البنوك هي مركز النظام المالي في عصرنا الحالي، والحركة المالية عبرها شديدة الحساسية والتأثير على المنظومة الاقتصادية العالمية، بالإضافة إلى كونها أوّل المتأثرين – من بين مؤسسات النظام المالي العالمي – بأي أزمة مالية. وحرفيًّا بلدان عديدة حول العالم تعتمد البنوك كوسيط أوّلي في أي عملية بيع وشراء لأغلب السّلع، وذلك عبر البطاقات المصرفية.

في هذا التقرير نلقي سويةً نظرةً على تاريخ البنوك وظروف نشأتها.

  • 1- ما هو البنك؟

أهم مؤسسة مالية، فعلى اعتبار أنّ المال سلعة السّلع (تُقاس عليه السّلع)، فإنّه إذًا (أي البنك) المكان الذي يدير عملية العرض والطلب على المال وفق نظام مؤسسي عالي التنظيم. هذا هو الدور الأساس للبنك، ومن هنا فالبنك له تأثير شديد الحساسية على الاقتصاديات الوطنية.

وتتعدد العمليات المصرفية المنوط بالبنك تنفيذها، ومن بينها على الترتيب: أن يقوم صاحب فائض في الثروة، أو مُدِّخر يريد الحفاظ على أمواله في مكان آمن؛ بوضع المال في البنك، وعلى الجانب الآخر ثمّة المُقترض وهو الشخص المُحتاج إلى سيولة مالية يوفرها البنك له بنظام يُعرف بالاقتراض، والذي يكون مُقابل ضمانة غالبًا ما تكون أصولًا ثابتة تزيد قيمتها المتغيرة على المبلغ المُقترَض من البنك. وكل هذا يتم وفقًا لنظام مدروس، يضمن للبنك قيمة ربحية من القرض الذي قدّمه، بدوره يُعطي من القيمة الربحية مقدار الفائدة المُتّفق عليها إلى الشخص الذي أودع ماله في البنك.

بالإضافة إلى هذا أيضًا، فإن البنوك غالبًا ما تستثمر الأموال المودعة فيها لتخرج بأرباح تُعطي منها صاحب المال قيمة الفائدة المُتّفق عليها، وفقًا أيضًا لنظام مدروس يُقسِّم في الأساس الودائع من حيث كونها ودائع طويلة الأجل أو ودائع قصيرة أو ودائع حسابات جارية، وهي التي تعتمد على حركة سحب وإيداع مستمرة ومتكررة خلال فترات قصيرة.

أيضًا من أدوار البنك باعتباره المؤسسة الأهم في النظام المالي العالمي، إشرافه المُباشر على أعمال تحويل وتصريف العملات، أو ما يُعرف بسوق أو بورصة العملات، وغالبًا البنك المركزي في الدولة هو المنوط به تنظيم أمور سوق تداول العملات داخل الدولة.

  • 2- متى نشأت البنوك؟

النظام المصرفي نفسه، أو الفكرة المؤسسة للبنوك ضاربة في القدم، فبعض الدراسات التاريخية تُرجعها إلى البابليين، وبعض آخر يُرجعها إلى الإغريق، وفريق في المنتصف يقول إنّ البابليين عرفوا بعد العمليات المصرفية، لكنّ الإغريق في القرن الرابع قبل الميلاد مارسوا عمليات تبادل العملات والاقتراض المالي وحفظ الودائع. كذلك بعض الدراسات الأثرية، تكشف أدلة على وجود نشاط إقراضٍ مالي في الإمبراطورية الصينية.

ثمّ تطوّر الأمر بالتدريج التقليدي، ففي مرحلة العصر الوسيط استخدم العالم بشكل واسع العمليات المالية، من خلال عمليات البيع النقدي، أو بيع المال بالمال، وهي العملية التي تعنيها كلمة “صرف” في اللغة العربية، والمشتقة منها كلمة “مَصرف” والتي تشير إلى المكان الذي تُنفذ عبره تلك العملية، والمُقابل لها بالإنجليزية (وباتت كلمة في معظم معاجم لغات العالم) هي كلمة “بنك”، المشتقة أساسًا من كلمة Bancu الإيطالية، والتي تعني الطاولة أو المنضدة!

تبدأ الحكاية من القرون الوسطى، بالتحديد الحروب الصليبية الأولى التي أسقطت القدس في يدي الأوروبيين. من هناك ظهرت منظمة فُرسان المعبد، التي يعتبر باحثون أنّ أعضاءها هم الآباء المؤسسون للاقتصاد البنكي الحديث، عبر إدارتهم لمشروع اقتصادي في أوروبا قائم على إصدار وثائق اعتمادات تُنظّم اتفاقًا ماليًّا قائمًا على تسليم الشّخص المسيحي الحاجّ إلى القدس؛ أمواله وممتلكاته إلى الأفراد الممثلين لفرسان المعبد، مُقابل حصول الشخص على مثل قيمتها في القُدس. بعض الدراسات الآن تصف فرسان المعبد بـ”المطورين الاقتصاديين – economic developers”، وأخرى تعتبر المنظّمة أوّل البنوك متعددة الجنسيات!

بعض الباحثين يعتبرون فرسان المعبد الآباء المؤسسين للاقتصاد البنكي

اقرأ أيضًا: منظمات سرّية خرجت من رحم الحملات الصليبية

وعلى كُل حال، فإن تلك الفترة أيضًا شهدت بروز مهنة المصرفي شديد القرب للمفهوم الحديث، وكان ذلك في إيطاليا تحديدًا حيث كان المصرفيون يؤدون عملهم على طاولات خشبية (Bancu)، قبل إنشاء أوّل بنك في مدينة البندقية في القرن الرابع عشر، وظلت إيطاليا لفترة من الزمن محتفظة بحصرية استضافتها للعمل المصرفي المؤسسي، حتى تأسس واحدٌ في إسبانيا في القرن الخامس عشر، ثمّ انتشرت في باقي أنحاء أوروبا سريعًا، مراعيةً في كل عصر تطوراته، واللجوء إلى آليات الخدمة المصرفية الأنسب والأكثر تحقيقًا للربح.

  • 3- متى ظهر النّقد/ المال الورقي؟

العملات المستخدمة على مرّ العصور كانت موادًا ثمينة في ذاتها وفقًا للطبيعة التاريخية والجغرافية لمناطق التداول، فمثلًا في بعض العصور استخدمت الأطعمة والنباتات والحيوانات للتبادلات التجارية المحدودة، ثم استخدمت المعادن مع عصور الإمبراطوريات الكُبرى وصارت تُصكّ على فئات، وغالبًا ما كان يستخدم الذهب والفضة والنحاس، وعلى هذه المواد/ العملات كانت تقوم العمليات المصرفية بأشكالها على مر التاريخ، فعلى سبيل المثال ثمّة دلائل من الإنجيل على انتشار نوع من المعاملات المصرفية في فلسطين في عهد المسيح:

ودخل يسوع إلى هيكل الله وأخرج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل، وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام – إنجيل متّى 21: 12

كما أنّ العرب أنفسهم عرفوا ومارسوا أنواع من العمليات المصرفية، لعلّهم استفادوها من رحلاتهم التجارية إلى الشّام بخاصة، إذ إنّهم عرفوا استثمار المال بالمضاربة على هامش ربحي، كما عرفوا الإقراض بالفائدة والذي حرّمه الإسلام، لتستقر المعاملات المالية – المالية على الإيداع دون فائدة والمضاربة بحصة من الربح، لكن تظل كل تلك المعاملات قائمة على النقد المادي، ولم يظهر النقد الورقي إلّا في مرحلة متطورة من ظهور البنوك كمؤسسات في أوروبا.

بعض الأبحاث تشير إلى ظهور الفكرة في هولندا، عبر بنك أمستردام في القرن السابع عشر، لكنّ أبرز البنوك التي اعتمدت الفكرة كان بنك إيطالي يُدعى “بانكو دي جيرو – banco di giro” ويعني بالعربية “مصرف الحوالة”.

رسم للمبنى الذي حوى بنك أمستردام عام 1906

وتنطلق الفكرة من إضافة خدمة لتسهيل التعاملات المالية عبر الحوالات النقدية، بحيث يُصدر البنك إيصالات مُقابل النقود المودعة فيه من قبل العميل، والتي كانت نقودًا من الذهب أو الفضة، ويعمد الشخص على استعمال الإيصال في البيع والشراء على اعتباره عقد على قيمة السلعة من الذهب والفضة، بمعنى أن الشخص صاحب الإيصال يستخدمها في شراء أي سلعة، فيأخذها البائع ويستطيع عبرها أخذ القيمة من المصرف ذهبًا أو فضة، ومن هنا ظهر النّقد/ المال/ العملات الورقية، وعلى هذا أخذت المنظومة المصرفية في العالم شكلًا مختلفًا أعاد تعريف النظام المالي العالمي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد