علاء الدين السيد

4

علاء الدين السيد

4

962

على الرغم من أن الناس قد فهموا واستوعبوا دائمًا مفهوم الـ«لا شيء» أو عدم وجود شيء، إلا أن مفهوم «الصفر» هو جديد نسبيًّا. قد يبدو لك الأمر غريبًا، لكن الناس بالفعل كانت تعرف معنى عدم وجود قيمة، لكنهم لم يعبروا عن هذه «اللاقيمة» بشكل عملي وحسابي واضح.

مفهوم «الصفر» الحسابي تطور بشكل كامل في الهند في القرن الخامس الميلادي، أو ربما قبله بقرن أو اثنين، على حسب أقوال أخرى. قبل ذلك، كان علماء الرياضيات يكافحون ويعانون من أجل أداء أبسط العمليات الحسابية، لكن اليوم، فإن الصفر -سواء كان رمزًا أو عددًا أو مفهومًا يعني غياب أي كمية- يسمح لنا بأداء العمليات الحسابية الأكثر تعقيدًا بسهولة مثل التفاضل والتكامل، والمعادلات المعقدة؛ بل هو إحدى ركائز اختراع الكمبيوتر ولغات الحوسبة.

وقال بيتر غوبيتس، سكرتير مؤسسة ZerOrigIndia في هولندا، أو ما يعرف باسم Zero Project، الذي يوضح فكرة وتاريخ اختراع هذا الرقم السحري ويبحث في أصوله، إن الصفر الهندي (أو العددي)، الذي يعتبر على نطاق واسع واحدًا من أكبر الابتكارات في تاريخ البشرية، هو حجر الزاوية الآن في الرياضيات والفيزياء الحديثة، بالإضافة إلى بعض أنواع التكنولوجيا.

التاريخ المبكر.. الأوتاد الزاوية

قالت أنيت فان دير هوك، منسقة البحوث في Zero Project، إن الصفر اختُرِع ليكون عنصرًا يحل محل القيمة الفارغة بشكل مستقل في غالبية الحضارات حول العالم. البابليون حصلوا على نظام أعدادهم من السومريين، الذين كانوا أول بشر في العالم يقومون بتطوير نظام العد، وقد جرى تطوير النظام السومري منذ 4000 إلى 5000 سنة مضت، حين كانت قيمة الرمز تعتمد على موقفه مقارنة بالرموز الأخرى.

واقترح روبرت كابلان، مؤلف كتاب «The Nothing That Is: A Natural History of Zero»، أن العنصر السابق للصفر ذا القيمة في ذاته ربما كان زوجًا من الأوتاد التي تصنع زاوية بينها لتمثل عمود العدد الفارغ، ومع ذلك، اختلف تشارلز سيف، مؤلف كتاب «Zero: The Biography of a Dangerous Idea» حول هذه النقطة التي توضح أن هذا الرمز السومري كان يشير إلى الصفر بديلًا فقط عن عدم وجود رقم.

مر نظام السومريين عبر الإمبراطورية الأكادية إلى البابليين حوالي عام 300 قبل الميلاد. هنا، يوافق كابلان على ظهور رمز يبدو بوضوح عنصرًا بديلًا لفقدان القيمة، أي يحمل الكمية الفارغة، بمعنى آخر ظهر رمز معين ليصبح وسيلة لإخبارنا بقيمة المائة أو العشرة، أو للإشارة إلى أنه في العدد 2025، لا يوجد قيمة في خانة المئات.

في البداية، ترك البابليون مساحةً فارغةً في نظام الأرقام المسمارية الخاصة بالسومريين، ولكن عندما أصبح الأمر مربكًا في الكتابة، أضافوا رمزًا –وهو زوج من الأوتاد يخلقان بينهما زاوية- لتمثيل العمود الفارغ، ومع ذلك، فإن هذا الرمز لم يتطور إلى الصفر كعدد في ذاته، وليس مجرد وسيلة تعبير.

الصفر في الأمريكتين.. محاولات المايا

بعد 600 سنة تالية، وعلى بعد أكثر من 18 ألف كيلومتر من مدينة بابل، طورت حضارة المايا الصفر ليصبح عنصرًا بديلًا للقيمة الفارغة قرابة عام 350م، واستخدموه للدلالة على عنصر بديل لفقدان القيمة في نظم تقويمهم المتطورة، وعلى الرغم من كونهم علماء رياضيات ذوي مهارات عالية، إلا أن المايا لم يستخدموا الصفر في المعادلات، ويصف كابلان اختراع المايا للصفر بأنه «المثال الأكثر وضوحًا على الصفر الذي يجري ابتكاره كليًّا من الصفر».

الهند.. مولد الصفر عددًا وليس قيمةً

يؤكد بعض العلماء أن المفهوم البابلي للصفر وجد طريقه نحو الهند، ولكن البعض الآخر، بما في ذلك أولئك في Zero Project، يعطي الهنود الحق الكامل لتطوير الصفر عددًا بشكل مستقل دون إسهامات من حضارات أخرى، وبالعودة إلى بيتر غوبيتس، الذي تتكون منظمته من أكاديميين وطلاب دراسات عليا مكرسين لدراسة تطور الصفر، يقول: «نحن في رأينا أن الهند القديمة وجدت العديد مما يسمى بالسوابق الثقافية (cultural antecedents)، والتي تجعل من المعقول أن يُخترع الرقم صفر هناك».

وأضاف أن Zero Project يفترض أن الصفر الرياضي (شونيا– shunya) في اللغة السنسكريتية، قد يكون نشأ عن فلسفة الفراغ المعاصرة أو «شونياتا– Shunyata»، وقال فان دير هوك إنه إذا كانت العوامل الفلسفية والثقافية التي عثر عليها في الهند مهمة لتطوير الصفر بوصفه مفهومًا رياضيًّا، فسوف يفسر ذلك الأمر سبب عدم تطوره في الحضارات الأخرى باعتباره مفهومًا رياضيًّا.

ووفقًا لكتاب «The Crest of the Peacock; Non-European Roots of Mathematics» الذي ألفه جورج غيفيرغيز جوزيف، فإن مفهوم الصفر كعدد ظهر لأول مرة في الهند حوالي عام 458م، ويعتقد جوزيف أن الكلمة السنسكريتية للصفر، «śūnya»، والتي تعني «باطلة» أو «فارغة»، والمشتقة من كلمة مشابهة تعطي معنى النمو، تكتلت جنبًا إلى جنب مع التعريف المبكر في «Rig-veda»، أو مجموعة النصوص الهندية المقدسة القديمة للأناشيد باللغة السنسكريتية المخصصة للآلهة، لكلمة «النقص». في كلتا الحالتين كانت الكلمة المشتق منها هذا المعنى هي «Śūnyata»، التي تمثل المذهب البوذي للـ«فراغ»، أو تفريغ العقل من الانطباعات والأفكار.

وقال فان دير هوك: «من هذه الفلسفة، نحن نعتقد أن عددًا ما استُخدِم في المعادلات الرياضية المتقدمة. نحن نبحث عن الجسر بين الفلسفة الهندية، والرياضيات»، وقال غوبيتس إن الصفر قد عرفه وشغله بشكل عملي لأول مرة الفلكي الهندوسي وعالم الرياضيات براهماغوبتا في عام 628م. براهماغوبتا وضع رمزًا للصفر يتمثل في نقطة تحت الأرقام؛ لكنه في الوقت ذاته لا يدعي أنه هو من اخترع الصفر الذي يفترض أنه كان موجودًا لبعض الوقت سابقًا.

نقش على جدار المعبد في مدينة جواليور الهندية يعود إلى القرن التاسع، اعتبر أقدم مثال مسجل للرقم صفر، وفقًا لجامعة أكسفورد. مثال آخر، واحدة من اللفائف الهندية القديمة التي تسمى «مخطوطة بهاكشالي»، والتي اكتشفها الباحثون في أحد الحقول في عام 1881، والتي يعتقد الباحثون أنها تعود إلى القرن التاسع، ومع ذلك، فقد كشفت الأبحاث باستخدام الكربون المشع أن هذه المخطوطة ربما كانت مكتوبة في القرن الثالث أو الرابع الميلادي، والذي يعيد أول استخدام مسجل للصفر إلى الخلف مدة 500 سنة.

وقال ماركوس دو سوتوي، أستاذ الرياضيات في جامعة أكسفورد: «اليوم نحن متأكدون من أن مفهوم الصفر يستخدم في جميع أنحاء العالم، وهو لبنة أساسية في العالم الرقمي، ولكن خلق العدد صفر في حد ذاته، كان نتيجة لتطوره من مفهوم الرمز حامل القيمة الفارغة الذي وجد في مخطوطة بهاكشالي، وهو واحد من أعظم الاكتشافات التي جرت في تاريخ الرياضيات».

وأضاف أننا نعلم الآن أنه في وقت مبكر من القرن الثالث زرع علماء الرياضيات في الهند بذور الفكرة التي من شأنها أن تصبح في وقت لاحق شيئًا أساسيًّا جدًا للعالم الحديث. وتظهر النتائج كيف كانت الرياضيات نابضة بالحياة في شبه القارة الهندية لعدة قرون.

من الشرق الأوسط وحتى نيويورك

على مدى القرون القليلة التالية، جرى حصار مفهوم الصفر في الصين والشرق الأوسط، ووفقًا للباحث نيلز-بيرتيل والين من جامعة يالي غلوبال، فإنه بحلول عام 773، بلغ الصفر بغداد؛ إذ أصبحت جزءًا من نظام الأرقام العربية، الذي يقوم على النظام الهندي.

واقترح عالم الرياضيات الفارسي محمد بن موسى الخوارزمي أنه ينبغي استخدام «دائرة صغيرة» في الحسابات إذا لم يظهر عدد ليدل على قيمة العشرات، ودعا العرب هذه الدائرة «صفر». كان الصفر حاسمًا بالنسبة للخوارزمي، الذي استخدمه لاختراع علم الجبر في القرن التاسع. كما طور الخوارزمي طرقًا سريعة لضرب الأرقام وتقسيمها، والتي تعرف بالخوارزميات أو اللوغاريتمات، نسبة إليه.

وجد الصفر بعد ذلك طريقه إلى أوروبا في أعقاب فتح العرب للأندلس، وطوره عالم الرياضيات الإيطالي فيبوناتشي، الذي استخدمه للقيام بالمعادلات دون استخدام «المعداد»، والذي كان الأداة الأكثر انتشارًا للقيام بعمليات الحساب في ذلك الوقت. هذا التطور كان يحظى بشعبية كبيرة بين التجار، الذين استخدموا معادلات فيبوناتشي التي تنطوي على صفر لتحقيق التوازن بين كتبهم ومراسلاتهم.

وقال فان دير هوك: إن الزعماء الدينيين في القرون الوسطى في أوروبا لم يكونوا مؤيدين لاستخدام الصفر، ورأوا أنه عمل شيطاني، قائلين: «كان الله في كل ما كان، وكان الشيطان في كل ما لم يكن»، ويشير إلى أن الحكومة الإيطالية كانت متشككة تجاه الأرقام العربية، وحظرت استخدام الصفر، لكن استمر التجار في استخدامه استخدامًا غير قانوني وسريًّا، وتحولت الكلمة العربية «صفر» نتيجة هذا الاستخدام السري إلى الكلمة اللاتينية بذات النطق «cipher»، والتي تعني الشفرة أو الكود في دلالة على الاستخدام السري لكلمة صفر في أوروبا سابقًا.

وبحلول عام 1600، استُخدِم الصفر على نطاق واسع إلى حد كبير في جميع أنحاء أوروبا، وكان أساسيًّا في نظام الإحداثيات الديكارتية (نسبة إلى الفيلسوف رينيه ديكارت)، وحساب التفاضل والتكامل، الذي طوره لأول مرة السير إسحاق نيوتن، وغوتفريد ويلهم ليبنيز. حساب التفاضل والتكامل مهد الطريق للفيزياء والهندسة وأجهزة الكمبيوتر والكثير من النظريات المالية والاقتصادية، التي تعتمد في مؤسسات وول ستريت المالية في قلب مدينة نيويورك.

وقال غوبيتس: «مفهوم الفراغ هو الآن محور الفيزياء الحديثة، حيث ينظر إلى الكون المعروف بأكمله على أنه «لعبة مجموع صفري» من بين أمور أخرى، وهي النظرية التي يتبناها على سبيل المثال الفيزيائي الشهير ستيفن هوكينج، وقد ظهر عدد الصفر ومفهومه، المستورد من الهند، بطرق مختلفة، وقال غوبيتس: «من الشائع أن الصفر يشير إلى القلة، أو فقدان القيمة، لكن القليل من الناس من يدركون أن قيمة هذا العدد في حياتنا كانت مذهلة وكبيرة جدًا بشكل لا يتناسب مع ما يشير إليه».