على مر التاريخ، كانت الأوبئة والأمراض المستعصية تنتقل من مكانٍ إلى آخر عن طريق حركة التجارة، وكان يمكن رصد حركة مرور وباء مثل «الطاعون» من ميناء إلى آخر عبر السفن، حتى أن كل ميناء كان يتبعه منطقة حجرٍ صحي يجري فيها عزل السفن القادمة من البلدان البعيدة مدة 40 يومًا؛ للتأكدِ من سلامة طواقمها قبل دخولهم البلاد؛ لكن على الجانب الآخر تدخلت أحيانًا اليد البشرية والحيل العقلية بغرض نشر الأمراض والأوبئة في مناطق محددة، بما يخدم مصالح بعض الدول في الحروب، وقد عرف الإنسان تلك الحيل في حروبه منذ القدم.

كان القدماء يلقون بجثث حيواناتهم النافقة في ينابيع المياه التابعة لقوات العدو من أجل إضعافهم بالمرض؛ كما كانوا يغرسون سنون الرماح في دماء الجثث المتفسخة قبل إطلاقها؛ لتصيب الطرف الآخر بالغرغرينا. لكن تعد الحيل الأكثر قسوة وعنفًا في التاريخ هي تلك التي استخدمت فيها «الأوبئة» القاتلة لإسقاط المدن والاغتيال السياسي.

عندما استخدم المغول «جثث موتاهم» لكسبِ الحرب

بين عامي 1348 – 1350، ضرب «الطاعون» أوروبا في واحدة من أسوأ جوائح تفشيه؛ إذ فقدت القارة الأوروبية على إثره أكثر من ثلث عدد سكانها وهو ما قدر بـ35 مليون نسمة، سقط معظمهم خلال سنتين فقط، وقضت القارة مدة قرن ونصف بعدها بلا تزايد في أعداد السكان. تلك هي الجائحة التي نعرفها جميعًا ونعرف مآسيها من كتب التاريخ؛ إلا أننا رغم ذلك لا نعرف الكثير عن منشأ المرض.

عامين كاملين انتقل فيهم الطاعون بين القوافل التجارية وسفن الحجاج والدبلوماسيين، غازيًا أراضي جديدة، وحاصدًا للأرواح من صقلية إلى الإسكندرية ومن جنوة إلى موانى مارسيليا. كان الخراب الذي خلفه «الموت الأسود» من الغرب إلى الشرق رهيبًا، حتى أن عربات الباعة الجائلين قد تحولت بعده إلى حاملات للجثث؛ وبدلًا من النداء على أصناف الطعام، نادى الجوالة: «أخرجوا الموتى».

حينذاك استبدل الخوف بأمان العيش حتى تهجم الناس على المرضى والمحتضرين المتناثرين في الشوارع خوفًا من العدوى، وعزلت أسر كاملة في منازلها ومنعوا حتى من ممارسة التسوق البسيط. وهذا مجرد جانب بسيط من الدمار الاقتصادي والاجتماعي الذي خلفه الوباء.

وعلى الرغم من أن القارة الأوروبية كانت هي الأكثر تضررًا من تلك الجائحة؛ إلا أنها لم تكن منشأ «الطاعون»؛ إذ أتى «الموت الأسود» من بلاد بعيدة ومعزولة في أواسط آسيا وانتشر في الصين والهند بحسب جوزيف بيرن وكتابه «الموت الأسود»؛ وانتشر في الشرق وأوروبا من خلال حادثة أشار إليها المؤرخين باسم «حادثة كافا».

(إمبراطورية المغول)

كانت مدينة كافا الساحلية الواقعة في شبه جزيرة القرم، تحت الحصار المغولي بقيادة جاني بيج عام 1347، وذلك إبان الغزو المغولي لروسيا، وقد كان جنود القائد العسكري يعانون من حالة مرض شديدة وقد فتك بهم وباء الطاعون، فأخذوا يتساقطون صرعى. كان بيج حينذاك داهية عسكرية؛ استطاع أن يحول فتك المرض بجنوده وهو ما ينبئ بالهزيمة إلى وسيلة لإسقاط المدينة المنيعة.

سياسة

منذ سنتين
تيمور لنك.. القائد المغولي المسلم الذي أرعب العالم نصف قرن

أمر جاني بيج جنوده الأصحاء بقذف جثث زملائهم من موتى الطاعون بالمنجنيق من فوق أسوار المدينة؛ فوجد أهالى المدينة الساحلية جثثًا تلقى فوق رؤوسهم مما أثار الذعر والهلع بينهم؛ حينها هرب تجار جنوة من الميناء الساحلي عائدين إلى بلدانهم ومعهم هرب الكثير من سكان المدينة؛ وفي سفن العودة حملوا معهم «الطاعون» دون أن يدركوا ذلك إلى سواحل جنوة الإيطالية، ومنها انتقل إلى البندقية ومن ثم جنوب أوروبا؛ ليفتك المرض بقارة كاملة، هذا فضلًا عن وصوله إلى القسطنطينية وبلاد الشرق عام 1346، عبر طريق الحرير التجاري القديم الذي كان يربط الصين بتركيا وغيرها من المواقع. في النهاية سقطت مدينة كافا الساحلية، ونجحت حيلة جاني بيج، لتصبح واحدة من أوائل تجارب «الحرب البيولوجية» البدائية.

«هدايا» بريطانيا لرؤساء قبائل الهنود الحمر

على الرغم من كثرة الطرق الوحشية التي تعامل بها مستعمرو أمريكا الشمالية مع السكان الأصليين «الهنود الحمر»؛ إلا أن واحدة من أقساها كان استخدام وباء «الجدري» سلاحًا بيولوجيًّا. وليس المقصود هنا حادثة انتشار تلك الجائحة بين الهنود الحمر بعد وصول مستكشفي العالم الجديد بأمراضهم الجديدة تمامًا على مجتمع السكان الأصليين الذين كانوا حتى ذلك الوقت معزولين عن العالم، ولم تختبر مناعتهم مسببات تلك الأمراض مثل: «الجدري والزهري وغيرهم»، لكن المقصود هو استخدام المرض سلاحًا بهدف إضعاف الهنود الحمر عام 1763.

في ذلك العام كانت الحرب الفرنسية الهندية -وهي حرب سنوات سبع بين فرنسا وبريطانيا بهدف السيطرة على المستعمرات- قد انتهت بانتصار بريطاني، شعر خلاله البريطانيون بسيطرتهم وتفوقهم، إلا أن انتفاضة قبائل الهنود الحمر ضد الوجود البريطاني حال دون فرحتهم؛ إذ حاصر السكان الأصليون مجموعة من الحصونِ والمستعمرات البريطانية، كان من بينهم حصن فورت بيت الذي وقع تحت طائلة «الجدري».

(مفاوضات هنري بوكيت مع الهنود الحمر)

ذكرت محاولة استخدام الجدري لأول مرة خلال الحرب باعتباره سلاحًا من قبل مؤرخ القرن التاسع عشر، فرانسيس باركمان؛ إذ ناقش مراسلات السير جيفري أمهيرست، قائد القوات البريطانية مع العقيد الفرنسي، هنري بوكيت، والتي ورد فيها على لسان أمهيرست: «أليس هناك من طريقة نرسل بها الجدري إلى قبائل الهنود الساخطة»، حينذاك استجاب بوكيت لاقتراح أمهرست ووعد بتنفيذه.

عن ذلك يقول الكاتب المصري أحمد خالد توفيق، في كتابه «مقالات عن العلم وشبه العلم» أن أمهيرست كان يمقت الهنود، ويراهم دون البشر، على عكس نظرته للفرنسيين الذين اعتبرهم عدوًا جديرًا بالاحترام. وهنا أمر الجنرال بوكيت بأن يرسل هداياه الثمينة إلى رؤساء القبائل الهندية مع مبعوثي السكان الأصليين أثناء المفاوضات على حصن فورت بيت، والتي كان من بينها شراشف وبطاطين مشبعة بفيروس «الجدري» جلبت خصيصًا من مستشفى الحصن الموبوء لـ«استئصال هذا الجنس اللعين»، بحسب الوثائق البريطانية، ففتك الوباء بالآلاف منهم، وحصد الموت أرواحهم.

حين أطلق اليابانيون «قنابل براغيث الأوبئة» على الصين

إبان الحرب العالمية الثانية، تحديدًا بين عامي (1940-1942)، ارتكبت اليابان واحدة من أفظع جرائم الحرب، وذلك عندما استخدمت الطاعون والكوليرا أسلحةً يمكنهم من خلالها كسب الحرب، وقد جرى تجربتها على الصينيين. حينذاك كان الجيش الإمبراطوري الياباني يعمل على برنامج سري للأسلحة البيولوجية، عرف في التاريخ باسم «الوحدة 731» والتي كانت تابعة لإشراف الطبيب شيرو إيشي، وقد كانت أبحاث الوحدة تتضمن عدة أمراض فتاكة منها الطاعون والكوليرا والتيفود والجمرة الخبيثة؛ إلا أنها ظهرت تحت مظلة وحدة تابعة للصليب الأحمر هدفها الوقاية من الأوبئة.

(الوحدة 731)

كانت البكتيريا والفيروسات المميتة في البدء موضوعًا للتجارب على السجناء من الأسرى الصينيين، حتى أنهم حقنوا النساء منهم بمرض الزهري، إلا أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد؛ إذ سعت اليابان للسيطرة على جيرانها الصينيين بطرقٍ سرية مبتكرة لم يكتشفها العالم إلا بعد انتهاء الحرب.

في ذلك الوقت، كانت اليابان قد تمكنت من صنع نماذج مختلفة من «القنابل البكتيرية»، وفوق سماء المدن الصينية حلقت الطائرات اليابانية على مستوى منخفض، أطلقت قنابل من البراغيث المصابة بمرضِ الطاعون على المدنيين في أكياسٍ من الأرز والقمح، كانت الواحدة منهن تحمل ما يزيد عن 15 مليون برغوث؛ فانتشرت بعدها الأمراض الغامضة والخراب بالمدن الصينية، وقد هلك خلال ذلك كثيرون.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
هكذا استُخدم «الكريستال ميث» في الحرب العالمية الثانية

عندما استسلمت اليابان في نهاية «الحرب العالمية الثانية»، أغسطس (آب) 1945، فجر المسؤولون عن «الوحدة 731» مبانيهم ووثائقهم، في حين حقنوا مساجين التجارب بحمضٍ قاتل وأحرقوا جثثهم، في عملية استغرقت حوالي 31 ساعة لمحو آثارهم، وقد استولت الولايات المتحدة الأمريكية في النهاية على ما تبقى من وثائق وشرائح مجهرية لمختلف التجارب البيولوجية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد