2,158

اقتبست السينما العربيّة عن هوليوود كثيرًا من الأفلام على مر العقود، بعض منها فاز بحبّ الجمهور العربي أكثر من النسخ الأمريكية من الأفلام، والبعض كان حظه عاثرًا، ولم يلق سوى الرفض والسخرية من الجمهور والنقاد.

فيلم «جاءنا البيان التالي» وفيلم «طير إنت» فازا بحب الجمهور العربي، رغم قصتهما المقتبسة عن أفلامٍ أمريكية قدمتها هوليوود بشكل أكثر إبهارًا، هما: «I love trouble» و«Bedazzl».

الاقتباس عن هوليوود ليس جديدًا على السينما العربية، تلك تجربة خاضها فؤاد المهندس في فيلم مطاردة غرامية، حين اقتبس القصة عن فيلم أمريكي بعنوان What’s New Pussycat للمخرج والممثل الأمريكي وودي آلان.

خلال شهر شهر رمضان، عُرض مسلسل في اللالا لاند، بطولة الممثلة المصرية دنيا سمير غانم، وكانت القصة مقتبسة عن المسلسل الأمريكي Lost، الذي عُرض في عام 2004، وحقق نجاحًا جماهيريًا كبيرًا بالعالم العربي.

ولكنّ الاقتباس العربي من سينما هوليوود، ليس بالضرورة تقليلًا من شأن العمل الفني الذي يتم نسخه، والدليل على ذلك أن الكثير من الأفلام الأمريكية التي قدمتها هوليوود لجمهورها، وحققت نجاحًا ضخمًا؛ مقتبسة عن أفلام أوروبية وآسيوية مغمورة.

«مدينة الملائكة».. التجربة الألمانية

الفيلم الأمريكي City Of Angels الذي أنتج عام 1998، من بطولة ميج رايان ونيكولاس كيدج، وأخرجه براد سيلبرلينج، مأخوذ عن الفيلم الألماني Wings of desire، تأليف وإخراج المخرج الألماني فيم فيندرس، وتدور أحداث الفيلم، في إطار خيالي رومانسي، حول ملاك يقع في غرام طبيبة من عالم البشر، ويضحِّي بكينونته الملائكية، ويتحوَّل إلى بشر، من أجل أن تراه – الطبيبة – وتحبه.

فيم فيندرس، مخرج النسخة الألمانية من الفيلم، له تاريخٌ حافل من الإنتاج الفني المتميِّز، الذي أهله للفوز بثلاث جوائز بمهرجان كان، والعديد من الجوائز بمهرجاناتٍ عالمية، إلى جانب الترشح ثلاث مرات لجائزة الأوسكار، وله مكانة مميزة بين صناع الأفلام المحترفين منذ نهاية الثمانينيات، ويتعامل شباب المخرجين مع أفلامه باعتباره مرجعًا فنيًّا بصريًّا لهم.

ولكن على المستوى التجاري والجماهيري، فأفلام المخرج الألماني ليست لديها الجماهيريَّة الواسعة التي يحظى بها براد مخرج النسخة الأمريكية من الفيلم، خاصة وأن الأخير قام بإخراج فيلم الكارتون Casper، بجانب فيلم City of Angels في نسخته الأمريكية، التي وزعتها وروجت لها أستوديوهات هوليوود بشكل ناجح.

الجدير بالذكر أن فيم هو مخرج فيلم Paris, Texas، وهو الفيلم الذي ترشح لجائزة أفضل فيلم بالجولدن جلوب عام 1985، وتم عرضه سينمائيًا في مصر منذ بضعة أعوام في إطار بانورما الفيلم الأوروبي،. لكنّ تلك النوعية من العروض لا يحضرها سوى المهتمين بصناعة السينما بشكل احترافي، ولذلك يعتبر فيلم City of Angels في نسخته الأصلية الألمانية، مجهول بالنسبة للجمهور العربي.

«فيلم رومانسي رائع، من وجهة نظر عميقة، صالحة للعالم الذي نحياه»، هكذا كان رأي ديفيد ستراتون الناقد السينمائي والرئيس السابق لمهرجان سيدني السينمائي، عندما تحدّث عن النسخة الألمانية من الفيلم. كما أكَّد الناقد جوناثان روزنباوم إن الفيلم «واحد من إبداعات فيم فيندرس المذهلة»، على الجانب الآخر يرى الناقد روبين كليفورد إن النسخة الأمريكية من الفيلم، حاولت تقديم تجربة رومانسية تنفض الغبار عن الواقع المادي الذي نعيشه، ولكن صُنّاعه فشلوا في ذلك، أمَّا موقع «روتين توميتوز» – الذي يقوم بتجميع المقالات النقدية الخاصة بأي عمل فني، من أجل الوصول إلى تقييم نهائي للعمل بالنسبة المئوية – قيّم النسخة الأمريكية بـ 59 % والنسخة الألمانية بـ 98%. ولكن كان للإيرادات رأيٌ آخر لا يتفق مع الرأي النقدي.

حين عُرضت النسخة الألمانية من الفيلم، كان التوزيع السينمائي لها محدودًا، ولذلك كانت إيرادات الفيلم، 3 مليون دولار، ولكن عندما صنعت هوليوود النسخة الأمريكية، صاحبتها دعايات عالمية وجعلت من فيلم City of Angels أيقونة للرومانسية، واقتربت إيرادات الفيلم من 200 مليون دولار أمريكي.

Fathers’ Day.. الأب الأمريكي في مواجهة الأب الفرنسي

شارك الممثل الفرنسي جيرارد ديبارديو في بطولة الفيلم الكوميدي Les comperes، الذي عُرض في فرنسا عام 1983 وكان من إخراج فرانسيس فيبر، ودارت أحداث الفيلم حول سيدة تبحث عن ابنها المراهق، بعد أن تشاجر معها ورحل عن المنزل، فتستعين برجلين من ماضيها، وتخبر كل منهما أن هذا الشاب المراهق؛ يكون ابنه ولذلك عليه أن يبحث عنه، وفي نهاية الفيلم يدركون أن الشاب ابن للسيدة من زوجها الحالي، وما قالته لهم كان مجرد حيلة حتى تستطيع العثور على ابنها بشكل أسرع، من خلال مساعدتهم.

في عام 1997 قرر المخرج الكندي إيفان ريتمان أن يقدم النسخة الأمريكية من الفيلم بعنوان Fathers’ Day، وايفان واحد من أهم مخرجي الأفلام الكوميدية بهوليوود، وحققت أفلامه نجاحًا عالميًا، مثل سلسلة أفلام Ghostbusters، و No Strings Attached.

قام ببطولة النسخة الأمريكية من الفيلم روبين ويليامز وبيلي كريستال، واستطاع الفيلم الوصول إلى المجتمعات العربية، ولكنه لم يصل لمكانة الأفلام الكوميدية الأخرى التي قام ببطولتها النجم روبين ويليامز مثل فيلم Mrs. Doubtfire، أو كما عُرف للجمهور العربي بـ«مغامرات بابا الشغالة»، كما أن النقاد بهوليوود لم يحتفلوا بالنسخة الأمريكية من الفيلم، وصرحوا بأنّ الفيلم لا يستحق المشاهدة، وما جعله محتملًا؛ هو التناغم الذي يجمع روبين وبيلي، وحصل الفيلم في نسخته الأمريكية على تقييم أقل من 30 % بموقع روتين توميتوز، ومنح المشاهدين النسخة الفرنسية من الفيلم على موقع IMDB؛ ثلاث درجات أعلى من تقييم النسخة الأمريكية، ليكون التصنيف النقدي والجماهيري لصالح الفيلم الفرنسي، وعلى الرغم من ذلك، الفيلم الأشهر هو نسخة هوليوود.

الجدير بالذكر أن تجربة الاقتباس من المخرج والسيناريست الفرنسي فرانسيس فيبر تكررت مرة أخرى، عندما قدمت هوليوود النسخة الأمريكية من الفيلم الفرنسي Le dîner de cons في عام 2010، بعنوان Dinner for Schmucks، وقام ببطولته الممثل الكوميدي ستيف كاريل.

The Departed.. سكورسيزي يقتبس من هونج كونج

في عام 2006، أخرجت هوليوود فيلم The Departed إلى العالم، وكان من إخراج مارتن سكورسيزي، وبطولة ليوناردو دي كابريو، وجاك نيكلسون، و مارك والبيرج، وقد حقق الفيلم نجاحًا جماهيريًا، وفاز بأربعة جوائز أوسكار، منهم جائزة أفضل مخرج، ودارت أحداث الفيلم حول الكواليس التي تحدث داخل عالم الشرطة والمباحث الفيدرالية من خلال مغامرة تجمع بين شرطي متخفّ وضابط خائن.

ولكن هل تعلم أن الفيلم الأمريكي؛ مقتبس عن فيلم Mou gaan dou أو Infernal Affairs، الذي تم إنتاجه عام 2004 بهونج كونج؟

ظهور اسم المخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي، يذيل طاقم عمل نسخة هوليوود من الفيلم، ضمن لها الدعاية اللازمة للنجاح، وهذا لما يملكه سكورسيزي من قاعدة شعبية، بين المهتمين بالفن السينمائي وحصل سكورسيزي على ثقتهم من خلال أفلام مثل The Aviator، Casino، وGangs of New York، بينما كان «واي كيونج لو» مخرج النسخة التي أنتجتها هونج كونج مجهولًا مقارنةً بسكورسيزي.

استطاع سكورسيزي، من خلال نسخته الأمريكية للفيلم، أن يضع بصمته الإخراجية على الصورة، والتقطيع، ليمنح الفيلم هوية أمريكية، ولكنه في ذات الوقت لم يقم بطمس النسخة التي كتبها صناع الفيلم الأصلي بهونج كونج، مما جعل نسخة هوليوود من الفيلم متقنة فنيًا وبصريًا، وإذا استطاعت هوليوود أن تروج لبعض النسخ الأمريكية المقتبسة من أفلام أوروبية بشكل غير ناجح -من وجهة نظر النقاد-، سيكون من السهل أن تضع فيلم The departed على قائمة أفضل أفلام الإثارة و«الأكشن» في العالم، خاصة مع الدعم النقدي الذي أوضح أن هذا الفيلم «من أفضل الأفلام التي قدمها سكورسيزي».

وعلى الرغم من وجود بعض الاعتراضات النقدية على الفيلم، والتي ترى أن النسخة الأصلية من الفيلم أفضل من نسخة هوليوود، إلا أن الإجماع كان في صالح سكورسيزي بنسبة 90% من المقالات النقدية التي كتبت عن الفيلم، وهذا وفقًا لقاعدة بيانات موقع «روتين توميتوز»، إلى جانب الدعم الجماهيري من خلال تقييم المشاهدين على مواقع روتين توميتوز وIMDB ، والذي زاد عن 90% لكلا الفيلمين.

ولكن، دعونا «نتحدث بالمال» كما يقول الشعب الأمريكي: نسخة هوليوود من الفيلم حصدت إيرادات وصلت إلى 300 مليون دولار أمريكي، بينما حصدت نسخة هونج كونج 55 مليون دولار. وبالطبع علينا أن ندرك أن تساوي الفيلمين في الجودة، لن يجعل هوليوود تتنازل عن الغنيمة المالية من الإيرادات، باعتبارها جائزة صريحة على احترافية هوليوود في التوزيع الفني، وصناعة النجوم.

كوجي سوزوكي.. من اليابان إلى هوليوود

فيلم الرعب الأمريكي The Ring، أنتجته هوليوود عام 2002، ووزعته لجميع أنحاء العالم، حتى تحوَّل إلى سلسلة ناجحة من أفلام الرعب من بطولة الممثلة ناعومي واتس، وإخراج غور فيربينسكي، صاحب سلسلة أفلام قراصنة الكاريبي الشهيرة.

ولكن سلسة أفلام The Ring يابانية الأصل، وقامت هوليوود باقتباس قصتها، وأعادت إنتاجها وتوزيعها بشكل أوسع وأكثر احترافية بالتسويق.

الكاتب الياباني كوجي سوزوكي هو المسؤول عن إثارة رعب الآلاف من المشاهدين، بصورة الفتاة ذات الجلباب الفضفاض القصير، والشعر الأسود الطويل الذي يغطي وجهها، وهي تخرج من شاشة التلفاز، بخطوات بطيئة تتوعد بقتلك. كتب سوزوكي رواية تنتمي إلى أدب الرعب، وتحمل نفس الاسم في عام 1991، استرعت تلك الرواية اهتمام المخرج الياباني هيديو ناكاتا، وقام بتحويلها إلى فيلم سينمائي عام 1998 بعنوان Ringu.

جاءت آراء العديد من النقاد سلبية تجاه النسخة الأمريكية من الفيلم، ووصفوها بأنها مخيبة للآمال، وخالية من الشعور، وشوهت النكهة الأصلية للرواية والنسخة اليابانية من الفيلم، مما جعلها مثيرة للسخرية لا للرعب.

بينما ظهرت بعض الآراء الحرة المساندة لنسخة هوليوود وتؤكد أنها تفوقت على النسخة اليابانية من خلال الاستغلال الجيد للتكنولوجيا المتطورة في صناعة السينما، ولكن حين يعود الأمر إلى الأغلبية؛ فالمشاهدين والنقاد منحوا النسخة اليابانية ضعف تقييم النسخة الأمريكية، ولكن الإيرادات، ما زالت ثابتة على موقفها، منفصلة عن طبيعة الجودة الفنية للفيلم، متكئة على قدرات هوليوود المميزة في تسويق أفلامها وتوزيعها عالميًا.

وفي نفس عام عرض the ring في حلته الهوليوودية، قامت السينما اليابانية بتحويل رواية جديدة من روايات سوزوكي المرعبة إلى فيلم يحمل نفس اسم الرواية Honogurai mizu no soko kara، أو Dark Water ، وسرعان ما نظرت هوليوود إلى ورق زميلتها اليابانية، وقدمت فيلمًا بنفس الاسم عام 2005 قامت ببطولته الممثلة الأمريكية جنيفر كونيلي.

لماذا تجني هوليوود الإيرادات الأعلى؟

الميزانية التي تضعها هوليوود من أجل التسويق والسيطرة على الوعي العام؛ قد تكون أكثر من الأموال المصروفة على إنتاج الفيلم ذاته. جملة من مقال لأحد أساتذة التسويق بالولايات المتحدة

يهتم صناع أفلام هوليوود بالتسويق باعتباره عنصرًا أساسيًّا من عناصر إنتاج الفيلم، ويدركون أن التجديد والابتكار؛ هما الوسيلة الأضمن للنجاح والبقاء على قمَّة «شباك التذاكر»، وبالنظر إلى الدعاية التي استخدمتها هوليوود من أجل تسويق الجزء الثاني من فيلم الكارتون Monster Inc. أو شركة
المرعبين المحدودة؛ سندرك أن البقاء على القمة يحتاج إلى المجهود والابتكار.

Monster University هو الجزء الثاني للفيلم الذي حقق نجاحًا مذهلًا بالعالم العربي، وقد قام الممثل المصري محمد هنيدي بالبطولة الصوتية للفيلم، وكانت هوليوود تهدف إلى نجاح هذا الجزء بنفس القدر الذي حققه الجزء الأول، ولذلك جعلت من جامعة المرعبين – الجزء الثاني- واقعًا ملموسًا على الواقع الافتراضي الذي نحياه، ومثل أي جامعة أخرى، أسست هوليوود موقعًا إلكترونيًا على «الإنترنت»؛ يسمح لأي شخص أن يتصفحه ويتعرف على كيفية الانضمام للجامعة، والاطلاع على ملفات الطلاب والمدرسين.

«كُن في كل مكان!» هي أحد الاستراتيجيات المهمة التي تتبعها هوليوود في التسويق لمنتجاتها، وهو ما طُبق في التسويق لفيلم Despicable Me، وشخصيات الـ Minions، وضعت هوليوود تلك الشخصيات في كل مكان أثناء الحملات الدعائية للفيلم بالتعاون مع ماكدونالدز، وأمازون، والعديد من الشركات الأخرى التي تستهدف الأطفال والمراهقين، إلى جانب نشر الملصقات الدعائية للفيلم بجميع الشوارع والطرقات.

بعد عرض الفيلم في عام 2015، وبسبب تلك الدعاية، حصد الفيلم ما يزيد عن بليون دولار أمريكي، لينضم إلى قائمة الـ10 أفلام الأعلى بالإيرادات على مستوى العالم.

بشهادة الباحثين والمتخصصين في صناعة السينما، تتربع هوليوود على عرش الإبهار البصري، بتلك الأداة – وبمساعدة المؤثرات الصوتية، تقدم للجمهور قصة قد تكون خالية من العمق الفلسفي، أو حتى مكررة عن أصل أوروبي غير ناجح جماهيريًا؛ بشكل مبهر قادر على غزو العالم وحبس أنفاس مشاهديه.

ومن بعد التطور التكنولوجي الذي شهده العالم، استطاعت هوليوود أن تطور من تقنيات العرض السينمائي، مثل العرض ثلاثي الأبعاد والـ Imax، بغرض الاستفادة القصوى من عنصر الإبهار البصري، الذي تصدره هوليوود إلى جميع أنحاء العالم من خلال أفلامها.