون الأحمر، وهو الباقي حتى يومنا هذا.

بالنسبة للعلم الأبيض فلم يبتدعه العثمانيون، لكن كان علمًا منحه السلطان علاء الدين، آخر سلاطين السلاجقة، للأمير عثمان الأول، فلمّا استقل جعله علم مملكته، ولم يغيره، واستعمله من بعده السلطان أورخان.

حين وصل السلطان مراد الأول إلى سدة الحكم غيّر العلم إلى اللون الأخضر وكان يتوسطه ثلاثة أهلّة بيضاء، ثم بعد ذلك جعله السلطان محمد أحمر اللون ذا دائرة خضراء في وسطه. ويقول تيمور: إن المؤرخين لم يحددوا على وجه الدقة من هو محمد صاحب هذا التغيير، فهو إما محمد الأول الملقب بجلبي، أو محمد الثاني المعروف بالفاتح.

العلم التركي

وفي كتابه «الشارات في الشرق»، المكتوب بالفرنسية، ذكر المؤرخ يعقوب أرتين باشا أن العلم العثماني وقت فتح القسطنطينية كان أخضر اللون، ومطرزًا بالحديث الشريف «لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش»؛ وهو الأمر الذي يعني أن محمد الفاتح هو الذي غير لون العلم بعد الفتح ليجعله أحمر وفي وسطه دائرة خضراء بيضية، في وسطها ثلاثة أهلة مذهبة التطريز، وفيما بعد سيتغير شكل هذا العلم مرة أخرى.

أعلام الدولة العثمانية الأخرى

كان للدولة العثمانية أعلام أخرى غير العلم السلطاني خصوا بها الوزراء وفرق الجنود؛ فكان لذوي لقب باشا العلم الأبيض قبل أن يغيروه ليصبح أخضر مذهب الأطراف، وفي وسطه شقة خضراء مستطيلة مذهبة الأطراف أيضًا، مرقومة الوسط بآية قرانية أو كلمة التوحيد.

وكان لفرقة الفرسان علم نصفه الأعلى أخضر، والأسفل أحمر محاط بأربعة أهلة مذهبة، مصور عليه سيف مذهب يشبه سيف ذي الفقار.

الأعلام الحربية العثمانية.

أما المدفعية فكان علمهم أحمر مذهب الأطراف بوسطه مدفع قد وضعت كرة أمام فمه وثلاث خلفه، وبالنسبة للإنكشاريين فقد كان علمهم يجمع اللونين الأخضر والأحمر، مذهب الأطراف، وفي وسطه صورة مذهبة لسيف ذي الفقار، وكان بدون أهلة.

أمًّا السلاحدارية، فكان علمهم أصفر مصمتًا، والفرسان المتطوعون كان علمهم نصفه الأعلى أصفر، والآخر أحمر.

عودة للعلم السلطاني الأحمر

في عام 1844 أضيفت النجمة الثمانية والهلال الأبيضان على العلم الأحمر للإمبراطورية العثمانية، قبل اعتماد التصميم الحالي للعلم التركي في عام 1936، بعد تحويل النجمة الثمانية إلى أخرى خماسية.

وبشكل رسمي وضعت معايير ومبادئ قانون العلم التركي الحالي في 22 سبتمبر (أيلول) من عام 1983، وقد حددت تلك المعايير النسب الدقيقة لموقع النجمة من الهلال كما وضحت القماش والمواد المستخدمة في صنع العلم، وبالنسبة للمبادئ فعلى سبيل المثال يجب أن يُرفع العلم التركي في جميع الأعياد الوطنية والعطلات الرسمية من بداية اليوم وحتى غروب الشمس، ويُنكس العلم التركي يوم 10 نوفمبر (تشرين الثاني) الموافق لذكرى وفاة مؤسس الدولة التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتروك في عام 1938، وبخلاف الكثير من دول العالم التي تغير شكل أعلامها على مدار التاريخ مثل: مصر، وليبيا، والأردن، لم يحدث أي تغيير في العلم التركي حتى بعد انتهاء دولة الخلافة وتحول الإمبراطورية العثمانية إلى جمهورية تركيا.

الأساطير التاريخية المرتبطة بالعلم التركي

تحوم حول العلم التركي الكثير من الأساطير التاريخية، بداية من لونه وحتى رمزي الهلال والنجمة؛ ففي الوقت الذي يسود فيه الاعتقاد بأن الهلال والنجمة يحملان دلالة دينية إسلامية، إلا أن الأمر قد يكون أبعد من ذلك بكثير، فأيقونة الهلال والنجمة كانت موجودة قبل ظهور الإسلام خلال القرنين الرابع والأول قبل الميلاد، وقد استخدمها شعب سيبيريا وآسيا الوسطى، وكذلك مدينة بيزنطة، والمملكة البوسفورية؛ ففي هذا العهد القديم عُبدت آلهة مرتبطة بالشمس، والقمر، والسماء، وقد مثلت الهلال والنجمة تلك الآلهة.

وهناك أسطورة أخرى تقول: الهلال والنجمة الموجودان في العلم التركي يرمزان إلى الإلهة ديانا: إلهة الصيد، والحيوانات البرية والأليفة، وإلهة الخصوبة التي تساعد النساء على الحمل والولادة، وتضيف الأسطورة أن الإمبراطور قسطنطين حين أطلق اسم القسطنطينية على مدينة بيزنطة عام 330 اختار وضع الهلال فوق النجم الذي كان يجسد السيدة مريم العذراء تكريمًا للإلهة ديانا.

أما الأسطورة الثالثة المرتبطة بالعلم التركي فهي متعلقة بحلم السلطان العثماني؛ إذ يُحكى أن السلطان العثماني الأول عثمان الأول أراد أن يتزوج من ابنة قاضي المحكمة الشرعية، وفي إحدى الليالي رأى حلمًا: إذ شاهد القمر والنجم يخرجان من صدر القاضي، ثم يأتيان إلى صدره لتنبثق بعدها شجرة هائلة تغطي فروعها كل بلاد العالم، وأعلى الشجرة كان يوجد الهلال، وحين دخل محمد الفاتح القسطنطينية اختار لإمبراطوريته رمز الهلال والنجمة لأنهما فأل خير.

وللكاتب أحمد تيمور رأي مختلف فيما يخص هلال العلم التركي؛ إذ يقول في كتابه: إن هذا الهلال قد يكون مقتبسًا من الروم؛ لأنه كان شعار مملكتهم الشرقية؛ إذ يروى أنه وفي قديم الزمان عند البيزنطيين، وقبل تكوين مملكة الروم الشرقية حاصر فيليب المقدوني والد الإسكندر بيزنطة في ليلة حالكة السواد، وفجأة ظهر الهلال في الأفق وقت السحر، وقيل إن القمر هو ما ظهر حينها من وراء السحاب، ولكن لم يظهر سوى طرفه، فبدا كالهلال، ومن حينها تيمن به المرابطون خارج المدينة، وجعلوه شعارهم، وفيما بعد صوروه على أبنيتهم ونقودهم، وحين فُتحت بيزنطة وأضحت قاعدة للملكة الشرقية بقي هذا شعارها، ثم لما فتحها العثمانيون وجدوا هذا الشعار في كل مكان؛ فراقت لهم صورته واتخذوه شعارًا لهم.

وبعيدًا عن الأساطير التركية يحمل رمز الهلال والنجمة دلالة إسلامية في أعلام الدولة العربية؛ فالنجمة السباعية في علم الأردن على سبيل المثال تشير إلى فاتحة الكتاب وآياتها السبع، أما النجمة الخماسية في علم المغرب فهي ترمز إلى أركان الإسلام الخمس، وبالنسبة لعلم الجزائر، وليبيا، وتونس، فقد جاءت أشكالها الحالية تأثرًا بعلم الدولة العثمانية، وقد ظهرت أيقونة الهلال والنجمة في بعض أعلام الدول الأخرى مثل جزر القمر، وباكستان، وتركمنستان، وأذربيجان.

أسطورة الشكل الحالي للعلم التركي

في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1444 توغل السلطان العثماني مراد الثاني في بلاد البلقان، وفي المقابل اتحدت كل من ألمانيا، وفرنسا، والمجر، وبولونيا، والبندقية، وبيزنطة، والبابوية، وبرغونديا، ليشكلوا معًا تحالفًا ضد الدولة العثمانية، التي كانت تعد من أشرس الحروب، إلى الدرجة التي اضطر معها مماليك مصر والشام إلى إرسال القوات من أجل مساعدة الدولة العثمانية، وقد نجج السلطان مراد الثاني بالفعل في صد هجوم الحملة.

تاريخ

منذ شهر
تغير 5 مرات في 60 عامًا.. تاريخ علم مصر منذ الفراعنة

لكن الأمر لم ينته عند هذا الحد؛ فخلال عام 1448 تشكل تحالف للانتقام من الدولة العثمانية وكان جيش الصليبيين يتألف من 100 ألف جندي وصلوا جميعهم إلى منطقة كوسوفو، وهناك التقى الجمعان في أكتوبر، واستمر القتال لمدة ثلاثة أيام، وبالرغم من أن الدولة العثمانية انتصرت في معركة كوسوفو الثانية، إلا أن عدد القتلى كان كبيرًا للغاية؛ إذ فاق الـ4 آلاف قتيل.

من وحي هذه المعركة ظهرت أسطورة الشكل الحالي للعلم التركي؛ إذ يُقال إن السلطان مراد الثاني رأى انعكاس القمر والنجم في برك دماء المعركة؛ فاختار الشكل الحالي علمًا للإمبراطورية، وتلك الرموز شعارًا لها؛ وذلك حتى يتذكر دائمًا الجنود الذين فقدوا حياتهم فداء لوطنهم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد