في بعض البلدان العربية يُطلق عليها «خنفساء»، وتعتبر في العديد من مناطق العالم «سيارة الهيبيز»، ولكن في ألمانيا موطن ولادة «فولكس فاجن»، اسمها الرسمي «سيارة الشعب»؛ ولا زالت تحمل هذا الاسم بعدما بلغت من العمر 82 عامًا، في نهاية الشهر الماضي مايو (أيار). أما إذا كنت قد زرت بعض بلدان العالم الثالث؛ فستجد شاحنة صغيرة منها منتشرة في وسائل المواصلات التي لا تستغني عنها شعوب تلك البلاد.

صُنعت تلك السيارة لكسب حب الشعب، الأمر الذي أدى بشكل غير مباشر في ما بعد للحرب العالمية، وفي السبعينات كانت صديقة «الهيبيز» في الدول الأوروبية خلال رحلاتهم؛ فهي جميلة، وقوية ورخيصة الثمن، تعتبر «فولكس فاجن» ثاني أكبر شركة صانعة للسيارات بعد «تويوتا»، ويصل عدد العاملين بها إلى ما يزيد على نصف مليون عامل؛ ينتجون يوميًّا ما يزيد على 40 ألف سيارة. فإذا كنت تحلم باقتناء واحدة منها؛ تعرف إلى تاريخها في هذا التقرير.

لماذا تقود بعض البلدان سياراتها من جهة يسار الطريق؟

سيارة للجيش أم للشعب؟

سعت ألمانيا قبل ثلاثينات القرن العشرين لاختراع سيارة يكون ثمنها في متناول المواطن العادي، وكانت هناك الكثير من الجهود لتحقيق ذلك على أرض الواقع، ولكن كل محاولة كان ينتهي بها الأمر بأن تكلفة السيارة تفرض ثمنها العالي، والذي قد يصل إلى أجر سنوي كامل للعامل العادي.

ولكن في عام 1933، التقى أدولف هتلر مع صانع السيارات النمساوي الشهير فرديناند بورش لمناقشة تصميم «سيارة الشعب» وتنفيذها؛ وكانت رؤية هتلر عن السيارة أن تتحمل خمسة أفراد، وتكلف ألف مارك فقط، وتحمس فرديناند للفكرة، وفي خلال عامين أنتجت أول ثلاث سيارات «فولكس فاجن» تجريبية في العالم، حتى عام 1937 حينما ظهرت سيارة الشعب كما نعرفها الآن؛ والفضل يعود لتعاون هتلر وفرديناند، والذي قال عنهم أستاذ التاريخ بجامعة شتوتجارت: «لقد خُلق هذان الرجلان لبعضهما البعض».

هتلر داخل سيارة فولكس فاجن. مصدر الصورة «dw»

وهذا لأن هتلر كان في حاجة ماسة لعقل مُبدع يساعده في إنتاج سيارته التي كان يهدف لإنتاجها بالجُملة، وكان فرديناند في حاجة إلى دعم سياسي يمكنه من ممارسة أفكاره الإبداعية في مجال السيارات دون ضغوط مالية. وفي عام 1933 بمعرض السيارات بألمانيا، وبعد تعيينه في منصب مستشار الرايخ الألماني؛ أعلن هتلر عن مشروعه «سيارة الشعب» تحت شعار «القوة من خلال المتعة»، وهو الشعار نفسه الذي صدرته منظمة النازية للأنشطة الترفيهية.

ولكن ما لا لم يعرفه الشعب الألماني وقتها عن السيارة التي ظن أن صُنعت من أجله؛ أنها كانت في الأساس مُخصصة للجيش الألماني وليس لقيادة الشعب، واستخدمت للكثير من الأغراض العسكرية، وكان أحد شروط تأسيس السيارة التي وضعها بورش وهتلر كما ذُكر في الكتيب الخاص بها: «يجب أن تكون السيارة مناسبة لأغراض النقل وأغراض عسكرية معينة».

من رمز للنازية للـ«خنفساء»

أما الشعب لم يجد الوقت الكافي ليستفيد من «سيارة الشعب»، وقبل أن يُنتج منها كميات تسمح للشعب بامتلاكها، وقبل أن يستقر المصنع الموكل بتصنيعها؛ اندلعت الحرب العالمية الثانية، ولم تكن تلك السيارة في متناول يد الشعب إلا بعد انتهاء الحرب، حينما بدأت الشركة تجديد الدعايات الخاصة بها، والتي ارتبطت في الأذهان وقتها بالنازية، واطلقوا عليها اسم «بيتل» أو «الخنفساء»، وهو الاسم الذي استطاع أن يمحي هذا التاريخ بالفعل واستقر في أذهان العالم حتى الآن.

وبنهاية الحرب كان مصنع «فولكس فاجن» مهدمًا وأقرب إلى الخراب، ولذلك أُعيد بناؤه تحت إشراف بريطاني، ووقتها بدأ الإنتاج الضخم الحقيقي للسيارة في عام 1946، وبعد مرور ثلاثة أعوام سيطرت حكومة ألمانيا الغربية على الشركة بالتعاون مع ولاية ساكسونيا السفلى.

وخلال هذا الوقت، شكّلت سيارات «فولكس فاجن» نصف السيارات المملوكة في ألمانيا. وخلال فترة الخمسينات توسع إنتاج السيارة، وعلى الرغم من عدم الإقبال الذي لاقته في الولايات المتحدة الأمريكية؛ إلا أن منتصف الخمسينات شهد بناء أول مصنع «فولكس فاجن» في أمريكا، ولكنهم اعتمدوا على اسم «بيتلز» للترويج لها؛ بغرض إزالة الصورة الذهنية لدى الناس عن السيارة والمرتبطة بالنازية.

سيارة «الهيبيز» الأولى

إنها رخيصة، وسهلة الصيانة، ويمكنها احتواء أعداد كبيرة، ولو استخدمها عدد صغير فهي تسمح لهم بالنوم مما يسمح بدوره بالسفر والترحال داخلها، ولذلك خلال فترة الستينات كانت شاحنة فولكس فاجن هي سيارة «الهيبيز» الأولى، وكانت رفيقة دربهم في الرحلات لحضور المهرجانات الموسيقية، أو للبقاء على الشاطئ وركوب الأمواج واستخدامها منزلًا صغيرًا متنقلًا لهم.

و«الهيبيز» هو اسم أطلقه بعض الشباب على أنفسهم حتى أصبحوا ظاهرة انتشرت في جميع الدول، يستمعون لموسيقى معينة ولهم رقصات خاصة، كما يمكنك تمييزهم بسهولة في هذا الوقت بالشعر الطويل المنسدل على الأكتاف، وملابسهم الفضفاضة. وقد أطلقوا على أنفسهم لقب «دعاة السلام».

صورة تظهر مجموعة من الهيبيز يجلسون على شاحنة فولكس فاجن في مهرجان ووودستوك. مصدر الصورة «pinterest»

ومع الوقت لم يعد الأمر مجرد رمز في الأذهان، بل أطلق على تلك الشاحنة «شاحنة الهيبيز»، وهذا بعد أن وضعها بوب ديلان على غلاف ألبومه «The Freewheeling». وعُرف عن مُلاك تلك الشاحنات تلوينها بالألوان الزاهية والمُلفتة للنظر، وكان مهرجان الموسيقى «ويستستوك» في أمريكا عام 1969 شاهدًا على أكبر كمية من شاحنات فولكس فاجن الملونة في تاريخ المهرجانات الموسيقية.

حين خدعت «فولكس فاجن» عملاءها

خلال عام 2015، كانت سيارة «فولكس فاجن» تنتمي لأكبر شركة تصنيع سيارات في العالم، ولكن في العام نفسه واجهت الشركة أزمة عالمية حينما صرحت «وكالة حماية البيئة الأمريكية» أن السيارات التي تعمل بالديزل في الشركة، تحتوي على أجهزة تخدع اختبارات الانبعاثات المضرة.

وأوضحت الوكالة أن مجموعة من سيارات «فولكس فاجن» انتشرت في أمريكا وهي تحتوي على هذا الجهاز الذي يتحايل على الاختبارات التي تجريها الوكالة للحفاظ على البيئة، وفي هذا التوقيت كانت الشركة تسعى إلى زيادة مبيعاتها التي تعمل بالديزل داخل أمريكا تحت شعار «انبعاثات أقل»؛ وكأنهم يروجون لسيارة صديقة للبيئة.

واكتشفت الوكالة أن هناك 482 سيارة مزودة بهذا الجهاز داخل أمريكا فقط، من بينها سيارة «أودي أيه ثري»، وجاء رد فعل شركة «فولكس فاجن» مفاجئًا ومتعاونًا حينما اعترف المسئولون فيها بأن هناك ما يزيد على 11 مليون سيارة تحتوي على أجهزة الخداع في أنحاء العالم، وصرح رئيس الشركة في أمريكا قائلًا: «لقد أخطأنا خطأ فادحًا»، وأضاف وقتها المدير التنفيذي للشركة مارتن فينتركورن أن الشركة فقدت ثقة عملائها وثقة الرأي العام، وأنهم بدأوا تحقيقًا داخليًّا بالفعل للكشف عن المسؤولين الرئيسيين وراء تلك الأزمة.

ولم تتوقف خسائر «فولكس فاجن» عند تكلفة سحب 500 ألف سيارة من الولايات المتحدة، وهي التكلفة التي تقدر بـ6.5 مليار يورو، بل يمتد الأثر المالي على الشركة إلى غرامة مالية يحق لـ«وكالة حماية البيئة» فرضها على الشركة، بجانب سحب ما يقرب من 10 ملايين سيارة في أنحاء العالم، وعلى الرغم من تلك الأزمة التي واجهتها الشركة؛ إلا أن مبيعات «فولكس فاجن» بعد ذلك استمرت في التزايد حول العالم.

4 دروس مجانية في علم النفس يقدمها هتلر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد