هل تمثل الحكومة العراقية الجديدة بارقة أمل نحو القضاء على التهديدات التي يشكلها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام، أو ما يعرف اختصارًا باسم “داعش”؟ وهل بإمكان الولايات المتحدة الأمريكية والحكومات الغربية المشاركة بقواتها البرية لمواجهة داعش؟ أم أن المشاركة الغربية ستقتصر على الضربات الجوية والاعتماد على الجيش العراقي للقيام بالمهام البرية رغم ما تعانيه قوات الأمن العراقية من ضعف ووهن؟

كان البرلمان العراقي قد أقر حكومة جديدة برئاسة حيدر العبادي أوائل الشهر الجاري، بالتزامن مع تحديات أمنية خلفتها سيطرة تنظيم داعش على مناطق واسعة في شمال العراق وفي مدينة الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية. وبالتوازي أيضًا مع التحالف الدولي الذي سعت إلى تشكيله الإدارة الأمريكية مؤخرًا لمحاربة داعش. وأسفرت الجهود الأمريكية عن عقد مؤتمر جدة بحضور وزير الخارجية الأمريكي جون كيري وعدد من وزراء خارجية الدول العربية.

وفيما يتعلق بالحكومة العراقية وما تمثله من آمال جديدة لتحقيق وحدة عراقية غابت في ظل الحكومة السابقة بقيادة نوري المالكي، رأت العديد من الصحف الغربية في الحكومة الجديدة خطوة جيدة نحو توحيد الأطراف السياسية في العراق، وكذا توسيع رقعة العمليات العسكرية لمواجهة داعش في العراق.

نيويورك تايمز: الحكومة العراقية لبنة جديدة في استراتيجية المواجهة ضد داعش

صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، أشادت في مقال نشرته لهيئة التحرير مؤخرًا، بتشكيل الحكومة العراقية الموحدة الجديدة من قبل البرلمان العراقي. واعتبرت الصحيفة أن الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء حيدر العبادي، عضو الأغلبية الشيعية، تأتي بمثابة اللبنة الجديدة التي وضعها البرلمان العراقي لدعم استراتيجية المواجهة ضد تنظيم “داعش”.

وأشارت الصحيفة إلى أن تشكيل الحكومة الجديدة في العراق جاء بالتزامن مع صراعات طائفية خلفتها حكومة المالكي، ووصفت الصحيفة مهام العبادي بالصعبة خاصة مع التعهدات التي أطلقها بتوحيد دولة ممزقة، وإشراك كافة الطوائف في العملية السياسية، وتوفير الموارد المالية للمحافظات والأقاليم لتقديم خدمات السكن والتعليم لأكثر من مليون نازح عراقي، بالإضافة إلى مهام العمل المشترك مع الولايات المتحدة لدحر التهديدات التي يشكلها تنظيم داعش الذي يسيطر على مساحات شاسعة في شمال العراق.

وأضافت الصحيفة بأن الرئيس الأمريكي باراك أوباما كان قد مارس ضغوطًا من جانبه لحث العراقيين نحو تشكيل حكومة موحدة. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن حصول العراق على مساعدات عسكرية أمريكية لمواجهة داعش كان مرهونًا بمدى نجاح البرلمان العراقي في التوافق على حكومة وطنية موحدة. جدير بالذكر أيضًا أن رئيس الوزراء العراقي السابق الشيعي نوري المالكي وسياسات التمييز التي تبناها بحق السنة والطوائف الأخرى كانت قد مهدت الطريق أمام داعش لاستغلال الصراعات الطائفية والمظالم السنية.

Kashmiri Protest Against Israeli Military Operations In Gaza

ولفتت الصحيفة الانتباه إلى أنه في الوقت الذي قوبلت فيه الحكومة العراقية بإشادة أمريكية وأوربية، فإن ثمة تساؤلات تلوح في الأفق حول ما إذا كانت الحكومة قادرة على المضي قدمًا نحو توحيد الأطراف المتنازعة. ورصدت الصحيفة عددًا من الإشكاليات التي لا تزال تمثل اختبارًا صعبًا أمام العبادي ومنها اختيار وزيرين للدفاع والداخلية باعتبارهما أهم المناصب المثيرة للجدل. وحذرت من محاولات البعض من استغلال تلك المناصب لإذكاء روح التعصب الطائفي، مطالبة العبادي باختيار الشخصيات الأكثر كفاءة لشغل تلك المناصب.

ومن بين التحديات الأخرى أمام العبادي والتي نوهت إليها الصحيفة هي إنشاء منظمة للحرس الوطني تهدف إلى إدماج القبائل السنية والميليشيات المحلية، مثل البيشمركة، في هيكل أمني إقليمي أكثر ديمومة. وكذا التعاطي مع المظالم السنية ومنها الإفراج عن المعتقلين، والشكاوى الكردية المتعلقة بصادرات النفط والأراضي.

وأخيرًا، حذرت الصحيفة من مغبة إحياء الاقتتال السياسي في العراق الذي لا يزال عرضة لمخاطر وتحديات جسيمة.

التليجراف: الحكومة العراقية تمهد الطريق أمام شن حملة أمريكية موسعة ضد تنظيم الدولة الإسلامية

من جانبها ذكرت صحيفة التليجراف البريطانية، في مقال لها للكاتب شاشانك جوشي، أن الحكومة العراقية الجديدة تمهد الطريق أمام شن حملة أمريكية موسعة ضد تنظيم “داعش”. تلك الحرب التي تأتي قبل أشهر قليلة من الانتخابات العامة في بريطانيا وهو ما يثير التساؤلات بشأن الموقف البريطاني من المشاركة في الحرب، وما إذا كان رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون سيمضي في طريقه نحو المشاركة في العمليات العسكرية التي قد تمتد لثلاث سنوات. وكان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قد توقع في تصريحات له، خلال قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” التي عقدت في مقاطعة ويلز البريطانية مؤخرًا، أن تستغرق المواجهات مع داعش أكثر من ثلاث سنوات.

وأضافت الصحيفة أن الولايات المتحدة ترى أن الصعود المتنامي لتنظيم داعش كان نتاجًا مباشرًا لاستغلال التنظيم لمظالم الأقلية السنية في العراق التي لطالما عانت من سياسات التمييز والعنصرية التي كانت تمارس بحقها من قبل رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي.

وبالرغم مما ذكرته الصحيفة من أن العبادي قد يختلف عن المالكي ويمارس سياسات أقل استقطابًا، إلا أنها أكدت على أن الأوضاع في العراق لن تتغير بين ليلة وضحاها. وكان رئيس الوزراء العراقي في الحكومة الجديدة قد قام بتعيين نائبين ينتمي أحدهما للسنة والآخر للأقلية الكردية. كما أن مجلس الوزراء يشمل ثمانية أعضاء من السنة وهي النسبة التي تقل بدورها عن نسبة تمثيل السنة في الحكومة السابقة بقيادة المالكي.

وتابعت الصحيفة بقولها أن نجاح العبادي في معالجة النزعات الطائفية التي خلفتها حكومة المالكي مرهون بقدرته على اختيار الشخصيات الإصلاحية التي تحظى باحترام من قبل السنة والأكراد. ونوهت الصحيفة في هذا الشأن إلى خلو منصب وزيري الدفاع والداخلية في الحكومة الجديدة حتى اللحظة، مطالبة العبادي بعدم تبني ذات السياسات التي انتهجها سلفه المالكي الذي قام بإحكام قبضته على المؤسسات السيادية في الدولة كالمخابرات والجيش ووزارة الداخلية التي أشرف عليها بنفسه واستخدمها كسلاح في وجه خصومه السياسيين.

ورصدت الصحيفة عددًا من الانتهاكات التي مورست في حق الأقليات السنية في العراق من قبل حكومة المالكي. وتمثلت أبرز تلك الانتهاكات في الاحتجاز التعسفي بموجب قوانين الإرهاب الغامضة، والتهديد من قبل المليشيات الشيعية، ومهاجمة قوات الأمن للاحتجاجات والتجمعات السنية، ناهيك عن أن ممارسات قوات الأمن العراقية بحق الاحتجاجات التي شهدتها المناطق ذات الأغلبية السنية قد لا تختلف عن ممارسات قوات الأسد بحق السنة في المدن السورية.

وبالرغم من تلك الانتهاكات، غير أن ذلك لا ينفي، وفقًا للصحيفة، وجود بعض المظالم غير الشرعية للأقليات السنية. فعلى سبيل المثال، لم يقبل السنة بالعراق كدولة ديمقراطية ذات أغلبية شيعية سيكون من حقها تشكيل الحكومة، رغم مطالبتهم بذات الحق في عهد صدام حسين وتأكيدهم على أنهم يشكلون أغلبية. ومع ذلك تبقى الآمال معقودة على الحكومة الجديدة في أن تعترف وتتعاطى مع تلك الانتهاكات وهو من شأنه أن ينزع فتيل الصراعات الطائفية التي ساهمت في صعود تنظيم الدولة الإسلامية.

وأوضحت الصحيفة أن سياسات الرئيس الأمريكي باراك أوباما تم بناؤها على فرضية أن التدخل العسكري لمواجهة داعش سيظل بلا طائل في حال عجزت الحكومة العراقية عن اكتساب الشرعية. كما أن نجاح الغارات الجوية الأمريكية ضد داعش على المدى الطويل وكذا نجاح السياسات العراقية مرهون بتحول السنة عن تنظيم الدولة الإسلامية. وفي الوقت الذي لا ترغب فيه الولايات المتحدة في الاعتماد في عملياتها العسكرية على المليشيات الشيعية المدعومة من إيران خشية أن تفضي تلك الخطوة إلى تأجيج الصراع الطائفي، تبقى إشكالية مشاركة القوات البرية في العمليات العسكرية ضد داعش متوقفة على مشاركة جزئية فقط للقوات الكردية في الشمال العراقي، وقوات الأمن العراقية التي لا تزال تعاني من هزائم لحقت بها في شمال العراق.

ورأت الصحيفة في هذا الصدد أن خطوات إصلاح وتأهيل قوات الأمن العراقية واستمالة القبائل السنية لمواجهة داعش كان أمرًا بعيد المنال في ظل النظام السياسي في عهد المالكي علي الرغم من مشاركة بعض القبائل السنية في عمليات قتال ضد التنظيم في الأنبار والموصل. جدير بالذكر أن الولايات المتحدة كانت قد تبنت مثل تلك الخطوات في حربها ضد تنظيم القاعدة في العراق في الفترة من عام 2006 وحتى 2008.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد