في شهر شعبان من عام 329 هجريّة، توارى محمد بن الحسن العسكري عن الناس تمامًا، بعد وفاة آخر سُفرائه أو وسطائه مع شيعته، علي بن محمد السمري. هذا التواري الثاني لابن الحسن العسكري ليس إلا امتدادًا لتواريه الأول منذ عام 260 والذي كان خلاله على اتصال مع من عُرفوا بالنواب أو السفراء، وهم 4 أشخاص متناوبين، بموت آخرهم أصبح الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري مُنتظرًا حتى آخر الزمان.

الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، يُؤمن بهذه الرواية الشيعية الاثنا عشرية عن “المهدي” إيمانًا شديدًا، لدرجة يمكن القول معها، إنها تحدد كثيرًا من تحركاته ودعواته. وليس نجادي وحده هكذا، إنما هو وآخرون ينطلق خطابهم العقدي والسياسي من غيبة المهدي ثُم ظهوره المرتقب، وفقًا لمعتقدهم. وبالجملة، يأخذ الشيعة الاثنا عشرية مذهبهم وما ينص عليه من غيبيات دنيوية على محمل الجد، كما تكشف تحركاتهم السياسية.

في يونيو الماضي (2015) تناقلت وسائل إعلام إيرانية مُقربة من دوائر صنع القرار، تصريحات للرئيس السابق أحمدي نجاد، قال فيها إنّ الدول الغربية تسعى جاهدة إلى اعتقال المهدي المنتظر. نجاد المحسوب على الجناح الأكثر تشددًا داخل منظومة الحكم الإيرانية، قال أيضًا إنّ الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبية، خطت خطوات حثيثة وسبّاقة في سبيل معرفة المكان الذي يتوارى فيه المهدي، فضلًا عن موعد ظهوره المنتظر.

بالإضافة لذلك، يزعم أحمدي نجاد أنّ أجهزة المخابرات الغربية قابلت عددًا من الشخصيات الإسلامية التي التقت سرًّا بالمهدي المنتظر، وجمعت منها كل المعلومات المطلوبة، ولا ينقصها سوى صورته لاعتقاله. كما اعتبر نجاد أن الهدف الخفي وراء ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) هو التشويش على المهدي وشيعته، بسبب وجود تقارب بين لفظيْ داعش والشيعة، ما قد يسبب خلطًا لدى الغرب حين يظهر المهدي ويقود الشيعة، بحسب قوله.

على الجانب الآخر، من جهة داعش، يزعم التنظيم أن حربه المفتوحة مع العالم، بما فيه من شيعة و”أنظمة كافرة” فضلًا عن الغرب، ودعوته الخاصة بـ”دولة الخلافة”، تأتي كخطوة ممهدة لظهور محمد بن عبد الله المهدي، وفقًا للرواية السنية. وهو أمرٌ مثيرٌ للاهتمام؛ أن كلا الطرفين اللذيْن يُناصبان العداء بعضهما البعض، يفعلان ذلك من أجل المهدي، كلٌّ وفق تصوره.

وبالعودة إلى أحمدي نجاد، يتضح أن حديثه المذكور عن المهدي لم يكن الأول له، فخلال فترة رئاسته المنتهية في أغسطس 2013، تردد على لسانه ذكر المهدي عدة مرات، بينها تصريحٌ أكد فيه على لقائه شخصيًّا بالمهدي، وآخر قال فيه إن هوجو شافيز، الرئيس الفنزويلي الراحل، يُعد واحدًا من أنصار المهدي المقربين. والآن يشدد نجاد، في خضم هجومه المتكرر على الحكومة الإيرانية الحالية، على أنّ حكومته كانت تسير على نهج ما أسماها بـ”دولة الإمام المهدي العالمية”.

يرى أحمدي نجاد أن حكومته كانتتسير علىنهج “دولة المهدي العالمية”

على ما يبدو إذًا فالمهدي “المنتظر” يُمثل كل شيء في رؤية أحمدي نجاد لنفسه وللآخرين وللعالم وما يجري فيه، وبناءً على ذلك، ثمّة تساؤل مُلح يطرح نفسه: في الجزء الأول من معجم أحاديث الإمام المهدي للعالم الشيعي علي الكوراني العاملي، يرِد حديث عن الرسول محمد خاص بإرهاصات ظهور المهدي، والتي من أبرزها أن تُملأ الأرض جورًا وظُلمًا، حتى إذا وصل الحال إلى أن “لا يجد المؤمن ملجأً يلتجئ إليه من الظلم”، يظهر حينها المهدي لـ”يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت ظُلمًا وجورًا”، إذًا يتضح أن ظهور المهدي مُرتبط لدى الشيعة الاثني عشرية بأن يعم الفساد أرجاء المعمورة، فكيف لأحمدي نجاد، الذي يعتقد أنه لمؤمن بنظرية “انتظار الظهور” والذي يرى أنه قريب ويدعو بـ”تعجيل فرجه”، أن ينخرط في عمل سياسي رئيسي ضمن سلطة دولةٍ تزعم أنّها تقوم على نفي مظاهر الظلم والجور والفساد التي كانت في عهد الشاه؟ الجواب ربما يكون في “الحُجّتية”.

في انتظار حُجّة الله المهدي

في أربعينات القرن الماضي اشتهر إمام مسجد عزيز الله الواقع جنوبي العاصمة الإيرانية طهران، بقدراته الخطابية التي جمّعت الناس من حوله. إنه محمود ذاكر زاده تولايي أو محمود الحلبي كما اشتهر. توفي محمود الحلبي عام 1997 عن عمر يناهز 80 عامًا، لكنه في أوائل الخمسينات، وحين كان ما يزال شابًا، انتقل من طهران إلى مدينة مشهد (مشهد علي الرضا)، وكانت البلاد آنذاك تموج باضطرابات سياسية على خلفية وصول محمد مصدق إلى رئاسة الوزراء وعزمه تأميم النفط الإيراني.

اقرأ أيضًا: عندما ساهمت الولايات المتحدة في تأسيس نظام ولاية الفقيه بإيران


بعد الانقلاب الذي دبرته المخابرات الأمريكية ضد محمد مُصدّق، عاد محمود الحلبي إلى العاصمة مرة أخرى مُعلنًا تأسيس “أنجمن حُجّتية” أو الجمعية الخيرية الحُجتية المهدوية، في الفترة ما بين عامي 1953 و1955. وثمّة خلاف بين العامين، فمن جهة يذهب البعض إلى أن التأسيس كان عام 1953 كهدية من الشاه محمد رضا بهلوي لأنصار الحُجّتية مُقابل دعمهم الانقلاب على مصدق، والذي كان من أبرز مظاهره تأليب الشارع الإيراني عبر تظاهرات مُدبّرة، كان للمعممين فيها دورٌ كبير.

من جهة أُخرى يُقال إن تأسيس الجمعية كان في عام 1955، وأن مُؤسسيها، وعلى رأسهم محمود الحلبي، لم يتورطوا في أي نشاط سياسي سابق أو لاحق على الانقلاب المدبر ضد مصدق، وهو ما تنفيه مُعظم الروايات التاريخية عن الجمعية، والتي تذهب أغلبها إلى أن للجمعية تاريخًا في النشاط السياسي السلبي كما سيتضح.

وعلى مدار السنوات ما بين تأسيسها وحتى قيام ما يُسمى بالثورة الإسلامية في إيران عام 1979، توسعت الجمعية في أعمالها التي شملت إنشاء مدارس ومشافي ودور أيتام ومؤسسات خيرية ودعوية في عدة مُدن إيرانية، فيما وصل أعداد المنضمين لها إلى نحو 12 ألف شخصٍ جميعهم يُؤمنون بما يؤمن به باقي الشيعة الاثني عشرية، من أن آخر الزمان سيشهد ظهور المهدي المنتظر، مع فارق صغير لكنّه جوهري، ألا وهو ما يُمكن تسميته بفصل الدين عن السياسة، وذلك في إطار التأكيد على فريضة “الانتظار”، أي انتظار ظهور المهدي المُحمّل بمهمة جلب العدل والقسط إلى الأرض.

لذلك يرى الحُجّتية أن أي سُلطان ديني، فضلًا عن السياسي، قبل ظهور المهدي، لا يُعتد به. وعلى هذا كان خلافهم مع أصحاب مذهب ولاية فقهاء عصر الغيبة، بخاصة نظام ولاية الفقيه على النمط الخميني. فإن كان أصحاب هذا المذهب يرون الفقيه/ المرجع الأكبر هو نائبٌ عن الأئمة الاثني عشر وخليفة خُلفاء الرسول محمد، وفقًا للمذهب الشيعي؛ فإن الحُجّتية لا يرون للفقيه ولاية سوى الولاية العامة لكل مُجتهد، وعلى هذا فإن الأصل عند الحُجّتية هو تعدد المرجعيات الدينية بتعدد المجتهدين أو الفقهاء، وذلك وفقًا لنص منسوب لمحمد بن الحسن العسكري الذي يقولون إنه المهدي المنتظر، يوضح فيه أنّه بعد غيبته الكُبرى، يُرجَعُ في “الحوادث الواقعة إلى رواة حديثنا، فإنهم حُجّتي وأنا حُجة الله عليكم”.

هذا ويرى رجل الدين الشيعي العراقي، إياد جمال الدين -يشغل الآن كُرسيًا في البرلمان العراقي، ويشتهر عنه دعمه نظام الحكم العلماني- أنّ نظام ولاية الفقيه المُطبق في إيران، ليس أصيلًا في المذهب الشيعي، بل “مستوردًا” من كتاب الأحكام السلطانية لأبي الحسن الماوردي، وهو واحد من أشهر فقهاء الشافعية السنة في العصر العباسي. كما يُوضّح جمال الدين أنّ المرجع عند الشيعة هو أي فقيه شيعي طبع ونشر رسالة علمية عملية، تضم اجتهاده الشخصي في الفقه من فتوى وآراء يأخذ منها الناس أحكامهم.

إياد جمال الدين، رجل دين شيعي لا يعترف بولاية الفقيه (المصدر: أ ف ب)

جمعية أعداء البهائية

لا توجد دلائل حول أي ارتباط يجمع ما بين إياد جمال الدين والحجتية، لكن ما نعلمه أن كليهما اشتركا في مبدأ فصل الدين عن الدولة، أو على الأقل في البدايات بالنسبة للحُجّتية التي نصّت لائحتها التأسيسية الصادرة مُنذ نشأتها، في عهد الشاه كما ذكرنا، على أنّه يحظر على الجمعية بصفتها الاعتبارية، وعلى أي شخص مُنضم لها، التدخل في الشؤون السياسية. وعليه عمدت الجمعية إلى جعل أعضائها يوقعون تعهدًا بعدم ممارسة أي نشاط من أي نوع يرتبط بالسياسة. وعلى كل حال، لا يبدو ذلك مُتناقضًا مع مذهب الحُجّتية بقدر ما هو مُعضد له.

في المُقابل، أخذ محمود الحلبي على عاتقه مُهمة التأكيد في كل محفل خاص وعام، على أنّ هدف جمعيته هو التصدي للدعوة البهائية التي كانت تلقى رواجًا بين شرائح من المجتمع الإيراني ذات تطلعات حداثية، الأمر الذي أدركته البهائية ولعبت على وتيرته كما ينبغي داخل إيران، بخاصة في قضية المساواة بين الرجل والمرأة، والتي تظل إلى الآن، محل جدل حاد وعقيم إلى درجة كبير.

ومما يُذكر في هذا الصدد، أن الرئيس الإيراني السابق، أحمدي نجاد، ورغم ما عُرف عنه من تضييق على حقوق المرأة، بخاصة مع أزمة قانون حماية الأسرة، كان قد أعلن في 2006 أنه يجب السماح للنساء بدخول مدرجات ملاعب كرة القدم ومشاهدة المباريات مثل الرجال. هذا التصريح من نجاد تسبب في موجة انتقادات حادة وُجهت له من قبل رجال الدين الشيعة، الذين رفض بعضهم لقاءه مدة طويلة على إثر ذلك التصريح.

وعلى الرغم من أصولهم الشيعية، لا تُعرّف البهائية كفرقةٍ من الفرق الإسلامية، وإنما يُصنفون ديانة خاصة، بعد أن خالفوا عقيدة ثابتة لدى المسلمين ألا وهي أن الرسول محمد هو خاتم الأنبياء والمرسلين، إذ يعتبر البهائيون أنّ بهاء الله أو حسين علي نوري، هو تجلٍّ من تجليات الله. وتُعد البهائية امتدادًا مُتطورًا للبابية التي زعم مُؤسسها، علي محمد رضا الشيرازي، أنّه المهديّ المنتظر. وهنا مكمن العداء بينهم وبين الحُجّتية.

إذا كان المهدي قد ظهر بالفعل وفقًا للبهائية، فلا معنى إذًا لما يُؤمن به الاثنا عشرية، وبالنسبة للحجتية كان ذلك غير مقبولٍ بالمرة. كما كان غير مقبولٍ أيضًا أن يتم التعرض للبهائيين بأي شكل من أشكال العنف البدني. لكن لا بأس بالتحرش اللفظي والتطاول عليهم في المحافل والطرقات، أو حتى حرق مقارهم إن تطلب الأمر. المهم ألا يُمسك بأحدهم مُتلبسًا بممارسة عنف بدني مُباشر ضد أيّ من البهائيين.

ورغم العلاقات القوية التي جمعت بين البهائيين والشاه محمد رضا بهلوي، إلا أنّ الأخير في المُقابل لم يحظر جمعية الحُجّتية أو يُضيّق عليها حتى، ما يعزز نظرية التدخل السياسي السلبي لهذه الجمعية في عصر الشاه، سواءً برفضها القاطع أيّ حراك مُعارض لسلطة الشاه انطلاقًا من عقيدتها، أو بمساهمتها في تدبير الانقلاب على محمد مُصدّق وحكومته.

ضريح علي محمد رضا شيرازي في حيفا بالأراضي الفلسطينية المحتلة

الحجتية والثورة الإسلامية.. صراع خلف الستار

مع قيام الثورة الإيرانية وسيطرة العمائم على مشهدها وعلى المشهد السياسي عامةً لاحقًا، انزوت الحُجتية على نفسها، قبل أن يُقرر محمود الحلبي الدفع بأعضاء جمعيته إلى إعلان تأييدهم المُطلق للثورة الإسلامية والانخراط في أنشطتها بما في ذلك الحرب الإيرانية- العراقية. بل إن الجمعية أعطت الولاء للخميني كمرشدٍ أعلى للجمهورية الإسلامية، وغيّرت في بنود لائحتها التأسيسية ليكون متاحًا لها ولأعضائها رسميًّا المشاركة في الشأن السياسي.

لكن، ورغم ما أقدمت الجمعية عليه لتندمج في المشهد الجديد، إلا أنّ قيادة الثورة الإسلامية كانت ما تزال ترى فيها تهديدًا كامنًا لا بد من القضاء عليه، فعمدت إلى تحريك كل أدواتها المتاحة للهجوم عليها، بمَنْ فيهم مِن رجال الدين المُقربين من المرشد الأعلى. بل إن الحرس الثوري نفسه أصدر كُتيبات ومنشورات تُهاجم مذهب الحُجّتية وتسمي أعضاءها بالقاعدين. أما الضربة القاضية فجاءت من طرف الخميني حين لفت في إحدى خُطبه، إلى من وصفهم بـ”ممارسي الأنشطة المُخالفة لأهداف الجمهورية الإسلامية”. كان واضحًا بالنسبة للحجتية، ولغيرهم، أن الخميني يقصدهم على وجه التحديد. ومع الضغوط المتوالية والهجوم الذي لا تنضب بئره، بادرت الجمعية بحلّ نفسها في يوليو 1983، بدعوى “الحفاظ على وحدة الأمة وتماسكها، واتباع تعاليم الإمام والمرجعية”، تقصد الخميني!

ظل ذكرها خافتًا على مدار السنوات اللاحقة، حتى وصل نجاد إلى سدة الحكم، ليُفتح ملف الحُجتية مرة أُخرى، وهذه المرة ليس بقيادة محمود الحلبي، بل بقيادة رئيس الجمهورية الإسلامية محمود أحمدي نجاد. وخلال سنوات حكمه، وعلى إثر ترديده لذكر المهدي المُنتظر في غير موقف، بينها مواقف قال فيها إنّه قابل المهدي بصورة شخصية؛ لاحقت أحمدي نجاد اتهامات باعتقاده في الحجتية، وبدأت كتابات تذهب إلى استمرار وجود أنصار هذا المذهب، لكن بصورة خفية داخل مفاصل الدولة الإيرانية.

ظهرت في 2011 بوادر أزمة داخلية بين أحمدي نجاد، والمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي، دفعت نجاد إلى التأكيد عدة مرات على التزامه بأوامر خامنئي وفقًا لما تنص عليه قواعد نظام ولاية الفقيه. لكن تأكيدات نجاد وفقًا لمراقبين، لم تكن كافية لرأب الصدع بين مشروعه ومشروع خامنئي، على الأقل من وجهة نظر من رأوا أن الأول يسعى في إطار نظريته المهدوية، إلى ترسيخ نظامٍ يُخالف نظام ولاية الفقيه.

وتقول التقارير التي تداولتها عدة وسائل إعلامٍ محلية وعربية ودولية، أنّ الصراع الذي ظلّ مُستترًا بين خامنئي ونجاد، ظهر له أثر حين أقال الأخير وزير المخابرات حيدر مصلحي، إذ تكشف التقارير عن أنّها جاءت كخطوة استباقية من نجاد لإزاحة رجال خامنئي من ساحة صناعة القرار، وأن هذه الإقالة جاءت باستشارة من صهر نجاد ونائبه إسفنديار رحيم مشائي، الذي تتردد الشائعات حول اعتقاده في الحجتية هو وغيره من رجال الدولة آنذاك، مثل آية الله أحمد جنّتي، رئيس مجلس صيانة الدستور.

عرض التعليقات
تحميل المزيد