حصدت رواية «بريد الليل» للروائية اللبنانية هدى بركات الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لعام 2019، في دورتها الثانية عشرة، أمس الثلاثاء 23 أبريل (نيسان)، في العاصمة الإماراتية أبوظبي، وذلك بعد تنافسها مع خمس روايات أخرى، وصلت معها للقائمة القصيرة، هي: «الوصايا» للأديب المصري عادل عصمت و«صيف مع العدو» للروائية السورية شهلا العجيلي و«النبيذة» للكاتبة العراقية إنعام كجه جي و«بأي ذنب رحلت؟» للأديب المغربي محمد المعزوز و«شمس بيضاء باردة» للروائية الأردنية كفى الزعبي.

وهذه المرة الأولى التي تفوز فيها هدى بركات بالجائزة، لكنها سبق وأن وصلت القائمة الطويلة للجائزة نفسها عام 2013، عن روايتها «ملكوت هذا الأرض»، وكانت ضمن القائمة القصيرة لجائزة «مان بوكر العالمية» لعام 2015؛ والتي كانت تمنح آنذاك مرة كل سنتين عن مجمل أعمال الكاتب، والتي تُعد واحدة من أهم الجوائز الأدبية عالميًا، وفازت أيضًا عام 2000 بجائزة نجيب محفوظ عن روايتها «حارث المياه» وبجائزة سلطان العويس العام 2018.

فمن هي هدى بركات، وما قصة «بريد الليل» التي رفضت في البداية أن تترشح للجائزة، ثم عادت ووافقت بعد أن أقنعتها دار النشر؟

هدى بركات ولبنان التي تحمله في حقيبة يدها حيثما حطت رحالها

«لستُ منفية ولا مهاجرة. أنا عالقة، لذا تراني أكتب بقسوة عن بيروت لأني بعيدة عنها. هناك حقد مبدع وإيجابي استثمرتُه في الكتابة. عندما تركت البلد، أقفلت على هذا الحقد داخلي. كنت مؤمنة بأن أحدًا ما خرَّب حياتي. أظن أنّ ابتعادي عن بيروت سمح لي بتفريغ مرارتي وحقدي وحزني في الكتابة دون أيّ تشويش». *هدى بركات.

بالرغم من أن هدى بركات هاجرت إلى فرنسا منذ عام 1989، إلا أن لبنان لا زالت حاضرة بقوة في كل أعمالها، وكأنها حين وقفت لتجمع أغراضها من أجل الرحيل والهرب بولديها، حملت لبنان معها في حقيبتها. درست هدى الأدب الفرنسي في الجامعة اللبنانية عام 1975، ثم سافرت إلى باريس للحصول على درجة الدكتوراة، لكنها آثرت العودة إلى الوطن حين اندلعت نيران الحرب الأهلية. في هذه الفترة عملت هدى مدرسة ومترجمة وصحافية في لبنان، وأصدرت أول أعمالها الأدبية – وهي مجموعة قصصية – تحت عنوان «زائرات». ثم سافرت مرة أخرى إلى فرنسا واستقرت بها سنة 1989، حيث بدأت من هناك مشوارها الأدبي المتميز والمكتوب باللغة العربية والمترجم إلى 14 لغة أجنبية.

Embed from Getty Images

ذلك المشروع الذي تصدّرته روايتها الشهيرة «حجر الضحك» عام 1990، والتي تحدثت فيها بكل صراحة عن أزمة الهوية الجنسية للبطل، لكنها نجحت في عدم الوقوع في فخ الحديث الفجّ عن المثلية الجنسية أو الاتهام بالترويج لها. بل استطاعت ببراعة أن تجرّ القارئ نحو أجواء الحرب اللبنانية ومأساتها والموت العبثي، وانتزاع الآدمية وتعوّد العنف، دون أن تسمح لهذه الدموية بتشويه حروفها وإصباغ القسوة على مفرادتها.

الهويّة اللبنانية أمر نجحت هدى في الاحتفاظ به جيدًا في كل أعمالها على قلِّتها؛ فالروائية اللبنانية لم تتخل عن هويتها أبدًا، ولم تُحلّق بعيدًا عن المجتمع اللبناني المحليّ، بالرغم من إقامتها في باريس. كما أنها لم تنجر لخط الكتابة النسوية عن امرأة عربية مهاجرة، وجدت في عاصمة النور ملاذًا من كل العُقد الشرقية التي تحيط بالمرأة العربية المغلوبة على أمرها، بل على العكس تمامًا، جاءت أعمالها على لسان مُذكّر.

ففي روايتها الثانية «حارث المياه»، والتي فازت بجائزة نجيب محفوظ عام 2000، غَزَلت الكاتبة، عالمًا فريدًا لابن تاجر أقمشة، تاه في وسط بيروت أثناء سنوات الحرب اللبنانية، ثم وجد نفسه مصادفةً أمام محله الذي تركه عندما اشتد وطيس المعركة، ليقيم في الجزء المتبقي من محله في المنطقة الخربة التي تفصل بين الجانبين المتحاربين، وحيدًا ومهجورًا، ساعيًا لاستعادة أشلاء حياته المبعثرة. لتغزل من المأساة رواية رائعة، بعيدة كل البعد عن ميلودراما الحروب والمآسي، جاعلة من «القماش» و«صوت الراوي» بطلين رئيسين، يجذبان القارئ ويتلاعبان به في سلاسة رائقة مُبهرة. ويحفظان لها الهويّة العربية، ويؤكدان عليها، فتجارة الأقمشة – وخاصة في الشام – وصوت الراوي المنبثق عن فن الحكي الشفهي في الموالِد، رموز متأصلة في التراث والتاريخ العربي.

ليتجلّى هذا الاحتفاظ بالهوية في روايتها التي بلغت القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) عام 2013، «ملكوت هذه الأرض»؛ هذه الرواية التي عادت بها إلى مسقط رأسها في الشمال اللبناني، وإلى زمن ما قبل الاستقلال في أربعينات القرن الماضي، حيث هذه البقعة الريفية المحكومة بعزلة دينية وعزلة جغرافية جبلية قاسية، قبل أن تطالها يد المدنية وتُخرّبها. لتُعيد هدى كتابة التاريخ مرة أخرى، دون أن تقول رأيها الشخصي فيه، فهي حين كتبت هذه الرواية أرادت الحديث عن «موطن لم يُصبح وطنًا».

تقول هدى بركات عن حضور بيروت في كل أعمالها، بالرغم من قلة الحفاوة التي تجدها في لبنان على عكس التقدير الذي تلقاه في فرنسا؛ «لستُ منفية، ولا مهاجرة. أنا عالقة». وبالرغم من الجوائز التي سبق وأن حصدتها هدى، وعلى رأسها وسام الاستحقاق الفرنسيّ، إلا أن ترشحها عام 2015 لجائزة «البوكر مان» باعتبارها أديبة عربية ولبنانية ترك في نفسها أعظم الأثر.

«بريد الليل».. للحكايات «حكايا» كثيرة!

«ماذا نعرف عن بشر عاشوا حروبًا أهلية؟ عنفًا ودمارًا وخسارات وخيبات وخوفًا مريعًا بلا شك؛ كيف يتحولون؟ وما الذي يتغير فيهم ويقسو؟ في المربع الأخير من الحياة، ذلك الذي يغدو الموت فيه قريبًا ومحتملًا بشدة، لا يعود القلب سوى مضخة للاستعمال المفيد، دم ساخن يتدفق بقوة في الأعضاء من أجل الهرب، لا من أجل أي شيء آخر سوى الهرب». *بريد الليل

تقول الأديبة اللبنانية إن فكرة رواية «بريد الليل» داعبتها كثيرًا قبل أن تدرك «مدى عنف العالم المحيط بنا» بحسب تعبيرها، وأن السبب الرئيس في كتابة هذه القصة الطويلة المعروفة في التصنيف الأدبي بالـ«نوفيلا»؛ هو الإحساس بالغربة والوحشة اللتين باتا يسيطران على الكثيرين ممن اختبروا الحروب الأهلية والثورات غير الناجحه والأنظمة الديكتاتورية، واضطروا للخروج من أوطانهم هربًا من وحشة محققة إلى وحشة أخرى محتملة، قد يلتقونها في وجهتهم. وأن ما ساعدها في وضع هذه المشاهد على الورق؛ هو «مشاهد المهاجرين الهاربين من بلدانهم في قوارب الموت، ونظرة العالم إليهم ككتلة غير مرغوب فيها، أو كفيروس يهدد الحضارة»، وأنها أرادت فقط الإنصات إلى حيوات تائهة في صحراء هذا العالم، على أمل أن تكون هذه الرواية قد أسمعت بهذا القدر أو ذاك أصوات حيوات هشة، يتم إصدار الأحكام عليها دون فهمها أو معرفة ما أوصلها إلى ما صارت إليه.

رواية بريد الليل – مصدر الصورة: أراجيك

تتكون بريد الليل عن خمس قصص قصيرة، عبر خمس رسائل لأشخاص مختلفين، لم تحدد الأديبة جنسيتهم أو هويتهم، يتعرف عليهم القارئ من خلال البوح المسائي المحمول في رسائل تشبه حكايات المعذبين أو الاعترافات الليلية، بما تحمله من  أسى ووحشة.

وقد استخدمت هدى بركات لغة بسيطة سهلة، متماشية مع لغة الرسائل البريدية التي يكتبها الأشخاص العاديين، الذين جعلت منهم هنا أبطالها لقصصها الخمس، كذلك استعملت أسلوب السرد المبعثر، ليعكس لدى القارئ انطباعًا بالتيه والغربة، ويتجلى معه إحساس الوحشة المسيطر على هذه الاعترافات.

ويشمل القسم الأول «خلف النافذة» رسائل؛ من رجل لحبيبته، وأخرى لحبيب قديم غائب ومنتظر، وثالثة من ابن لأمه يحكي لها عما ألم به بعد السجن، ورسالة شاب مثليّ جنسيًا منبوذ لأبيه، ورسالة أخت لأخيها، وتترابط الشخصيات في القسم الثاني «في المطار»، بينما يتناول القسم الثالث حكاية ساعي البريد الذي يترك مصائر الرسائل مفتوحًا، بلا نهاية.

وقد رسمت هدى بركات هذه الصور في «بريد الليل» على مهل؛ إذ يلاحظ الرابط الخفي بين القصص وبعضها البعض، وتناولها لحروب الشرق الأوسط والقتل والأنظمة الديكتاتورية، وتعرضها أيضًا للحكومات العربية، والنقمة على رجال الدين والمجتمعات الشرقية.

وبعض أبطال الرواية عاشوا حروبًا أهلية، وأحداثًا مروعة ودمارًا، وجربوا الخسارة والخيبات الكبرى، ليعكس ذلك المزيج حالة من الشك وانعدام اليقين، الذي يغلف هذه الرواية المبعثرة، وتحول أبطالها إلى غرباء يكتبون إلى غرباء آخرين.

الأدب العربي ليس مصريًّا فقط.. 5 من أفضل الروايات المغاربية

المصادر

تحميل المزيد