ميرفت عوف 3
ميرفت عوف 3

4,285

معاداة، واضطهاد، وتعذيب، ونفي، هي جملة من المصطلحات التي استخدمتها وسائل الإعلام الأمريكية والغربية عند الحديث عن أوضاع المثليين في الشيشان، معتبرة أن الرئيس الشيشاني «رمضان قديروف» هو من يقف وراء ذاك النهج، حتى إنه حرض ذوي المثليين على التعامل معهم ضمن إطار «جرائم الشرف».

وبينما يطالب العالم الرئيس الروسي بوتين بالضغط على الحكومة الشيشانية الموالية له، بهدف التراجع عن اضطهاد المثليين، تظهر معلومات عدة أن سياسة «قديروف» متوافقة إلى حد كبير مع موسكو التي تعادي بشكل شائع المثليين على أراضيها، بل وأشارت بعض التقارير إلى أنها عملت معه على ابتزاز بعضهم وإرسالهم للقتال في سوريا، فيما دُفِع آخرون للخروج من الشيشان هربًا من الاضطهاد.

هل عذب «قديروف» المثليين في الشيشان؟

«إن التهمة الوحيدة التي وجهوها هي أنني مثلي الجنس، لم أتمكن من المشي، كنت على يقين من أنهم سيقتلونني، وكنت أستعد لذلك»، هذا ما قاله الشيشاني «لابونوف» الذي اعتبرته صحيفة «واشنطن بوست» من ضحايا «تطهير المثليين» في الشيشان.

رجل مثلي الجنس من الشيشان (المصدر: أب).

ويضيف «لابونوف» عن معاناته خلال 12 يومًا في الاعتقال: «ألقيت في زنزانة غارقة بالدماء، كنت أسمع صراخًا وأصوات أسرى آخرين يتلقون ضربًا وحشيًا كلما استجوبهم الضباط»، ويتابع: «ضربوني بعصا فترة طويلة، في الساقين والضلوع والأرداف والظهر، وعندما بدأت في السقوط، قاموا بسحبي وحملوني».

السبق الأول في الكشف عن أوضاع المثليين في الشيشان كان لصحيفة «نوفايا غازيتا» الروسية، فقد أكدت أن السلطات الشيشانية شنت في أبريل (نيسان) الماضي حملة منظمة ضد المثليين، وقامت باعتقال أكثر من 100 شخص وتعذيبهم، وتحت التعذيب قُتل ثلاثة منهم، وشددت الصحيفة على أن المثليين أو المتحولين وخاصة الرجال منهم يعانون من اضطهاد قديروف وتتم ملاحقتهم وتوقيفهم والاعتداء عليهم، وشبه مركز الاعتقال الذي اعتقلوا فيه بـمراكز الاعتقال النازية.

ونقل عن الصحفية الروسية «إيلينا ميلاشينا» التي أعدت التقرير تأكيدها أن: «المعتقلين تعرضوا للتعذيب، كما تم إجبارهم على إعطاء أسماء مثليين جنسيًا آخرين من الأوساط التي يرتادونها، فيما أُفرِجَ عن آخرين مقابل فدية أو لعدم كفاية أدلة تدينهم»، مضيفة: «هناك مركز اعتقال في مبنى عسكري سابق في مدينة أرغون، في شرق الشيشان، بمثابة معتقل سري»، كما نقلت شبكة «بي بي سي» تأكيدًا بـ«مثول عدد من المثليين الرجال في جمهورية الشيشان ذات الأغلبية المسلمة في جنوب روسيا أمام المحكمة».

يقول مدير حملة الدفاع عن المثليين في «هيومن رايتس ووتش»، بوريس ديتريتش لـ«فرانس24»: «الناس يخشون على حياتهم، الكثير منهم حاولوا الفرار، آخرون انتقلوا إلى مناطق في روسيا، لكن تبقى حلولًا مؤقتة غير آمنة، هؤلاء الناس يحتاجون إلى المساعدة للخروج من الشيشان وروسيا في أقرب وقت ممكن».

«قديروف» ينظف «شرف الأسرة بالدم»

«خذوهم بعيدًا عنا.. لا نريدهم بيننا.. من أجل تنقية دمائنا فإن كان أحد منهم هنا فخذوهم»، جاء طلب الرئيس الشيشاني «رمضان قديروف» بنقل الرجال الشيشان مثليي الجنس إلى كندا، بعدما استمر فترة لا بأس بها ينفي وجودهم في الشيشان.

الرئيس الشيشاني مع الرئيس الروسي.

بل وصل الأمر لطلب «قديروف» – حسب صحيفة «إندبندنت» البريطانية – من الأهالي أن يقوموا بقتل أبنائهم المثليين، وإلا فإن الدولة ستتدخل، ونُقل عن أحد الشواذ الشيشان قوله إن الحكومة طلبت من: «الأهل أن يقتلوا ابنهم المثلي، بغية تنظيف شرف الأسرة بالدم».

لم تكن التصريحات السابقة علنية، لكن كشفت عنها شهادات الناجين من اضطهاد «قديروف»، فيما كان ما أعلن عنه مباشرة بعد تحقيق الصحفية الروسية، وتحديدًا في الثاني والعشرين من أبريل (نيسان) 2017، عندما قال إنه «لا يوجد رجال مثليون في الشيشان، هذه ليست أشياء تقليدية، أشياء غير طبيعية نفسيًا، نحن لا نفهمها، شعبنا لا يفهمها»، الأمر الذي اعتبره الغرب وضع مثليي الجنس خارج معايير الثقافة والتقاليد الشيشانية.

الأمر ذاته سار عليه رجال حكومة قديروف، فالمتحدث باسم وزارة الداخلية في الشيشان، اعتبر أن: «اتهامات الصحيفة كذبة أبريل، فلا وجود لمثليي الجنس في الشيشان»، لكنه استدرك القول: «وإذا وجد مثل هؤلاء الناس، فإن السلطات لن تتحمل مسؤوليتهم بما أن عائلاتهم سترسلهم إلى مكان لن يعودوا منه».

احتجاجات تضامن مع المثليين.

لكن بعد شهر تقريبًا، غير «قديروف» موقفه تحت وطأة ردة الفعل العالمية المستنكرة لما يحدث، فأبدى استعداده لمقابلة صحافي فنلندي مهتم بحقوق المثليين، سبق وطرح سؤالًا بشأن أوضاع المثليين في الشيشان، وذلك استجابة لطلب المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية،ماريا زاخاروف، بتنظيم زيارة لهذا الصحفي للشيشان، فقال «قديروف»: «أنا مستعد دائمًا لتلبية طلب ماريا زاخاروفا، لكن لا أفهم لمَ علينا، أنا رئيس جمهورية الشيشان وماريا زاخاروفا، المتحدثة باسم الخارجية الروسية، أن نقوم بما يجب على الصحفيين أنفسهم فعله؟ تنظيم الصحافيين وتوجيههم ودعوتهم إلى الموضوعية والاستقلالية».

ولاءً لموسكو.. «قديروف» يعادي المثليين!

بالرغم من أنها لا تعتبر المثلية الجنسية خللًا عقليًا بشكل رسمي، إلا أن معاداة المثليين أمر شائع في الأراضي الروسية، ففي العام الماضي صدر قانون وصف بأنه «فضفاض من الناحية الفعلية»، يحظر القانون الترويج للميول الجنسية غير التقليدية، ويعتبر توفير المعلومات عن المثلية الجنسية لمن هم دون الثامنة عشرة من العمر جريمة.

لافتة مناهضة لموقف الرئيس الروسي من المثليين.

«قديروف» المتعهد بالولاء المطلق لموسكو، والذي قال سابقًا إنه: «مستعد للموت من أجل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين»، كان مستعدًا أيضًا لاتباع النهج الروسي ذاته مع المثليين في أراضيه، ووصل الأمر لابتزازهم ومن ثم دفعهم نحو
القتال في سوريا ضمن القوات الروسية، فذكرت صحيفة «Meduza» أن موسكو تجند شيشانيين مثليي الجنس، وتستشهد الصحيفة بقصة الشيشاني «رسلان» الذي قال إن عملاء من جهاز الأمن الاتحادي الروسي، ابتزوه بشريط فيديو يكشف عن علاقته الحميمة مع رجل آخر، وقد هددوه بفضح أنه مثلي الجنس، إذا رفض القتال في سوريا.

ولذلك وضعت الدول الغربية بوتين في وضع المسئول عن ظروف المثليين في الشيشان، وطالبته بأن يعلن أن العنف بسبب الميول الجنسية أو الهوية الجنسية غير مقبول، وأن على بوتين «استخدام نفوذه لحماية الأقليات» كما قالت المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل»، ودفع «قديروف» على التراجع، وقد أجبر الجدل الدائر حول ملاحقة المثليين بوتين على الانخراط شخصيًا استجابة للانتباه السلبي الذي لقيه الموضوع في الإعلام الدولي.

الرئيس الشيشاني والروسي (المصدر: الحياة اللندنية).

وتصر وسائل الإعلام الغربية على اتباع «قديروف» سياسات معادية للمثليين منذ عام 2013، وذلك بالتوازي مع تدهور أوضاعهم بشكل كبير في روسيا، ولذلك اعتبرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» أن قديروف: «فعل ذلك بمباركة الكرملين التي أعطته العنان للانخراط في أي انتهاكات لحقوق الإنسان وقمع اختاره، وفي ظل قيادة قديروف، استخدم المسؤولون عن إنفاذ القانون والأمن في الشيشان الاحتجاز غير القانوني والتعذيب والعقوبة الجماعية والإذلال العلني وغير ذلك من الانتهاكات ضد العديد من غير المرغوب فيهم، وفي ربيع عام 2017، استهدفت تحديدًا الرجال المشتبه في أنهم مثليو الجنس».

قديروف خصم الإسلام السياسي يقصي المثليين

«لا يتمتع بالهيبة الدينية أو الشخصية التي كانت لأبيه»، وصف جاء في إحدى برقيات السفارة الأمريكية عن «قديروف الابن»، لتُظهر تحركاته فيما بعد أنه يدرك حقيقة الفروق بينه وبين والده، فيحاول جاهدًا الحصول على الجاذبية الدينية والأيديولوجية التي كان يتصف بها والده مع اختلاف أهداف تلك الجاذبية لدى «قديروف الابن».

لم يكتفِ «قديروف» بإظهار «الإسلام الصالح» في بلاده ذات الأغلبية المسلمة، ولا بالظهور على الشاشات وقد اغرورقت عيناه بالدموع وهو يستمع لخطيب مسجد «قلب الشيشان» في العاصمة غروزني عن معاناة مسلمي ميانمار، أصر أن يظهر كذلك باعتباره رجلًا يمثل «الإسلام المعتدل»، متماشيًا مع القناعات الروسية والخليجية بأهمية تأسيس تحالف استراتيجي مع الصوفية للحد من تأثير ما يعرف بـ«الإسلام السياسي».

ويعد خير مثالٍ على تحركات «قديروف»، المؤتمر الذي عقده في أواخر أغسطس (آب) 2016 – بدعم من الكرملين – لتحديد المفهوم لـ«أهل السنة» حيث أخرج المؤتمر السلفية والوهابية وجماعة الإخوان المسلمين من تعريف أهل السنة، واعتبرها «فرقًا طائفية دخيلة على السنة»، ولينطلق «قديروف» في تحسين صورته في العالمين العربي والإسلامي بخطاب متناقض يسيّس الدين تحت ذريعة عدم تسييسه، ويسعى نحو نهج يُحل «التصوف السياسي» محل الإسلام السياسي، وهي خطوات تتزامن مع توظيف الرئيس الشيشاني للمآسي والأزمات توظيفًا سياسيًا يرضي الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين»، سواء بإرسال قواته لتنفيذ المزيد من الجرائم ضد الشعب السوري، أو بتنفيذ الأجندة الروسية المناهضة للمثليين.