2,954

يترسخ لدى البعض اعتقادً بأن «الهولوكست» مرتبط فقط بقتل النازيين لليهود، ولكن هناك إبادة من نوع آخر نفذها النازيون على أكثر من ربع مليون شخص من ذوي الإعاقة؛ لأن أجسادهم «غير لائقة»، في ظل توجه نازي من الفوهرر أدولف هتلر يقدس القوة الجسمانية، أما إذا كنت ضعيفًا في ألمانيا النازية فأنت عبء على المجتمع تهدد «نقاء العرق النازي» ويجب التخلص منك، وإذا كنت سليم الجسد، فيجب أيضًا أن تحافظ على صحتك التي «لا تخصك وحدك، وإنما تخص الفوهرر» من وجهة النظر النازية.

«عبء على المجتمع ولا يستحقون الحياة».. النظرة النازية لذوي الإعاقة

تأثرت نظرة النازيين لذوي الإعاقة بدنية كانت أو عقلية، بأفكار داروين عن الانتقاء الطبيعي التي نشرها داروين عن «أصل الأنواع» عام 1859، ولا سيما فكرة البقاء للأصلح تلك في عالم الحيوان، وتطبيقها على المجتمع البشري، ورأى النازيون أن السماح لذوي الإعاقة بالعيش وإنجاب الأطفال، سيؤدي إلى انتشار أسرع لـ«غير الأصحاء» من ذوي الإعاقة، على حساب الأصحاء؛ مما يؤدي إلى إضعاف قدرات المجتمع عن أداء وظيفته بكفاءة.

وتطبيقًا على ألمانيا، فقد رأى النازيون أن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي حلّت بألمانيا في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي جاءت نتيجة ضعف السكان؛ الذي خلق توزيعًا غير عادل للأعباء الاقتصادية والاجتماعية.

ومن هذا المنطلق شنّ النازيون حملاتهم الدعائية ضد ذوي الإعاقة، باعتبارهم عبئًا زائد على المجتمع، ويجب التخلص منه، وقد صورتهم الأفلام النازية على أنهم عبارة عن مجموعة من البشر عديمي الفائدة الذين يأكلون ويشربون فقط، بل أشخاص غرباء «لا يستحقون الحياة»، ويهددون نقاء «العرق الآري»، ووجودهم في المجتمع الألماني غير صحي وغير طبيعي، وأحد أشهر أفلام الدعاية النازية الذي يحمل اسم «أنا أتهم»، يحكي قصة طبيب قتل زوجته من ذوي الإعاقة، وطرح فكرة «القتل الرحيم» حلًا للتخلص من ذوي الإعاقة.

275 ألف ضحية لـ«القتل الرحيم» من ذوي الإعاقة

فكرة «القتل الرحيم» التي طرحها الفيلم أصبحت واقعًا في ألمانيا النازية منذ أكتوبر (تشرين الأول) 1939، عندما اعتمد أدولف هتلر برنامج «القتل الرحيم»، وما يُعرف بـ«T4» لقتل ذوي الإعاقة، وبدأ بتشيجع الأطباء والموظفين في البداية لإهمال المرضى حتى يموتوا.

وبعد ذلك اتخذت عملية القتل لغير الأصحاء مسارًا أكثر منهجية من خلال زيارة بعض المستشارين الألمان للمستشفيات لتقرير من يموت، ثم إرسال المرضى لمراكز القتل الرحيم ليُقتلوا في غرف الغاز السام أو عن طريق الحقن القاتلة.

ولم يقتصر الأمر على قتل ذوي الإعاقة البالغين فقط، وإنما امتد للأطفال والرضع من ذوي الإعاقة الذين لم يسلموا من القتل الممنهج عن طريق تجويعهم، أو حقنهم بجرعات مميتة من الأدوية، وبعد ذلك تُحرق جثث الضحايا في أفران كبيرة تسمى أفران الحرق، وقد بلغ العدد الإجمالي لمن قتلهم النازيون من ذوي الإعاقة نحو من 275 ألف بقتل ممنهج، سبقه تعقيم إجباري واسع النطاق لذوي الإعاقة منذ عام 1933 بمجرد وصول النازيين إلى الحكم.

مقابر لضحايا  القتل الرحيم

ومع كثرة ضحايا برنامج القتل الرحيم، بدأت رائحته تفوح إلى السطح بعدما كان سريًا؛ لتظهر بعض الانتقادات الشعبية والدينية من الكنيسة الكاثوليكية ومن بعض الشخصيات العامة في ألمانيا، والتي طالبت بوقفه في أغسطس (آب) 1941، ليعلن هتلر في الشهر نفسه وقف البرنامج، وتفكيك غرف الغاز في مراكز القتل الرحيم، ويبدو أن الإيقاف كان «رسميًا إعلاميًا» أكثر منه واقعيًا لتهدئة الرأي العام، مع استمرار عمل البرنامج سرًا، ليحصد المزيد من أرواح الضحايا من ذوي الإعاقة.

ولم يكن كل ذوي الإعاقة الألمان متساوين ومستهدفين جميعهم بالقتل في نظر السلطة؛ إذ سلم من برنامج القتل الرحيم العسكريون النازيون الذين أصيبو من جراء الحرب العالمية وأصبحوا من ذوي الإعاقة، فلم يُقتلوا مثل ذوي الإعاقة وراثيًا، وإنما كُرموا من النازيين باعتبارهم أبطال حرب وحصلوا على وظائف محمية ومحصنة انطلاقًا من فكرة نازية ترسخ «انتصار الإرادة على الشدائد» وهي فكرة طبقت على المصابين من الحروب فقط، فيما واجه ذوو الإعاقة جينيًا القتل الرحيم!

النازيون: «المثليون ضعفاء مخنّثون لابد من إخصائهم»

لم يتوقف الاضطهاد النازي للمواطنين الألمان على اليهود، أو ذوي الإعاقة فقط؛ وإنما امتد أيضًا للمثليين، فالمثلية كانت غير محرمة قانونًا في ألمانيا النازية؛ وقد اعتبر النازيون المثليين الذكور عبارة عن رجال ضعفاء مخنثين لا يستطيعون القتال مع الأمة الألمانية، وغير قادرين على إنجاب المزيد من الأطفال في ألمانيا، فاعتبروا المثليين خطرًا عرقيًا على «الآريين»؛ لتبدأ السلطات النازية في حلّ الروابط المثلية، واحتجاز المثليين الذكور في مراكز الاعتقال.

و اعتبر النازيون المثلية مرضًا يقلص من ذكورية الرجال يمكن علاجه عن طريق إذلال المثليين وإخضاعهم للعمل الشاق، وهو علاج اعتمدته السلطات النازية ضد المثليين في السجون، مع توافر علاج نازي آخر يتمثل في إخصاء المثليين الذكور، على عكس المثليات الإناث اللاتي لم يُعتبرن خطرًا يهدد السياسات العرقية النازية، ولم يتعرضن لاضطهاد واستهداف مماثل للمثليين الذكور، فيما لم تستهدف ألمانيا النازية أيضًا المثليين الذكور من غير الألمان، ما لم يكونوا مرتبطين بمثليين ألمان.

 صحتك وجسدك؟ ليس من شأنك.. هذا أمر يخص «الفوهرر»!

جسدك يخص الأمة.. جسدك يخص الفوهرر.. من الواجب عليك أن تظل بصحة جيدة.. طعامك ليس شأنًا خاصًا

هذه عدد من الشعارات النازية التي انتشرت في ألمانيا النازية، وفقًا لما ذكره الكاتب ربرت، فإن بروكتر في كتابه «الحرب النازية على السرطان» فإذا كنت مواطنًا ألمانيًا في تلك الحقبة، فليس لك حرية اختيار أسلوب الحياة الذي تفضله، ولست حرًا لتناول كل ما تريد، وبالأخص تلك المنتجات المضرة بالصحة؛ لأن ضعف صحتك سيضر الأمة.

وفي هذا الصدد، لفت بروكتر، إلى الشكل المثالي الذي أراده النازيون لشكل المواطن الألماني، وكتب: «أراد القادة النازيون أن يصبح الألمان ماكينات بشرية صلبة ونحيفة وعالية الأداء؛ ولذلك يجب أن تتبع نظام غذائي سليم، ليس فقط لزيادة إنتاجية العمل، وتحسين أداء الأمهات، وتعزيز الذكورية العسكرية؛ وإنما أيضًا لتقليص حالات الإصابة بأمراض السرطان والقلب»

«لا يتناولها؛ بل هي (أي السجارة) من تلتهمه» جزء من الدعاية النازية ضد التدخين

ومن أجل ذلك شن النازيون حملات ضد البدُناء والتدخين والكحوليات، وهذا أمرًا يبدو متوقعًا منهم؛ فالنازيون في الأساس قتلوا ذوي الإعاقة جينيًا. فكان من الطبيعي أن يحاربوا من أفسدوا صحتهم ذاتيًا بأنفسهم؛ فرفضوا السمنة والبدانة، وشنوا حملات إعلامية وتشريعية ضد التدخين والخمور.

وتضمنت تلك الحملات قرارًا في بداية الحرب العالمية الثانية عام 1939 يمنع أفراد الجيش من التدخين في الشوارع أو المسيرات العسكرية، وحتى بعد قضائهم الخدمة العسكرية، وفي عام 1942 حُظر التدخين على التلاميذ أو المعلمين في العديد من المدارس، ومع عام 1943 حُظر التدخين في الأماكن العامة لمن هم دون 18 عامًا.

وفي عام 1944 حظر النازيون التدخين في القطارات والحافلات والمنشآت العامة وأماكن العمل والمستشفيات، وخضعت إعلانات السجائر لرقابة صارمة، وكان الفوهرر نجم تلك الدعايا المضادة للتدخين، وكتبت أحد المجلات الألمانية حينها: «أخي المواطن الألماني؛ هل تعلم أن زعيمك (الفوهرر) يقف ضد التدخين، ويعتقد أن كل ألماني مسؤول أمام الجميع عن أفعاله ومهماته، وليس لديه الحق في إلحاق الضرر بنفسه عن طريق المخدرات».

وبالفعل طبّق هتلر دعايته المضادة ضد التدخين ولم يُدخن، فيما ندر ظهور الفوهرر وهو يحتسي الخمر؛ فعند بحثك عن ذلك في محرك البحث «جوجل»، سيظهر فيديو يُظهره وكأنه يشرب «بيرة» بلون المياه، شكك فيه البعض، ورأوا أنه يشرب مياهًا، وليست مشروبًا كحوليًا.