1,948

خفتت – خلال الأيام الماضية – الحملة التصعيدية من جانب أجهزة الأمن المصرية، وتراجعت الأصوات الإعلامية المقربة منها، عن توزيع قائمة الاتهامات حيال الحركة الفلسطينية من جانب الأجهزة الأمنية والقضائية الرسمية التي تزامنت مع تصعيد إعلامي حيال الحركة سابقًا يتهمها بالضلوع في عمليات إرهابية.

وكان اللواء «مجدي عبدالغفار» وزير الداخلية المصري، قد أعلن في مطلع مارس (آذار) الماضي، عن مسؤولية حركة «حماس» عن اغتيال النائب العام المصري «هشام بركات» في يونيو (حزيران) العام الماضي، والتي تزامنت مع صدور حكم من  محكمة مصرية قضت باعتبار حركة المقاومة الإسلامية «حماس» الفلسطينية «منظمة إرهابية».

وكانت مسألة  تفعيل التنسيق بين الحركة  وجهاز المخابرات العامة المصرية، عبر استضافة وفد من قيادات حماس، في شهر يوليو (تموز) الماضي، قبل أن يعود وفد جديد الشهر الحالي في الزيارة الأولى لإسماعيل هنية، رئيس مكتب حماس، وتنتهي الزيارة بتسريباتٍ صحافية عن فتح مكتب دائم للحركة في القاهرة، ودور حماس في إمداد الجانب المصري بمعلومات مهمة عن العناصر التكفيرية في سيناء، واحتمالية توسيع التنسيق بين كلا الجانبين.

يرصد التقرير الحالي أسباب هذا التحول الكبير في علاقة السلطات المصرية مع حركة حماس،  وكيف انتهت العلاقة الثنائية بين الجانبين لهذا الود والاحتفاء الذي توضحه البيانات الرسمية الصادرة عن الحركة الفلسطينية.

النظام المصري وحركة حماس

المخابرات العامة تنتزع صلاحياتها المفقودة ومُعسكر «الصقور» يتوارى

في 21 ديسمبر (كانون الثاني) 2014، صدر قرار جمهوري بتعيين خالد فوزي، رئيسًا جديدًا للمخابرات العامة المصرية، خلفًا لمحمد فريد التهامي، الذي تباينت تفسيرات الإطاحة به من منصبه الذي شغله عامًا و3 شهور منذ قرار تعيينه في ولاية الرئيس المؤقت عدلي منصور، وسعت بعض المصادر الأمنية إلى تسريب معلومة مفادها أن تدهور حالته الصحية هي السبب الرئيس للإطاحة به من داخل الجهاز السيادي.

يبدو تسريب تدهور صحته لتبرير الإطاحة به أمرًا مرتبًا بعناية من جانب السلطات الرسمية للتشويش على الأسباب الحقيقية، التي تطابق ذكرها في  تقريرين منشورين بجريدة «الشروق» المصرية، ونيويورك تايمز، واللتين أوضحتا أن أسباب الإقالة، حسب مصادر داخل الجهاز السيادي، لها علاقة بتغييرات في بنية السلطة نحو تحجيم نفوذ معسكر الصقور داخل الأجهزة بفعل ضغوط إقليمية، وتململ قيادات الجهاز السيادي من أسلوب «التهامي»، الذي لم يخدم داخل المخابرات العامة طيلة خدمته بالمؤسسة العسكرية، ولم يعهد طريقة الجهاز السيادي في إدارة الملفات الإقليمية والداخلية.

التهامي، الذي أجري مقابلة وحيدة مع محرر صحيفة «واشنطن بوست»، ديفيد إغناتيوس، خلال رئاسته للجهاز، بمكتبه على مدار أربع ساعات كاملة، ووصفه المُحرر بأنه «مُعلِّم السيسي»، كونه رئيسه السابق فى المخابرات الحربية، وأحد أهم رجالات النظام الحاكم». ويصفُه المقرّبون منه داخل الجهاز السيادي بأنه أحد المحسوبين على معسكر الصقور داخل السلطة، ممّن دفع بضرورة  قمع كُل الحركات الحقوقية، وقطع العلاقات مع حركة حماس، والقضاء على منظَّمات المجتمع المدني، ويصف ثورة 25 يناير في أحاديثه الدائمة بـ«كارثة يناير».

تنكشف توجهات «التهامي» حيال الحركة الفلسطينية في التصريحات التي نقلها عنه الصحافي الأمريكي ديفيد إغناتيوس، وذكر فيها رئيس المخابرات آنذاك «بأنهم لا يتعاملون مع قطاع غزة على أساس أنه كله حماس، مؤكدًا علي مسألة أن الحركة الفلسطينية كانت فى العام السابق الطفل المدلل لنظام الإخوان».

وألمح التهامي بشكل غير مباشر لتورُّط عناصر من حركة حماس في المُشاركة في عملياتٍ إرهابية، حين ذكر في المقابلة الصحفية الأولى له أن «أتت بعض العناصر الإرهابية الموجودة فى سيناء – وهي العناصر التى حضرت إلى مصر قبل هذه الثورة – بالتعاون مع العناصر الإرهابية التى أفرج عنها محمد مرسى؛ مما ساهم في زيادة العلمليات الإرهابية».

النظام المصري وحركة حماس

تتأكد توجُّهات التهامي نحو مسعاه بتغيير جذري في بنية وتركيبة الجهاز السيادي بسلسلة قرارات جمهورية بعزل عاملين في جهاز الاستخبارات بدأت في 2 ديسمبر (كانون الأول) 2013، حين أحيل للتقاعد 10 ضباط بـ«المخابرات العامة»، «بناء علي رغبتهم». أمّا المرة الثانية فكانت في 2 يوليو (تموز) 2014، حينما صادق «السيسي» على إحالة 14 وكيلًا من المخابرات العامة للمعاش؛ لأسباب تتعلق بمحاولة تنحية الجناح الذي يخالف طريقته في التفكير.

وتزامن تنصيب التهامي رئيسًا للجهاز بتدهور نوعي في علاقة الحركة السياسية التي تمتّعت دومًا بخصوصية في علاقتها مع المخابرات العامة طيلة عهد الرئيس السابق محمد حسني مبارك، واحتفظت قيادتها دومًا بتقدير واحتفاء «لعمر سليمان» رئيس الجهاز السابق، في أحاديثهم الإعلامية، ودوره اللافت في «وقوفه ضد أية محاولة تستهدف حركة حماس، فكان هو من أمر بإحالة التعامل مع الملف الفلسطيني من جهاز أمن الدولة، الذي أداره لسنوات طويلة، إلى جهاز المخابرات العامة»، حسب تصريح سابق للقيادي بالحركة موسى أبومرزوق لموقع «القدس العربي».

لا ينفصل التحول من  حالة شيطنة الحركة، وقطع كافة الاتصالات بين الأجهزة الرسمية مع قادتها، عن تنحية التهامي، وإحلال محله فوزي، الذي تدرج داخل الجهاز منذ أن كان نقيبًا، ويُدرك بنية وعقيدة الجهاز في التعامل مع الملفات الإقليمية، وعلى رأسها أهمية التواصل مع الحركة وقادتها للتنسيق بينها في أكثر من ملف، ويأتي على رأسها الملف الأمني.

الانفراجة في ملف «حماس»: عادت الاتصالات بتعيين «فوزي»

بدأت الانفراجة في ملف حماس وجهاز المخابرات العامة المصرية بتنصيب خالد فوزي رئيسًا للجهاز؛ فعادت الاتصالات السرية بين قادة الحركة، وقادة الجهاز للتباحث بشأن التنسيق الأمني، وخفتت الحملة الإعلامية حيال شيطنة الحركة، وتراجعت الأصوات الإعلامية القريبة من الأجهزة الأمنية عن قائمة الاتهامات الجاهزة التي اعتادت اتهام قادة الحركة بها مع كل حادثة إرهابية.

قرار تعيين فوزي، الذي خدم في جهاز المخابرات برتبة نقيب، قبل أن يُصبح رئيسًا لهيئة الأمن القومي، وهي إحدى أذرع الجهاز المخول لها مواجهة النشاط المعادي في الداخل، وتعيين نائب له وهو اللواء محمد طارق عبدالغني، الذي كان مسئؤلًا عن هيئة الخدمة السرية، وهي ذراع الجهاز لضبط أي نشاط معادي حيال الدولة في الخارج، يحمل دلالة عن استعادة الجهاز السيادي سلطاته، وتماسكه أمام محاولات التغيير السابقة في بنيته وعقيدته.

أدَّى تعيين خالد فوزي رئيسًاً جديدًا للجهاز السيادي لحالة انفتاح في العلاقة بين الحركة والجانب المصري، خلافًا لما كان قائمًا في الفترة التي تلت تنصيب السيسي رئيسًا للجمهورية، وذلك عبر عودة الاتصالات التليفونية بين كلا الجانبين، قبل أن ينعقد اللقاء الرسمي الأول في مارس (آذار) العام الماضي، بعدما عبرت مجموعة من أعضاء المكتب السياسي للحركة (محمود الزهار، وخليل الحيّة، وعماد العلمي، ونزار عوض الله، وموسى أبو مرزوق) معبر رفح، لتنتقل في سيارات تابعة للمخابرات العامة، وتجتمع مع مسؤولين لبحث العلاقات بين الجانبين. أعقب ذلك الاجتماع اتصال هاتفي بين رئيس المخابرات العامة المصرية، خالد فوزي، ورئيس المكتب السياسي بحركة حماس، خالد مشعل.

وتبع ذلك اللقاء اتصالات رسمية  بين قادة الحركة وجهاز المخابرات العامة المصرية، قبل أن يعاود وفد الحركة إلى مصر، في الرابع من يوليو (تموز)  الماضي، لزيارة مصر برئاسة رئيس «حماس» في قطاع غزة يحيى السنوار وعدد من مسؤولي «حماس». التقوا خلال الزيارة التي استمرت ثمانية أيام، قادة المخابرات العامة المصرية، وفي مقدمهم الوزير اللواء خالد فوزي، قبل أن يترأس اسماعيل هنية، رئيس الحركة وفد من أغلب قادة مكتب الحركة، في أول زيارة خارجية للقاء قادة الجهاز منذ أسبوع، ولا تزال مستمرة دون إعلان رسمي عن نهايتها.

النظام المصري وحركة حماس

وعبرت البيانات الرسمية لحركة حماس بعد سلسلة اللقاءات عن تقديرها لمساعي السلطات المصرية، ودورها اللامحدود في دعم القضية الفلسطينية.

مكاسب مشتركة: دعم مالي لغزة وتحجيم «أبومازن» مقابل ضبط الحدود المصرية

تحقَّقَ للسلطات المصرية مكاسب من وراء إعادة فتح قنوات اتصال مع حركة حماس تمثَّلت في إعادة ضبط الحدود المصرية، ومنع تسلل العناصر التكفيرية لقطاع غزة، فضلاً عن إمداد جهاز حماس الأمني معلومات استخبارتية عن تموقع العناصر التكفيرية داخل سيناء والمدن الحدودية للسلطات المصرية، ومحاولة إعادة رسم خارطة لنفوذ الحركات والشخصيات الفلسطينية داخل الشأن الفلسطيني.

وحسب مصادر أمنية داخل حركة حماس، تحدثت لجريدة الشروق المصرية، فالحركة زودت أجهزة الأمن المصرية بتفاصيل اتصالات بين عناصر إرهابية فى سيناء وقطاع غزة تضمنت معلومات عن أنشطة الإرهابيين فى سيناء.

وأكدت المصادر أنّ «الحركة تدرك صعوبة الظرف الأمني الراهن بالنسبة للجانب المصرى فى سيناء، مشددة فى الوقت ذاته على قيام الحركة بجهد كبير لمنع تسلل أى عناصر متطرفة إلى سيناء من قطاع غزة، وأن الإجراءات الأمنية على الشريط الحدودى يتم مراجعتها بشكل شبه يومى مع الجانب المصري».

وتحقّق هذا التعاون بشكل عملي من خلال شروع وزارة الداخلية في القطاع، والتي تتبع حركة حماس، بإقامة منطقة أمنية عازلة على طول الحدود المصرية الفلسطينية بعمق 100 متر وعلى طول 13 كيلومترًا، تنفيذًا لتفاهمات جرت بين قادتها والمخابرات المصرية منذ شهرين.

كما سعت السلطات المصرية لانتزاع مكسب من الحركة، لاتزال تساوم الجانب المصري في تفاصيله، وهو إعادة القيادي الفلسطيني المفصول من حركة فتح «محمد دحلان» للداخل الفلسطيني، ورسم دورًا نافذًا له، خصوصًا بعد الرفض القاطع من جانب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، أي دور لدحلان، خلال لقائه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وعدم قبول أبو مازن للطلب المصري بالتوقف عن خطته لمعاقبة غزة في أبريل (نيسان).

التوتر في علاقة الرئيس الفلسطيني والسلطات المصرية تجلي في الاستقبال المتدني لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، في مطار القاهرة في 8 يوليو (تموز)، من جانب وزير الكهرباء المصري محمد شاكر ومسؤولين أمنيين، وسط غياب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، في مشهد دال عن حجم التوتر الملحوظ بين الجانب المصري وأبو مازن.

النظام المصري وحركة حماس

بينما نجحت حركة حماس من تحقيق مكسَب من وراء إعادة علاقاتها مع الجانب المصري من خلال تخفيف الحصار علي قطاع غزة عن طريق إدخال السولار المصري إلى قطاع غزة في 21 يونيو (حزيران) الماضي لتشغيل محطة الكهرباء الوحيدة في غزة، فضلًا عن الشروع في تأسيس منطقة تجارية بين قطاع غزة ومصر بعد ترميم معبر رفح، تسمح بدخول السلع المطلوبة والأفراد.

وتُقدر كمية السولار المصري التي تدخل بشكل يومي لقطاع غزة ما بين مليون إلى مليون ونصف مليون لتر من السولار في اليوم الواحد، يذهب ما بين 300 و400 ألف لتر منها لصالح محطّة توليد الكهرباء، فيما يتمّ بيع الكميات المتبقية لمحطّات تعبئة السيارات، حسب تصريح لعاطف عدوان، القيادي بالحركة، ورئيس اللجنة الاقتصادية لموقع المونيتور.

وتجلَّى كذلك الدعم المصري للحركة الفلسطينية في تقديم دعم مالي شهري تصل قيمته إلى 15 مليون دولار شهريًا مُقدمة من الإمارات، بواسطة تأسيس لجنة تكافل مصرية إمارتية مشتركة، ستشرف على إدخال الأموال إلى لجنة التكافل لصرفها على حاجات المواطنين الضروريّة والمشاريع المنوي تنفيذها.