«وستغسل يا نهر الأردن وجهي بمياه قدسية، وستمحو يا نهر الأردن آثار القدم الهمجية» هكذا غنَّت فيروز لمياه نهر الأردن المُقدسة التي يحج إليها آلاف الحُجاج المسيحيين، الذين يلتمسون بركة المياه التي لامست جسد المسيح وفقًا لمُعتقدهم.

ونهر الأردن، أحد المسطحات المائية التي يحج إليها ملايين الحجاج ويغمرون أنفسهم بمياهها طلبًا للبركة وتحقيق الآمال، أو أملًا في غفران الذنوب ومحو الخطايا، ليس فقط، يُمكنك أن تجد أيضًا أنه خلال جائحة كوفيد-19 زار بعض الحجاج المسيحيين آبارًا مُقدسة في أيرلندا لطلب الحماية من المرض الذي لا يستطيع أحد أن يجد له علاجًا. خلال السطور التالية يُمكنك التعرُّف إلى ثلاث من المياه المُقدسة التي يحج الآلاف والملايين إليها.

الحج إلى آبار أيرلندا المُقدسة.. من الوثنية القديمة إلى المسيحية

رغم أن الحجاج المسيحيين يحجون حاليًا إلى آبار أيرلندا، فإن العديد من هذه الآبار والطقوس المُرتبطة بها تعود إلى عصور ما قبل المسيحية. وفقًا لموقع الثقافة والعادات الأيرلندية، ترتبط هذه الآبار بالديانة السلتية الوثنية، وهي ديانة تسبق المسيحية. كان يُنظر إلى هذه المياه على أنها بوابات للعالم الآخر لدى السلتيك.

Embed from Getty Images

وفي الأسطورة الأيرلندية، تُصوَّر الآبار والينابيع على أنها نشأت في العالم الآخر، ذلك البُعد الموازي الذي يتمتع سكانه بالقدرة على التحكم في القوى الطبيعية لهذا العالم. ومن مصادر موجودة بالعالم الآخر، تتدفق المياه إلى عالمنا لملء الينابيع، أو تتدفق أكثر وتُكوِّن الأنهار. ترتبط هذه المسطحات المائية في المُعتقد الأيرلندي القديم ارتباطًا وثيقًا بالآلهة، فكان يُعتقد أن الشرب من هذه المياه المُقدسة أو الاستحمام فيها من شأنه أن يمنح قوة العالم الآخر في شكل إلهام شعري، أو حكمة، أو شفاء. المسيحيون أيضًا قدَّسوا هذه الآبار وبنوا الكنائس في محيطها.

منذ حوالي 60 عامًا، زعم مسح أن هناك ما يصل إلى 3 آلاف بئر مقدسة في أيرلندا، وهو عدد يفوق أي بلد آخر في العالم، ورغم تراجع شعبية الحج إلى الآبار المُقدسة في السنوات الأخيرة. فإن  العديد من الأشخاص خلال أزمة فيروس كورونا الحالية زاروا عددًا من هذه الآبار المقدسة للحماية من الوباء.

تتراوح آبار أيرلندا المُقدسة من الينابيع التي تجذب عددًا صغيرًا من الزوار، مثل بئر الأحد وبئر ماري، إلى مواقع أكبر وأكثر شهرة تستقبل المئات، إن لم يكن الآلاف، من المؤمنين سنويًّا، وعادةً ما ترتبط الآبار المُقدسة بقديس أو شخصية مقدسة.

يُحج إلى هذه الآبار في أعياد القديس المُرتبط بكل بئر، فيزور الناس الآبار، ويؤدون طقوسًا، ويشربون ماء الآبار، ويأخذون جزءًا منها بعيدًا لمباركة المنازل والمزارع، أو المرضى. وغالبًا ما يتلون سلسلة من الصلوات، ويمكن أن يترك الحجاج في البئر تماثيل دينية، وشموعًا وبطاقات تذكارية، وغيرها من الحاجات الشخصية، التي ترمز إلى النوايا والأدعية والرغبات المُقدَّمة للقديس أو الشخصية الروحية، فقد تنظر العروس في المياه آملة في إيجاد حظها السعيد، أو قد يستحم بالمياه أحد المُقعدين على أمل الشفاء.

الحج إلى نهر الغانج.. حيث يغتسل الهندوس من ذنوبهم

يعتقد بعض الهندوس أن مياه نهر الغانج تدفقت من السماء لتطهير البشر. في بعض الأحيان يجري تمثيل النهر في شكل أنثوي لأن العديد من الهندوس يُشيرون إليه باسم «الأم جانجا» أو «هي».

Embed from Getty Images

هناك مواقع مختلفة على طول نهر الغانج تجتذب ملايين الحجاج. ويعتقد العديد من الهندوس أن الماء من أي مكان على نهر الغانج يستطيع أن يُنقي ويُقدس، والاستحمام فيه يغفر الخطايا، ويُقام مهرجان كومبه ميلا الهندي في اتحاد أنهار الغانج ويامونا وساراسواتي الأسطوري، والاغتسال وقت المهرجان يجلب الخلاص أو التحرر من دورة الولادة والموت، ويُمكِّنك من تحقيق السمو الروحي.

خلال مهرجان كومبه ميلا يقود مئات من الرجال المُقدسين الحجاج في الطريق نحو النهر، لينغمس ملايين الهندوس، بقيادة رجال دين عراة إلا من سترة على الوسط، ومنهم من يخلع تلك السترة ليكون عاريًا تمامًا مُحتفظًا فقط بعقود من الخرز وبتلات الزهور كذلك يكونون مُلطخين بالرماد، في نهر الغانج.

يستحم الحجاج مُحاولين غسل التعب والذنوب عن أجسادهم، ويملأون العديد من الحاويات الصغيرة بمياه الأنهار، لإعادتها إلى المنزل وإعطائها للأصدقاء والعائلة الذين لم يتمكنوا من الحضور.

يُقام المهرجان أربع مرات كل 12 سنة، بالتناوب بين أربعة مدن.  ويستغرق المهرجان نحو 55 يومًا، ويُعد مهرجان كومبه ميلا العظيم، أكبر تجمع للبشرية لغرض مشترك في أي مكان في العالم، فيحضر المهرجان ما يزيد على المائة مليون حاج.

المهرجان الاحتفالي يحمل وراءه أسطورة هندوسية تقول إن الإله فيشنو، وهو الإله الأعلى في الهندوسية، كان يحمل قارورة ذهبية تحتوي على رحيق الخلود من الشياطين، وخلال 12 يومًا من الصراع على الوعاء بينهم سقطت أربع قطرات من الرحيق إلى الأرض في المدن الأربعة التي يجري الاحتفال بالمهرجان فيها، لذلك يجري الاحتفال والتبرك بهذه المدن تحديدًا.

الحج إلى نهر الأردن.. «بقعة المعمودية» المقدسة

يجب أن يمر الحجاج المسيحيون خلال طريقهم إلى الأرض المُقدسة، بـ«موقع المعمودية»، أو المغطس، على ضفتي نهر الأردن، وذلك إحياءً لذكرى معمودية يسوع المسيح على يد يوحنا المعمدان، بحسب المعتقدات المسيحية. وفي عيد الغطاس يحتفل المسيحيون بذكرى هذه المعمودية، والتي تُشكل لحظة أساسية في حياة المسيح، وتمثل حدثًا حاسمًا في الكنيسة المسيحية.

Embed from Getty Images

ويعد نهر الأردن عند المسيحيين، مياهًا مقدسة؛ بسبب أنه بقعة المعمودية، وقد اجتذب لعدَّة قرون الحجاج من جميع أنحاء العالم، ومع ذلك، تعرض النهر على مدى عقود من الزمن لاعتداءات الاحتلال الإسرائيلي.

ولقرون طويلة، قطع الحجاج المسيحيون مسافات طويلة للانغماس في مياه النهر؛ إذ يتدفق ما يقرب من مليون زائر سنويًّا إلى مواقع المعمودية في فلسطين والأردن ليتبعوا خطى المسيح.

ويرى الكتَّاب المسيحيون الأوائل أن غمر المسيح في نهر الأردن جعل مياه النهر مُقدسة، فبات يُنظر إلى نهر الأردن على أنه «نهر الحياة» النموذجي، وقد أصبح الموقع الذي عمد فيه يوحنا يسوعًا في نهر الأردن موقعًا مهمًّا للحج من القرن الرابع الميلادي.

وقد سجل العديد من الكتاب زياراتهم لهذا المكان، بما فيهم الجغرافي ثيودوسيوس، الذي وصف عمودًا رخاميًّا يعلوه صليب حديدي أقيم في المكان الذي يُعتقد أن يسوع قد تعمد فيه، وكتب عن كنيسة القديس يوحنا المعمدان، التي بناها الإمبراطور أناستاسيوس، والتي قال عنها إنها «تقف على أقبية كبيرة مرتفعة بما يكفي، حذرًا من أوقات الطوفان لنهر الأردن».

مجتمع

منذ سنة واحدة
بعيدًا عن «كعبة المسلمين».. مواقع «مقدسة» يتوافد عليها الحجيج حول العالم

كذلك يأتي المرضى وذوو الإعاقة إلى نهر الأردن بهدف الشفاء، منذ قرون طويلة، فيقول القسيس يعقوب في أواخر القرن الحادي عشر: «في عيد الغطاس، يأتي الأشخاص المُصابون بالشلل والمرضى، ويستخدمون الحبال لتثبيت أنفسهم، وينزلون ليغطسوا في النهر، وكذلك النساء اللاتي لا يُنجبن ويأملن في الإنجاب»، ويحمل الحُجاج المسيحيون بعضًا من مياه النهر لأولئك الذين اشتد عليهم المرض ولم يتمكنوا من القيام بالرحلة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد