“استقبل بلوتو لتوه أول زواره. شكرا لناسا، إنه يوم مشهود لاكتشاف الفضاء وللقيادة الأمريكية”.

هكذا غرد الرئيس الأمريكي باراك أوباما على تويتر، بمناسبة وصول المسبار “نيو هورايزونز” كوكب بلوتو بعد قرابة عقد من الزمن، ونجاح اتصاله مع مراكز المراقبة الأرضية رغم المسافة الهائلة التي تفصله عن الأرض، ما عده العلماء إنجازا عظيما للإنسانية في مجال اكتشاف الفضاء ولحظة فارقة في التاريخ البشري.

وصول المسبار بلوتو.. الحدث المشهود

في الساعة 7:49 بالتوقيت المحلي لشرق الولايات المتحدة من صباح الثلاثاء 14 يوليو من العام 2015 الجاري، أرسل المسبار نيو هورايزونز أول صورة واضحة للكوكب القزم بلوتو، معلنا بذلك نجاح بلوغ وجهته المنشودة وحفاظه على الاتصال بالمراكز الأرضية، بعد ساعة من تحليق المسبار عند أقرب نقطة من بلوتو وهو على سرعة 49 ألف كيلومتر في الساعة، لتنفجر صيحات الفرحة بهذا الإنجاز في طاقم المهمة الفضائية، وكذا الشغوفين بالفضاء على المواقع الاجتماعية.

أول صورة واضحة لبلوتو يرسلها “نيو هورايزونز”


وقد قطع المسبار “نيو هورايزونز” للوصول إلى كوكب بلوتو النائي على أطراف المجموعة الشمسية مسافة 4.88 مليار كيلومتر في ظرف تسع سنوات ونصف، ما يجعل الإشارات اللاسلكية المرسلة من طرف المسبار تستغرق أربع ساعات ونصف لتصل إلى الأجهزة اللاقطة الأرضية رغم أنها تسير بسرعة الضوء.

ولا يزال 99 في المائة من المعطيات التي جمعها “نيو هورايزونز” خلال اقترابه من بلوتو داخل ذاكرته، إذ أن المسافة الهائلة التي يبعد بها عن الأرض لا تمكنه من إرسال سوى معلومات قليلة جدا من تلك التي يؤجلها، ناهيك عن عبء البيانات اللازمة للتواصل معه.

وقد أجرى المسبار عند اقترابه من الكوكب القزم رصدا لغلافه الجوي وسطحه الجيولوجي، وقام بقياسات لحجمه وتموضعه بين الأقمار التابعة له.

إن فاتك البث المباشر يوم قبل أمس لحظة استقبال بلوتو زائره “نيو هوراييزونز”، لا تقلق فيمكنك متابعته في الفيديو المسجل.


وأكثر ما يخشاه ملاحي الفضاء في هذه اللحظات الفارقة هو اصطدام المسبار بأجرام كونية أو حصول فشل غير قابل للإصلاح في نظام المسبار.

وقد قال جون جرونسفيلد مدير الشؤون العلمية المشارك في مهمة نيو هورايزونز حين نجح المسبار في التواصل مع الأرض: “إنها لحظة مشهودة في تاريخ البشرية”.

ما قصة نيو هورايزيونز؟

انطلق “نيو هورايزونز”، وهو مسبار روبوتي بحجم بيانو كبير تابع لإدارة الطيران والفضاء الأمريكية (ناسا)، في 19 يناير 2006 خصيصا لدراسة كوكب بلوتو وأقماره، ضمن المشروع الضخم لاستكشاف الفضاء الذي بدأ قبل خمسين عاما.

كلف مشروع “نيو هورايزونز” حتى الآن 728 مليون دولار، صنع المسبار بأحدث التقنيات المتوفرة، حيث يتزود، بالإضافة إلى أجهزة التشغيل لديه المتطورة، بأدوات علمية بالغة الدقة مثل كاميرات حساسة ومطياف لتشتيت الضوء وأجهزة استشعار متعددة المهام، منها لرصد الغبار وحالة البلازما، ولدراسة جيولوجيا بلوتو وقمره تشارون، وأخرى لرسم خرائط لتركيب سطحيهما، وكذا لقياس درجة الحرارة ورصد الغلاف الجوي والأقمار الأخرى. وقد تم صنع المركبة الفضائية بمعهد ساوت ويث للأبحاث.

المسبار الفضائي نيو هورايزونز


وتحتوي المركبة على مجموعة من الأشياء كتذكار لعالم الأرض، منها أوقية من رماد جثة كلايد تومبو مكتشف كوكب بلوتو، وصور شخصية لكل العلماء والمختصين المشاركين في مهمة المسبار، وأسماء مسجلة لـ340 ألف شخص متطوعين، وعلمان للولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى جزء من المركبة المأهولة “سبايس شيب وان”، وأيضا صورة لقطعة من أرض الموقع الذي أطلق منه المسبار في ولاية فلوريدا الأمريكية.

المهمة الأساسية التي من أجلها تم إطلاق “نيو هورايزوز” هي استكشاف الفناء الخلفي للمجموعة الشمسية، حيث يتواجد هناك كوكب بلوتو الذي يقع بعد كوكب نبتون.

أمضت المركبة الفضائية معظم رحلتها وهي في حالة سبات حفاظا على الطاقة وتجنبا لاحتمالات أخطار فشل النظام، حيث تطفأ كل أجهزتها ما عدا كمبيوتر الرحلة الذي يرسل إشارات تعلم باستمرار الرحلة. لكن في يناير كانون الثاني الماضي استيقظ المسبار من سباته الطويل ليستعد لرصد مشاهداته الأولى في تاريخ البشرية لكوكب بلوتو.

ماذا نعرف عن بلوتو؟

يحتوي نظامنا الشمسي على ثلاث مناطق وهي: المنطقة الداخلية، ومنطقة الكواكب الغازية العملاقة، ومنطقة حزام كايبر، ويُعد بلوتو أحد أضخم الأجسام التي تنتمي إلى المنطقة الثالثة المتجمدة الواقعة في الأطراف الخلفية لمجموعتنا الشمسية والتي تتكون من أجسام متجمدة وصخور، حيث لأول مرة يتمكن الإنسان من إرسال جسم فضائي لتلك المساحة.


اكتشف بلوتو منذ عام 1930 عن طريق العالم الفلكي الأمريكي كلايد تومبو، وكان يصنفه العلماء ضمن فئة الكواكب، غير أنه بعد إطلاق المسبار (نيو هورايزونز) بستة أشهر، وفيما كان في طريقه إليه حرم الاتحاد الدولي الفلكي بلوتو من لقب كوكب، وبات كوكبا قزما بعد أن اكتشف أكثر من ألفين من أمثاله منذ اكتشافه ضمن حزام كايبر، وهو أمر عارضه الآن ستيرن أحد العاملين في رحلة المسبار وآخرين، واعتبروه الكوكب التاسع في مجموعتنا الشمسية.

ويعد العلماء الكواكب القزمة المتجمدة مثل بلوتو بمثابة أجنة كواكب توقف نموها دون أن تصير كواكب عملاقة، وبالتالي فإنها الورقة الرابحة التي ستجيب عن الكثير من الأسئلة حول تشكل الكواكب.

يدور بلوتو حول الشمس مرة كل 248 سنة في مدار يتغير ويتبدل مع تغير الفصول والمواسم، وتتبعه مجموعة من الأقمار، وتهدف مهمة المسبار إلى دراسة هذه الأقمار أيضا.

ماذا أصبحنا نعرف عن بلوتو بعد استضافته نيو هورايزونز؟

رغم أن مهمة هورايزونز للتو بدأت، فإنها حملت مبكرا بعض المعلومات الجديدة والمثيرة في نفس الوقت عن بلوتو، نذكرها كالآتي:


  • ربما بلوتو هو كوكب قزم إلا أنه أكثر حجما مما كنا نعتقد، المقاييس الأولية تشير إلى أن قطره يساوي 1.473 ميل، أي ما يعادل 22 ألف ملعب كرة قدم متلاصق، كما أنه أقل كثافة مما كنا نعتقد.


  • يملك بلوتو قشرة كبيرة من الغلاف الجوي تشغل مساحة واسعة خارجه، في هذا الصدد يقول آلان ستيرن كبير الباحثين في برنامج المسبار في معهد أبحاث جنوب غرب بولدر في كولورادو: “من الواضح أنه عالم تلعب فيه الجيولوجيا والغلاف الجوي دورا”. كما أشار إلى أنه من المحتمل سقوط جليد من غازي النيتروجين على سطح الكويكب.

  • منظر بلوتو أجمل بكثير مما كنا نعتقد سابقا، فهو خال من أي تشوهات جيولوجية أو غلافية، مما يضفي عليه منظرا أنيقا، كما أن سطحه الأرضي يحتضن بقعة واسعة تشبه قلبا، ما جعل رواد التواصل الاجتماعي “يتغزلون” بالكويكب المكتشف بعبارة: “كوكب صغير له قلب كبير”!


  • بلوتو يطبع سطحه الجيولوجي مجموعة من الحفر والمنحدرات، مثلما تثير فيه بقع مظلمة استغراب العلماء عن طبيعة تلك المساحات، ويبدو أن هناك بوادر أنشطة جيولوجية على سطحه بما في ذلك تحركات محتملة سابقة وحالية للطبقة البنائية للقشرة الخارجية أو ما يسمى بالحركات التكتونية.


  • لبلوتو أربعة أقمار، أكبرها حجما هو شارون يعادل نصف حجم الكوكب القزم، يظهر به حفر عميقة، ويستغل المسبار “نيو هوورايزونز” انعكاس ضوء الشمس عليه من أجل التقاط صور واضحة لبلوتو.

بالطبع لا يزال هناك الكثير ما سيقدمه المسبار من معلومات ثمينة عن تلك القطعة المظلمة من الفضاء، غير الممسوسة من أي شيء له علاقة بالإنسان.

أسئلة حول مشروع هورايزونز

قامت ليلة أمس القناة الإخبارية الأمريكية سي بي سي بفتح مجال للأسئلة للعموم على صفحتها الفايسبوكية حول مهمة هورايزونز، يجيب عنها الدكتور جيم غرين مدير قسم علوم الكواكب بناسا. اخترنا سبعة أسئلة تعميقا لفهم موضوعنا الذي نحن بصدد تغطيته:

  • ماذا سيحدث للمسبار هورايزونز؟

    سيستمر المسبار في تجميع البيانات عن بلوتو وتحويلها لأطول فترة ممكنة، إذ لا يستطيع إرسال منها إلا كمية قليلة جدا من المعلومات، وبالتالي سيقتصر الآن على تجميعها فقط، في الواقع بعدنا عن المسبار ب 3.997.286 ميل سيجعلنا نستمر في استقبال الصور والمعطيات طوال 16 شهرا.

  • ماهي درجة حرارة سطح بلوتو مقارنة مع الأرض؟

    سطح بلوتو يبدو قارسا، يصل إلى 380 درجة تحت الصفر، إنه أكثر تجمدا من أي مكان في الأرض، مناخه المتجمد أحد العوامل الرئيسية في تشكيل ملامح سطحه، حيث يؤدي إلى صمود كتل هائلة من الثلج تغطي جباله.

  • هل لدى هورايزونز القدرة على تجاوز النظام الشمسي، وكم هي المدة التي يستطيع التواصل فيها مع الأرض وإرسال المعلومات من صور وبيانات؟


    لدى هورايزونز القدرة على العمل لمدة تفوق 20 سنة، عندما نستكمل برنامجنا الأول المستهدف من المشروع، بإمكاننا بعد ذلك التفكير في الخطوة القادمة.

  • هل بإمكانكم التقاط صور انطلاق للشمس من بلوتو، ستكون صورة كاملة؟


    نعم لدينا القدرة لكن لحد الآن ليس لدينا مخطط لفعل ذلك.

  • هل يوجد بالمسبار أي شيء مثل قرص معلومات ربما يعثر عليه كائنا فضائية عاقلة؟


    لا لم نضع أي شيء لأجل ذلك، فقط فيه جزء من رماد جثة سلايد تومبو مكتشف بلوتو سنة 1930.

  • هل أصبح لدينا القدرة لابتكار مركبات فضائية أسرع من هورايزونز لاستكشاف مناطق أعمق في الكون.


    نعم، لدينا أفكار حاليا للقيام بذلك، ربما العامان القادمان سنطلق مركبة أسرع.

  • هل تم رصد أي دلائل تحيل إلى أن هناك حياة عاقلة على سطح بلوتو؟


    آسف، لم نجد أي دليل يفيد ذلك.

يمكنكم متابعة أجوبة أسئلة أخرى عديدة من هنا

ماهي آفاق هذا الاستكشاف؟

“الآن أصبحت المجموعة الشمسية أكثر انفتاحا أمامنا ليبوح بلوتو بأسراره”، فعلا كما قال عالم الفلك البريطاني ستيفن هوكينج في رسالة أذاعها تلفزيون نازا أمس، يعد وصول أول جسم فضائي للكويكب بلوتو إنجازا تاريخيا في حياة الإنسانية ككل. إذ ظل هذا الكوكب منذ اكتشافه مبهما وترتبط به العديد من الألغاز الكونية الغامضة التي تحتاج إجابات ملحة.

شاهد هذه التغطية الخاصة حول مهمة نيو هورانيوز


يقع بلوتو وآلاف الكويكبات الشبيهة له في منطقة الحزام الكرايبي، المنطقة التي اكتشفت منذ عام 1992، ويعتقد مختصصي الفلك أن هذه المساحة من الكون تخلفت عن نشأة المجموعة الشمسية قبل 4.6 مليار عام. ولا تزال مجهولة تماما حتى الآن، ويأمل العلماء من خلال مهمة “نيو هورايزونز” أن يجدوا بهذه المنطقة بقايا كونية، من شأنها تفسير الطريقة التي نشأ بها الكون.

تهدف مهمة المسبار الفضائي بالتحديد إلى رسم خريطة لسطح بلوتو وقمره شارون، والقيام بالوصف الجيولوجي والمورفلوجي لهما، بالإضافة إلى معرفة طبيعة الغلاف الجوي الذي يلفهما، وبعد ذلك كما يقول مسؤولو بعثة “نيو هورايزونز” يمكن أن يغوص المسبار في الحزام الكرايبي لاكتشاف كويكبات وأقمار أخرى خلال هذه السنة. لكن لن يكون ذلك حتما حتى يتمكن من إرسال كافة البيانات المجمعة إلى الأرض، والتي تستغرق مدة طويلة قد تدوم أسابيع لقطع المساحة الشاسعة حتى تصل أجهزة الرصد على سطح الأرض.

ستمكن الصور التي يستقبلها تلسكوب هابل من المسبار من القيام بقياسات وتحديدات لموقع بلوتو وأقماره بدقة لم تكن متاحة من قبل، كما سيستطيع العلماء فهم الكيفية التي ضمن بها بلوتو وجوده طوال مليارات السنين بجانب كواكب ضخمة مثل المشتري وزحل وأورانوس ونبتون.

طاقم هورايزونز لحظة تأثرهم ببلوغ المسبار كوكب بلوتو


من جانب آخر، يشكل حدث بلوغ المسبار “نيو هورايزونز” بلوتو، بعد ما يقارب عقد من الزمن من رحلته التي قطعت 4.88 مليار كيلومتر، وهي أبعد مسافة على الإطلاق تصلها آلة صنعها البشر لتلك النقطة المجهولة في الكون، درسا في الصبر ومتابعة الأهداف حتى تحقيقها، جسده طاقم المهمة، كما يعلن الحدث أن الإنسان بالفعل أضحى قادرا من أي وقت مضى على غزو غياهب الكون الذي نسكنه ولا نعلم عنه شيئا.

بالتأكيد المرحلة القادمة في استكشاف الفضاء ستكون غاية في الغرابة، وكما قال جيم غرين فإن رحلة البحث في الكون للتو بدأت!

لمتابعة تطورات ومستجدات نيو هورايزونز المثيرة أولا بأول، راقب صفحة الفايسبوك الخاصة بالحدث من هنا و أيضا عبر محطة ناسا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد