1,399

هناك نوعان من الناس يمضون اليوم بطوله في التفكير في القتل.. إنهم كتاب أدب الغموض والقتلة المتسلسلين.. * ريتشارد كاسل، بطل مسلسل الجريمة والغموض

قد تكون قراءة عمل أدبي يحكي تفاصيل جريمة مروعة أمرًا مرعبًا، ولكن الشيء الأكثر رعبًا هو أن يلمح القارئ في نهاية العمل هذه الجملة «هذا العمل مقتبس من قصة حقيقية». وللدهشة؛ فإنه من بين الأنواع الأدبية العديدة يعتبر أدب الجريمة شديد الارتباط بالحياة الواقعية إذ يستلهم أدباؤه من الأحداث الحقيقية أعمالهم التي تحبس الأنفاس مما يضعنا أمام حقيقة مفزعة مفادها أنه مهما حلق الأديب بخياله فإنه قد لا يستطيع أن يتخيل كم القسوة والجنون والتعطش للدماء التي يحملها بعض البشر بداخلهم.

في البداية مثلت النشرات التي كان يوزعها سجن نيوجيت، الأسوأ سمعة في بريطانيا في القرنين الثامن والتاسع عشر حيث كان يضم كل المحكومين بالإعدام، وتتضمن السير الذاتية والاعترافات والشهادات التي أدلى بها المجرمون الذين أودعوا به ونُفذ بحقهم حكم الإعدام لاحقًا بداية وجود علاقة ارتباطية بين أدب الجريمة والجرائم التي حدثت على أرض الواقع، حيث اعتاد الشعراء استلام هذه النشرات والتوجه نحو ساحات الإعدام ونظم قصص شعرية ذات إيقاعات صاخبة يظل يرددها الناس لتكون بمثابة إنذار لهم من المصير المرعب الذي ينتظرهم إن سلكوا طريق الجريمة. وقد قيل أن السير آرثر كونان دويل مؤلف قصص المحقق شارلوك هولمز قد اعتمد أسلوب هذه النشرات في قصصه، من حيث تركيزه على الجريمة وتفاصيلها وحياة مرتكبيها.

Embed from Getty Images
صورة مأخوذة من نشرة سجن نيوجيت تضم بعض من مساجين السجن مقيدين بالسلاسل استعدادًا للترحيل

أما في أمريكا فقد نثر الطهوريون بذور محصول أمريكا الضخم من أدب الجريمة، حيث كانوا يقومون بتوزيع نشرات مكتوبة بأسلوب أدبي تتضمن لمحات من حياة المحكوم عليهم بالإعدام وكذلك كانوا يلقون خطبًا عند تنفيذ الإعدام لردع الناس عن ارتكاب الجرائم. وعلى الرغم من أن الإعدامات العلنية قد توقفت وأصبحت تتم في سرية داخل أسوار السجن، إلا أن الجرائم الحقيقية ظلت هي مستودع الإلهام لكتاب أدب الجريمة فخيالهم لم يستطع أن يصور لهم جرائم أبشع من تلك الحقيقية، ولكنهم قد أحدثوا بعض التغييرات في مجريات الأحداث فنجدهم أحيانًا يغيرون النهايات ليحققوا قصاصًا لم يتحقق في الواقع وأحيانًا أخرى يحاولون أخذ القارئ في رحلة في عقل كل من الجاني والمجني عليه معًا ليستكشفوا سويًا دوافع الأول ويستشعروا رعب وخوف الأخير، وفيما يلي نماذج على بعض الأعمال المقتبسة من قصص حقيقية مروعة:

«جريمة في قطار الشرق السريع»

تدور أحداث هذه الرواية للكاتبة أجاثا كريستي على متن القطار المتجه من إسطنبول إلى لندن وعلى متنه 12 راكبًا إضافة إلى المحقق هيركيول بوارو الذي اضطر لقطع إجازته في إسطنبول والتوجه إلى لندن، وصديقه السيد بوك، وكذلك السيد راتشيت الرجل الغني الذي التقاه بوارو سابقًا في قاعة طعام فندق التوكاتيلان في إسطنبول ولم يشعر بارتياح تجاهه.

على متن القطار يخبر السيد راتشيت المحقق بأنه يستشعر وجود خطر ما على حياته ويطلب مساعدته إلا أن الأخير يرفض ويرد عليه ببساطة قائلًا: «وجهك لا يعجبني يا سيد راتشيت». وفي ليلة اليوم الثاني للرحلة يتعطل القطار في يوغوسلافيا بسبب تراكم الثلوج في شهر ديسمبر (كانون الأول) ويُعلن في الصباح عن العثور على السيد راتشيت مقتولًا في غرفته وفي جسده إثنتا عشرة طعنة ويُكلف المحقق بوارو بالتحقيق في الجريمة والعثور على القاتل الذي لا يزال على متن القطار.

الإعلان الدعائي للفيلم

عند معاينة جثة ومقصورة راتشيت يجد المحقق بوارو ورقة صغيرة تحمل اسم «ديزي أرمسترونج» فيعود بالزمن إلى الوراء ويتذكر حادثة اختطاف وقتل الطفلة ديزي أرمسترونج من قبل مجرم يُدعى كاسيتي وهروبه بعد ذلك من أمريكا، ويستنتج أن ريتشيت وكاسيتي ما هما إلا شخص واحد وأن قتله قد تم بدافع الانتقام للطفلة الصغيرة التي قتلها قبل سنوات رغم قيام والديها بدفع الفدية.

بمواصلة التحقيق يكتشف بوارو أن كل ركاب القطار قد اشتركوا في قتل راتشيت، وإنهم قد كذبوا عليه بشأن مشاهداتهم ليلة الجريمة وكذلك بشأن هويتهم الشخصية ويُدهش حين يعلم أنهم كلهم تربطهم صلة بعائلة أرمسترونج، التي تمزقت بعد وفاة الطفلة الصغيرة فقد ماتت الأم كمدًا على ابنتها وانتحر الأب، مما يجعلهم جميعًا يمتلكون الدافع لقتل ريتشيت. وفي النهاية يتعاطف بوارو مع الأقارب والأصدقاء المكلومين ويقرر تحقيق العدالة التي لم تتحقق على أرض الواقع ويدعي قيام شخص غريب باقتحام القطار وقتل راتشيت والهرب ومن ثم تقيد الحادثة ضد مجهول.

Embed from Getty Images
أجاثا كريستي

استلهمت كريستي أحداث هذه الرواية من حادثة مأساوية حقيقية تمت عام 1932 حين تم اختطاف وقتل طفل الطيار الشهير، تشارلز ليندبيرغ أول من حلق بطائرته منفردًا فوق المحيط الأطلسي، مقابل فدية قدرها 50 ألف دولار، أي ما يعادل نصف مليون دولار في وقتنا الحالي. وعلى الرغم من المحاولات المضنية التي بذلتها الشرطة للعثور على المختطف، إلا أنها  كلها قد باءت بالفشل مما أدى بالمختطف إلى رفع مبلغ الفدية إلى 70 ألف دولار.

وبذلك لم يعد أمام الأب مفطور الفؤاد حلًا سوى أن يدفع الفدية، وفي الثاني من أبريل (نيسان) عام 1932 أرسل الوالد الفدية للخاطفين مع وسيط متفق عليه من الطرفين وبدورهم وعدوا بإرسال الطفل إلى المنزل. إلا إنه في الثاني عشر من مايو (آيار) في نفس العام وجد سائق شاحنة جثة مشوهة لطفل عمره 20 شهرًا اكتُشف لاحقًا أنها جثة الصغير تشارلز ليندبيرغ، الأمر الذي كان له آثار مروعة على العائلة فقد انسحق الأب تمامًا تحت أحزانه بينما انتحرت مربيته. وعلى الرغم من أن كريستي قد حاولت تحقيق العدالة التي لم تتحقق حينها على يد أبطال روايتها التي كتبتها عام 1933، إلا أنه شاءت الأقدار أن يتم العثور على قاتل الطفل الحقيقي عام 1934 وتم إعدامه على الكرسي الكهربائي عام 1936 وكأن هذه الرواية قد تنبأت بالنهاية الحتمية لهذا القاتل.

«الفتاة ذات وشم التنين»

لم يكن الكاتب السويدي، «ستيج لارسوني» يتخيل أن روايته التي ستنشر بعد وفاته،«الفتاة ذات وشم التنين»، سوف تحقق نجاحًا مدويًا وتضعه في مصاف المؤلفين الأكثر مبيعًا حيث بيعت منها ملايين النسخ حول العالم منذ نشرها في عام 2005، وتم اقتباسها في فيلمين أحدهما سويدي والآخر أمريكي يحمل نفس اسم الرواية وحقق نجاحًا هائلًا.

في صباه شهد لارسون جريمة اغتصاب جماعي لفتاة مراهقة، ومنذ ذلك الحين أصبح هذا المشهد يطارده وسبب له نفورًا لازمه طوال حياته من ممارسة العنف ضد النساء، ونذر كتاباته للدفاع عن المرأة ضد العنف وسوء المعاملة فجاءت رواياته، وبالأخص «الفتاة ذات وشم التنين» المبنية على قصة حقيقية، بمثابة وثيقة دفاع عن المرأة ضد الأذى النفسي والجسدي.

جريمتا عنف ضد المرأة كانتا الدافع الأساسي وراء كتابة لارسون لهذه الرواية. أولهما كانت الجريمة الوحشية التي شهدتها العاصمة السويدية ستوكهولم في صيف عام 1984 حين عثرت الشرطة على أجزاء من جسد فتاة موزعة على أكياس بلاستيك ملقاة على الطريق السريع، وقد تم التعرف على هوية الفتاة من بصمات أصابعها واتضح أنها لبائعة هوى تدعى كاترين داكوستا. وقد جرى الاعتقاد أن هذه الفتاة، التي لم يتم العثور أبدًا على رأسها أو أي من أعضائها الداخلية أو التناسلية، كانت ضحية طبيبين أحدهما طبيب شرعي معروف بكثرة تردده على بيوت البغايا إلا إنهما قد تم الإفراج عنهما بعد فترة من التحقيق لعدم كفاية الأدلة.

أما الجريمة الثانية – التي لم تغب أبدًا عن بال لارسون – فقد كانت جريمة الاغتصاب الجماعي التي شهدها في صباه؛ فكانت النتيجة أنه جعل بطلة روايته فتاة غريبة الأطوار تُدعى ليزبيث سالاندر جسدها مليء بالأوشام ومشكوك في سلامتها العقلية مما يجعلها خاضعة لوصاية رجل يتحرش بها ويغتصبها في النهاية، ولكنها استطاعت تجاوز هذا الأمر البشع الذي حدث بحقها وانتقمت لنفسها وانضمت للصحفي ميكائيل بلومكفيست وعملت مساعدة له في بحثه عن وقائع الاختفاء الغامض لفتاة تُدعى هاريت فاجنر -المقصود بها كاترين داكوستا- منذ ما يزيد عن 36 عامًا.

وهكذا أطلق لارسون صيحة استغاثة عالية ضد الانتهاكات الواقعة ضد النساء وحاول أن يخفف العبء النفسي الذي ألم به منذ سني صباه الأولى بأن جعل الفتاة التي تعرضت للاغتصاب تأخذ حقها من مغتصبها، وكذلك تظل قادرة على العيش والعمل باعتبارها مساعدة محقق، ولكن تظل الحقيقة المفزعة قابعة في الصفحة الأخيرة من الرواية حين تلمح جملة «هذا العمل مقتبس من قصة حقيقية».

«صمت الحملان»

في عام 1988 نشر توماس هاريس روايته النفسية «صمت الحملان» التي تحمل أبعادًا جديدة للجريمة السيكوباتية؛ فهو قد قدم فيها شخصية شديدة الذكاء والخطورة ستصبح من أشهر شخصيات أدب الجريمة، وهو الطبيب الجراح هانيبال ليكتر المجرم الخطير والقاتل المتسلسل آكل لحوم البشر. والغريب في الأمر أن ذلك القاتل، الذي وُضع في مصاف شخصيات الرعب والغموض الشهيرة كدراكولا و فريدي كروغر، لم يكن يعرف معظم الناس حتى وقت قريب أنه مقتبس من شخصية حقيقية.

هذا الأمر أقره الكاتب توماس هاريس في مقدمة كتبها عام 2013 بمناسبة احتفاله بمرور 25 عامًا على صدور الرواية، إذ صرح بأنه استلهم شخصية الدكتور هانيبال ليكتر من شخصية سفاح حقيقي أجرى مقابلة معه في سجن توبو شيك بالمكسيك حين كان يعمل مراسلًا. كان السفاح الذي قابله هاريس يعمل طبيبًا جراحًا ويُدعى «ألفريدو بالي تريفينيو» وقد ارتكب جريمة بشعة بحق صديقه إذ قتله بعد أن خدره وحز حلقه وأفرغ دماءه في حوض الاستحمام ثم استخدم مهارته كجراح في تقطيع جسده إلى أجزاء صغيرة متساوية، وهكذا جاءت شخصية ليكتر تحمل قدرًا كبيرًا من الذكاء الذي استشعره هاريس في ذلك السفاح الذي اعتقدت الشرطة أنه قد قتل الكثيرين قبل صديقه ولكنها لم تستطع إثبات الأمر بالأدلة الكافية.

«القلب الواشي»

هو شخص لا نعرف له اسمًا يمقت العين العمياء ذات اللون الأزرق الغائم لجاره العجوز ويخافها لاعتقاده بأنها عين شريرة، فيقرر أن يطلق عليها النار وهو نائم. وما أن يتأكد من أن العجوز قد مات، يعمد إلى تقطيع أعضائه وتصفية دمه في حوض الاستحمام ويتخلص من بقاياه تحت الألواح الخشبية في أرضية الغرفة.  ولكن يحدث ما لم يكن في الحسبان إذ تأتي الشرطة على خلفية إبلاغ أحدهم عن سماع صرخة حادة في جوف الليل؛ فيقنعهم بدهاء أن هذه الصرخة لم تكن إلا صرخته هو بسبب كابوس تراءى له في نومه بل ويستضيفهم في حجرة العجوز مفسرًا غيابه بأنه ذهب إلى قريتهم البعيدة.

ولكن لمَ يستمر قلب العجوز في الخفقان؟ أترى ضباط الشرطة يسمعون ضربات قلبه ويعلمون أن أشلاءه قابعة هنا في ركن من أركان الغرفة؟ أتراهم يسخرون منه ويعلمون أنه القاتل وأن خداعه وتظاهره بأن شيئًا لم يكن لم ينطل عليهم؟ لا إن صوت دقات القلب لم يعد يُحتمل حتى كاد أن يخرق أذنيه فيصرخ فجأة قائلًا لقد قتلت العجوز وبقاياه هنا أخرجوها ولكن دعوا دقات القلب اللعينة هذه تتوقف، ولكن دقات القلب لن تتوقف أبدًا، لأنها دقات قلبه المرتعد الخائف الذي وشى به وليست دقات قلب العجوز المقتول!

كتب إدجار آلان بو «القلب الواشي» عام 1843 ليسجل بذلك سبقًا في الكتابة في علم النفس الجنائي؛ فهو قد قدم شخصية مريضة مصابة بجنون الشك تعتقد أن الجميع يتآمر عليها مما يسول لها إطلاق النار على ما يشكل لها تهديدًا، حتى لو كانت عين، مجرد عين! وقد بنى آلان بو حكايته على جريمة حقيقية حدثت في مدينة سالم عام 1830، حيث وُجد العجوز الثري، الكابتن جوزيف وايت، مقتولًا في منزله وقد هشمت رأسه وبجسده عدد من الطعنات، إلا أن ممتلكات أو أموال العجوز لم تمس مما جعل الرأي العام وقتها يقف حائرًا أمام الدافع الحقيقي وراء هذه الجريمة.

ولكن المدعي العام، دانيل ويبستر، لم يكتف بتقييد الجريمة ضد مجهول وبحث في عائلة العجوز عن أي شخص قد تكون بينه وبين العجوز عداوات وأحقاد قديمة ليكتشف أن ابني شقيق العجوز قد استأجرا قاتلًا مأجورًا لقتل عمهما بعد علمهما بقيامه بتغيير الوصية وحرمان جميع أقاربه من ميراثه، فعزما أمرهما على أن قتله وسرقة الوصية الجديدة – التي لم يكن يعلم بأمرها أحد إلا هم – وبالتالي تؤول كل ثروته إليهما.  ويُقال أن إدجار آلان بو قد أعجب بشدة بفصاحة دانيل ويبستر في الخطبة التي ألقاها قبل محاكمة المتهمين وحاول أن يحاكي بلاغته وجزالة أسلوبه في هذه القصة، كما أنه قد أوضح أيضًا أنه لا فرار لمجرم من جريمته إذ سوف يشي به كل شيء حتى قلبه!