“كنت أفضل السجن الفعلي عن المنزلي، في المنزل لا أستطيع الحركة ولا الخروج إلى الساحة أو باب المنزل، أرى أصدقائي يلعبون وأنا محبوس بالدار.”

هذا ما قاله طفل فلسطيني في الرابعة عشر من العمر فرضت عليه قوات الاحتلال الإسرائيلي ما يسمى بـ”الحبس المنزلي” الذي يُجبَر فيه الشخص على عدم الخروج من بيته حتى إلى مصلحة هامة كالمستشفى أو المدرسة بل يتحول الأهل مضطرين إلى سجانين بفعل قرارات الاحتلال التي ترهبهم.

في القدس على وجه التحديد نال “الحبس المنزلي” من الرجال والنساء والأطفال، فالأطفال الذين اعتقلت منهم قوات الاحتلال خلال العام الماضي نحو 300 طفل، خضع %48 منهم للحبس المنزلي بعد اعتقال فعلي، بينما واجه %23 من هذه الحالات الحبس المنزلي المفتوح بمعنى أنهم لا يُبَلغون عن الوقت الذي يتمكنون فيه من متابعة دراستهم وأعمالهم أو أية نشاطات أخرى.

ولشرعنة هذا الإجرام أصدر الاحتلال أيضًا قرارًا قضائيًا بفرض الحبس المنزلي على الطفل في منزل آخر خارج منطقة سكناه، بل أن الاحتلال يرغم أهل الطفل في حالة مخالفة قرار الحبس على التوقيع على دفع مبلغ 65 ألف شيقل أخرى (الدولار يعادل 4 شيقل). إضافة إلى وجود ما يسمى ” قيد إلكتروني” الذي يضمن وجود رقابة الكترونية تتم بواسطة شركة خاصة للتأكد من عدم خرق شروط الاعتقال.

حبس في غير بيته !!

طفلة في فعالية لمناصرة الأسرى

في العام الماضي لم تكتفِ قوات الاحتلال باعتقال الطفل صهيب الأعور (15 عامًا ) وتعذيبه طيلة 30 يومًا، بل فرضت عليه حبسًا منزليًا بعد اتهامه برشق الحجارة والمولوتوف على جنود الاحتلال، و أبعدته من بيته إلى بيت جدته في جبل المكبر لمدة 4 شهور، فضلاً عن فرض غرامة مالية عليه، حيث دفعت عائلته نحو 18 ألف شيقل نقداً (الدولار يعادل شيقل)، وأرغمت عائلة الطفل على أن توقع على دفع مبلغ 65 ألف شيقل أخرى في حال خرق ابنها “قوانين الحبس المنزلي”.

في السجن تعرض صهيب لضغط نفسي وضرب مبرح وحجز في زنزانة، وحرم من النوم ومن زيارة المحامي وذويه، كما حرم من الطعام وتسبب ذلك في خسارته 10 كيلوغرامات من وزنه خلال شهر، وبعد أن انتهت فترة الحبس والإبعاد عند جدته، فرض الاحتلال على الفتى صهيب، الحبس في سجن آخر، كان هذه المرة في منزله الكائن في سلوان، ولكن بعد تحركات من العائلة، سمحت سلطات الاحتلال لصهيب بالذهاب لمدرسته على أن ترافقه والدته في رحلة ذهابه وإيابه، ثم اعتقله الاحتلال مرة أخرى من موقف الباصات (وهو برفقة والدته) بعد مغادرته المدرسة، متهماً إياه هذه المرة بـ”خرق قانون الحبس المنزلي، ومحاولة ضرب مستوطن”!!

طفل مريض

قوات الاحتلال تعتقل طفلًا فلسطينيًا

يتنصل الاحتلال الإسرائيلي بالحبس المنزلي من المعاهدة الخاصة بحقوق الطفل من العام 1989، التي وقع عليها والتي توجب عدم اعتقال قاصرين، لذا لم يسلم الطفل المريض أحمد أبو رومي (14 عاماً)، بعد اعتقاله 6 أيام من فرض الحبس المنزلي عليه، فلم تُخلِ قوات الاحتلال سبيله إلا بعد أن اشترطت الحبس المنزلي لمدة أسبوع، والتوقيع على كفالة مالية قدرها 5 آلاف شيكل، كما منع من الحديث مع أصدقائه أو إخبارهم بمواد التحقيق.

وتقول أمه أن محكمة الاحتلال وافقت على الإفراج عن ابنها، بسبب سوء وضعه الصحي حيث يعاني من مرض “الثعلبة”، مؤكدة أنه تعرض للضغط النفسي والتخويف خلال جولات التحقيق المتواصلة بتهمة “إلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة في الأقصى”، كما تم تهديده باعتقال والده في حال عدم الاعتراف.

كما حرم الحبس المنزلي الفتى المقدسي سلمان أبو سبيتان (17عامًا) من الالتحاق بامتحاناته في الثانوية العامة والتي بدأت قبل أيام كونه يقضي حكمًا إسرائيليًا بالحبس المنزلي لمدة سبعة شهور.

سياسة قبيحة

قوات الاحتلال تعتقل مجموعة من أطفال القدس

يصف رئيس لجنة أهالي الأسرى أمجد أبو عصب الحبس المنزلي بـ”سياسة قبيحة” تستخدمها سلطات الاحتلال للتخفيف عن كاهلها من أعداد الأسرى داخل السجون، ولتحطيم نفسية الأسير وأهله بحكم أنهم أسرى معه.
ويوضح أبو عصب في حديث لوكالة “صفا” الفلسطينية أن هذه السياسة تعود بشكل سلبي على الأهل، وهي بمثابة كابوس يهدد أمن العائلة، خاصة عندما يأتي أفراد من شرطة الاحتلال لتفقد الأسير بالمنزل، ويقول: “للحبس تأثير سلبي على الأسرى، وخاصة الأطفال الذين يتعرضون لاضطرابات نفسية صعبة تحطم معنوياتهم، نتيجة عدم خروجهم من المنزل، وممارسة حياتهم كبقية الأطفال، حتى الأهل قد يصلوا إلى مرحلة الضغط وعدم التحمل، كما ويشكل عبئًا ماديًا كبيرًا على الأسرة، خاصة إذا كان الأسير متزوجًا”.

ويشير أبو عصب إلى أن بعض المؤسسات تلقت دعمًا من الأوروبيين لتنفيذ برامج تأهيل ودعم للأطفال الذين تعرضوا للحبس المنزلي، وهناك مؤسسات تزور بعض الأطفال في منازلهم، منوّهًا إلى وجود تقصير كبير من قبل المؤسسات والسلطة الفلسطينية وحتى الفصائل حيال الأسرى.

تضاعف الحالات

طفل مقدسي أثناء فترة الحبس المنزلي أرشيف

أكد أحد أهم المراكز المعنية بشؤون الأسرى في تقرير حقوقي أن الحبس المنزلي تضاعف خلال الشهور الأخيرة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وذكر مركز “أسرى فلسطين للدراسات” أن سلطات الاحتلال فرضت منذ بداية العام الحالي فقط ما يزيد عن 50 أمرًا بالحبس المنزلي طالت أطفالًا ونساءً وبالغين، منهم 40 حالة في القدس لوحدها.

وأشار التقرير إلى أن هناك نوعين من الحبس المنزلي، أولها فرض المكوث في البيت بحيث لا يستطيع الطفل الخروج منه بشكل مطلق حتى لو كان للمدرسة، ومنهم من فرضت عليه الحبس في منازل أقارب لهم بعيدًا عن منزله ومنطقة سكناه، وهذا النوع أصعب من الأول حيث يشتت العائلة  ويفرض على الطفل أو البالغ الحياة مع أشخاص لم يألف العيش بينهم بشكل مباشر كذويه.

ويوضح الباحث في المركز رياض الأشقر أن الاحتلال يستهدف الأطفال بشكل خاص بالحبس المنزلي كون اعتقالهم أمر ليس بالهين حسب القانون الدولي، ويضيف: “هذا لا يعني بأن الاحتلال يستثني من الحبس المنزلي باقي الشرائح، حيث طال الحبس المنزلي النساء الفلسطينيات”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد