لطالما ارتبطت «المثلية الجنسية» في أذهاننا بالبشر وميولهم الجنسية، لكن هذا الأمر ليس موضوع تقريرنا اليوم؛ فاليوم نحن نتحدث عن الممارسات المثلية في الحيوانات والتي حيَّرت العلماء المتخصصين لفتراتٍ طويلة؛ لأنه مع تطور علم الحيوان (Zoology)، وقدرة البشر على مراقبة الحياة اليومية لجميع أنواع الحيوانات؛ استطعنا أن نرصد العديد من الممارسات المثلية بين ما يزيد على 1500 نوعٍ من الحيوانات، الأمر الذي وضع سؤالًا محيرًا أمام العلماء!

إذا كانت الحيوانات تمارس الجنس بغرض التكاثر فقط، فلماذا تمارس تلك الأنواع الكثيرة من الحيوانات ممارسات مثلية لن ينتج منها أي عائد على مجتمع نوع الحيوان ككل؟ في هذا التقرير نرصد لك الإجابات والنظريات التي توصل لها العلم حتى الآن.

عدم تفويت فرصة التكاثر: في البدء كان الظلام!

في عام 2011 استطاع العلماء المتخصصون في دراسة الكائنات البحرية؛ رصد الحياة الجنسية للحبار، واستطاعوا معرفة أن هذا الكائن البحري يمتلك ذكوره عضوًا ذكريًّا طويلًا يضع من خلاله حيواناته المنوية في أنثى الحبار مثل معظم الكائنات الحية، لكن في واحد من أنواع الحبار التي تعيش في أعماق المحيطات؛ لاحظ العلماء أن هناك العديد من الممارسات الجنسية المثلية بين ذكور هذا الكائن البحري، وكان لهذا تفسير من وجهة نظرهم.

هذا التفسير لن يكون بعيدًا عن السبب الأصلي الذي كان في ذهن العلماء عن الممارسات الجنسية بين الحيوانات، وهو التكاثر، ففي هذا العمق من المياه، والذي قد يصل إلى 800 متر، يكون الظلام هو المسيطر على حياة تلك الكائنات، ورغبة الحبار في التكاثر والحفاظ على النوع؛ تدفعه لممارسة الجنس مع أي حبار يقابله حتى لا يفوت فرصة أن يكون أنثى، وهذا لأن فترة اكتشاف النوع الآخر إذا كانت أنثى أم لا، قد تضيِّع من يده فرصة التكاثر وتمرير جيناته، فتكون فرصة أفضل في التكاثر ونقل جيناته إذا مارس الجنس مع أي حبار يقابله في الظلام قبل أن يحدد نوعه. لكن هل هذا هو السبب الوحيد؟

الممارسات المثلية في الحيوانات..«مارس الحب لا الحرب»

على مر السنوات المنصرمة استطاع الإنسان رصد العديد من الممارسات المثلية في حياة القرود، وقد وجد العلماء أن قرود البونوبو من أكثر القرود التي تظهر الممارسات المثلية في أفعالها، وعادة ما يتبع هذا الحيوان مبدأ «مارس الحب وليس الحرب»؛ فيلجؤون لتسوية الخلافات فيما بينهم بممارسة الجنس، ونسبة كبيرة من تلك القرود لديها ميول جنسية مزدوجة، حيث تتزاوج بشكل طبيعي مع الجنس الآخر وتنجب أطفالًا، بينما تمارس الجنس المثلي لأغراض اجتماعية.

ثلثا النشاطات الجنسية المثلية التي تحدث بين هذا النوع من الحيوانات تكون بين الإناث منهم، وتميل تلك القرود إلى إظهار متعتها بشكل واضح أثناء النشاطات الجنسية المثلية من خلال إطلاق صيحات متعة عالية.

وعلى الرغم من أن قرود المكاك من الحيوانات التي تختار شريكًا واحدًا للتزاوج والتكاثر، فقد جرى رصد العديد من النشاطات المثلية بين الإناث والذكور فيما بينهم؛ إذ تقوم الإناث بتحفيز الأعضاء التناسلية لبعضهن بعضًا مع أصوات عالية مصاحبة للوصول للنشوة، بينما يقوم الرجال بقضاء ليلة واحدة مع نظيره المثلي فيما يسمى لدى البشر بجنس الليلة الواحدة.

حيوانات تعيش في النور ولا تحتاج للسِلم وتمارس المثلية الجنسية!

الممارسات المثلية في عالم الحيوان منتشرة في أنواع كثيرة كما ذكرنا سلفًا، وليس كلها يعيش في أعماق البحار حيث الظلام، أو في مجتمعات تحتاج لعقد معاهدات سلام من أجل علاقات أفضل، وسنخبرك الآن ببعض الأمثلة قبل أن نناقش سبب ممارستها للجنس المثلي من خلال الدراسات التي أجراها علماء الحيوانات بغرض استكشاف الأمر.

على سبيل المثال ظاهرة المثلية الجنسية بين الزراف منتشرة بوضوح بين الذكور منهم أكثر من الإناث؛ إذ يمكنك أن تجد واحدًا من بين 20 من الزراف يمارس نشاطات جنسية مثلية؛ إذ يقوم ذكر الزراف بمداعبة الذكر الآخر في رقبته كما يحدث قبل التزاوج مع الإناث، وتستمر تلك المداعبة ما يقرب من ساعة قبل أن ينخرطوا في نشاطات جنسية مثلية.

كما أن ذكور دلافين أنف الزجاجة بشكلٍ عام يمارسون الجنس مع الإناث والذكور طوال الوقت، لكن في بعض الأحيان يختارون أن يكونوا مثليين فقط، وتتمثل تلك الممارسات المثلية في الجنس الفموي بين الإناث، واحتكاك القضيب المنتصب في جسد الشريك بين الذكور.

الممارسات المثلية في الحيوانات

كذلك يعد 2% من الأزواج بين البجع مثليي الهوية الجنسية، وما يقرب من ربع عائلات البجع يعيش أطفالها مع أبوين مثليين يظلو سويًّا لأعوامٍ عديدة، في بعض الأحيان، بعد أن تضع الأنثى البيض من شريكها الذكر، يطردها ويرعى هو البيض بدونها مع شريكه المثلي.

و31% من إناث الباتروس بجزر الهاواي تعيش مع شريكة حياة أنثى، وقد جرى رصدهن يمارسن حياتهن الطبيعية ويعيشن في عش واحد كأي زوجين من البشر ويقبلن ويداعبن بعضهن بعضًا، ورصدت هذه النشاطات المثلية لطائر الباتروس في مناطق عديدة أخرى غير جزر الهاواي مثل نيوزيلندا، ويعد طائر الباتروس من الحيوانات المعمرة، ويلاحظ وجود صغار مع تلك الإناث، ولكن لم يتم إثبات هل تلك الصغار متبناة أم قاموا بولادتها بأنفسهن.

بجانب الكثير من الأمثلة الأخرى التي تؤكد الممارسات المثلية في الحيوانات، بل الحياة الزوجية المثلية أيضًا، فلماذا يمارس الحيوان جنسًا مثليًّا لن يكون هناك من ورائه تكاثرٌ أو بقاءٌ للنوع؟ هنا اضطر علماء الحيوان لطرح سؤالٍ مهم وهو: هل تشعر الحيوانات بالمتعة الجنسية؟

المتعة الجنسية في عالم الحيوان.. هل لها وجود؟

هل سبق وتساءلت عن طبيعة الحياة الجنسية لدى الحيوانات، ماذا يشعرون عند ممارسة الجنس؟ هل يستمتعون برعشات الأورجازم مثل البشر؟ أم أنهم يمارسون الجنس من أجل التكاثر فقط؟

على عكس البشر؛ الحيوانات لا تستطيع أن تخبرنا بما تشعر به بالضبط أثناء ممارسة الجنس، وهل يشعرون برعشات الأورجازم أم لا، ولذلك هذا أمر لا يمكن الجزم به، لكن يعتقد الخبراء أنه في معظم الأحيان، يشعر الذكور على الأقل بالأورجازم أثناء ممارسة الجنس بدليل واضح وهو القذف الذي يؤدي إلى التكاثر؛ إذ إنه من الصعب أن يحدث قذف دون أن يشعر من يقذف بالأورجازم.

وعلى الرغم من أن معظم إناث الثدييات يوجد في جسدها بظر، وهو مصدر المتعة لدى الأنثى في البشر، فربما تشعر إناث الثدييات بالأورجازم بمداعبة هذا البظر، ولكن بما أن الأورجازم الأنثوي البشري ما زالت تدور حوله دراسات حتى الآن فكيف يمكن أن نتأكد من الأورجازم الأنثوي لدى الحيوانات؟

علوم

منذ 3 شهور
فيل يصادق كلبًا وثعبان يصاحب فأرًا! كيف تنشأ صداقة الحيوانات؟

في دراسة أُجريت  على القرود في أوائل الثمانينيات جرت ملاحظة بعض الأعراض الجسدية التي قد تثبت أن إناث القرود يشعرن بالأورجازم أثناء ممارسة الجنس مثل توتر العضلات، وانتفاخ البظر، وتوسع المهبل، وسرعة التنفس، وتشنجات الساق، وبعض تعبيرات الوجه مثل انقلاب الشفة للخارج وبروز اللسان.

أحد العلماء، والذي كان يعمل على رسالة الماجستير الخاصة به، والتي تناقش الأورجازم عند إناث الشمبانزي، أثناء كتابة الرسالة الخاصة به، اضطر لأن يحفِّز القرود الإناث من خلال بظرها بيده ليعلم تأثير هذا فيها وفي النشوة الجنسية، بالطبع لم تكن تجربة هينة، لكنها أثمرت عن تأكيده بأن القرود الإناث تستمتع بتلك الاستثارة وفيما يقرب من 10 مرات كانت إناث القرود تسمح له بإكمال مهمته حتى تبدأ أعراض الأورجازم في الظهور عليها.

دليل آخر على أن الممارسات المثلية في الحيوانات، تحدث من أجل المتعة فقط، هو انتشار ممارسة الجنس الفموي بين بعض الحيوانات على سبيل المداعبة في طقوس الزواج مثل الضباع والفهود والماعز وخفافيش الفاكهة، ويُعتقد أن هذا الطقس يساعد على إطالة الفترة الزمنية في الجماع بين الذكر والأنثى.

وفي النهاية، للإجابة عن السؤال المطروح، يمكن القول إن التفكير المنطقي الذي يمكن بناؤه على تلك الحقائق السابقة هو أن الحيوانات تستمتع بممارسة الجنس بالفعل، وقد تلجأ إليه للمتعة فقط، لكن حتى الآن لا يوجد إثبات علمي واضح منشور في هذا الشأن.

وبذلك نرى أن ممارسة الجنس المثلي لدى الحيوانات قد يكون أيضًا بغرض التكاثر ونقل الجينات مثل الحبار الذي لا يريد أن يفوت فرصة تزاوج مثمر في الظلام ليمارس الجنس مع أي حبار يقابله، أو لأغراض أخرى أكثر تطورًا مثل توطيد العلاقات الاجتماعية، والسبب الأحدث على الإطلاق الذي اكتشفه العلماء كما ذكرنا سلفًا؛ من أجل المتعة فقط.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد