هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010-2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

يصعد الشاب وسط احتفاءٍ عربي في المنامة، عاصمة البحرين، لإلقاء كلمته في ورشة عنوانها «السلام للازدهار»، جاريد كوشنر، صهر دونالد ترامب، وسفير نتنياهو في البيت الأبيض، يُحاضر العالم العربي عن الازدهار الذي يستشرفه لمستقبل الفلسطينيين، وأنّه مكفولٌ فقط بأمن إسرائيل.

يقول كوشنر: «اليوم لن نتحدث عن الشؤون السياسية، سنأتي لهذا في الوقت المناسب»، ويكمل بقية حديثه عن فرص الاستثمار التي سيحظى بها الفلسطينيون. بعدها بفترة وجيزة، قدَّم كوشنر هدية لملك البحرين، حمد آل خليفة، ملفوفة توراتية تبدو قديمة. ويخبرهُ الملك في أحد أيام عام 2019 بأنَّه «فخورٌ» بالمعبد اليهودي في البحرين.

«غيّر الربيع العربي عملي في واشنطن بلا شك، فقبل فبراير (شباط) 2011 -احتجاجات البحرين- لم يعرف الأمريكيون أين تقع البحرين على الخريطة، وبعد 14 فبراير أصبحنا مكانًا يشار له بالبنان».

* من حوار مع هدى نونو، السفيرة البحرينية إلى الولايات المتحدة

قبل عقدٍ من الزمان، بدأ ملك البحرين مسيرة التطبيع الناعم مع إسرائيل، بفتح خطوط تواصل، وتبادل ثقافي وتعليمي، وتمكين للجالية اليهودية في البحرين وتعيين أفراد منهم في مناصب سياسية، وتُوجت المسيرة باتفاقية التطبيع الكامل التي وقعتها البحرين في 15 سبتمبر (أيلول) 2020.

إحدى خطوات التطبيع الناعم، انتقاء سيدة، بحرينية يهودية، لتخدم سفيرةً للمملكة الصغيرة في الولايات المتحدة؛ هدى نونو.

نستعرض في هذا التقرير قصتها ودورها في رحلة تطبيع البحرين.

هدى نونو -

السفيرة البحرينية هدى عزرا نونو. مصدر الصورة: يوتيوب

من هي هدى نونو؟

يُنادي مقدم المؤتمر سيدة بحرينية تُدعى هدى عزرا نونو، لتصعد مسرح مؤتمر اللجنة اليهودية الأمريكية لعام 2019.

تبدأ هدى بسرد قصة الجالية اليهودية في البحرين المكونة من 36 شخصًا، عن عاداتهم وتقاليدهم، وعن معبدهم الوحيد في المنامة. ثم تسهب بالحديث عن جهود الملك حمد آل خليفة لتمكين الجالية اليهودية، وتعيينها في مجلس الشورى، ومن ثم تعيينها سفيرةً للبحرين في الولايات المتحدة في يوليو (تموز) 2008.

تختم هدى حديثها بنبوءة: «أتطلع لليوم الذي سأرحب بكم فيه في البحرين»، وبالفعل تحققت اليوم نبوءتها.

بحسب روايتها، لم تزر هدى إسرائيل أثناء فترة انقطاع العلاقة بين البلدين، وجاء اليوم الذي تحقق فيها أحلامها، «عندما سيعيدنا الرب إلى صهيون، سنكون عندها مثل الحالمين»، تقتبس هدى من سفر المزامير 126، في تدوينة نشرتها عن زيارتها «الأولى» لدولة إسرائيل، ضمنَ الوفد البحريني الذي قاده وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020.

بعدها بيوم نشرت هدى مقال رأي على «جيروزاليم بوست»، تعبر فيه عن امتنان الجالية اليهودية البحرينية تجاه ملكها وتجاه دولة إسرائيل والإمارات، ومساعيهم لتحقيق السلام وفق الاتفاق الإبراهيمي.

تعود أصول السفيرة هدى لجدها الذي هاجر من العراق نهاية القرن التاسع عشر واستقر في البحرين. ويجمع الجالية اليهودية اليوم كنيسٌ واحد في العاصمة المنامة.

ابن عمها أحد المسؤولين عنه، إبراهيم داوود نونو، وهو برلمانيٌ بحريني ورجل أعمال. وبحسب تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، فقد كان في البحرين 600 يهودي قبل النكبة الفلسطينية عام 1948، وبعد تأسيس إسرائيل هاجر كثير من اليهود إلى أوروبا والولايات المتحدة، وكانت عائلة هدى ممن بقوا في المنامة.

خطاب هدى نونو في مؤتمر اللجنة اليهودية الأمريكية، عام 2019.

سافرت هدى لبريطانيا في عمر 15 عامًا، وتعلمت في مدرسةٍ يهودية هناك، وأكملت تعليمها الجامعي في قسم المحاسبة، ومن ثم الماجستير في إدارة الأعمال، وبعد وفاة والدها عادت إلى البحرين لاستلام تجارة والدها.

مع التركيبة السكانية المميزة للبحرين اختلف المشهد السياسي فيها عن باقي دول الخليج، ومنذ بداية القرن الحالي تحرَّكت الأسرة الحاكمة إما لإسكات الأغلبية الشيعية، وإما لتنفيذ بعض الإصلاحات التي تطالب بها.

في عام 2002، عين الملك لأول مرة في مجلس الشورى فردًا مسيحيًّا، ورجل أعمال يهوديًّا، وأربعة من النساء، وأسس أيضًا مجلسًا للنواب يُنتخب أعضاؤه كل أربع سنوات.

وبجانب الضغط من الشارع البحريني، كانت الولايات المتحدة ومكاتب حقوق الإنسان في وزارة الخارجية تمارس ضغطًا مستمرًّا على البحرين لإحداث إصلاحاتٍ في الحكومة، ومطالبات بتحسين وتعزيز حقوق العمال والإنسان.

باستجابة المملكة لبعض هذه المطالب مُهِّد الطريق أمامها لتوقيع اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة في سبتمبر (أيلول) 2004، وهو العام نفسه الذي أعلنت فيه البحرين وقف مقاطعة الشركات الإسرائيلية وبدء التعاون الاستثماري مع إسرائيل.

وفي هذا السياق وبعد شهرين من توقيع اتفاقية التجارة الحرة، أسست هدى ورجل أعمال اسمه فيصل فولاد جمعية حقوقية اسمها «جمعية البحرين لمراقبة حقوق الإنسان»، للمناداة بحقوق النساء والخادمات. ووُصفت الجمعية في وثيقة سربتها «ويكيليكس»، بأنَّها «مدعومة» من الحكومة البحرينية.

وربما أنَّ عمل هدى في الجمعية مهد الطريق لمسيرتها السياسية، بتعيينها عضوةً في مجلس الشورى بأمرٍ من ملك البحرين عام 2005، لتستبدل بابن عمها إبراهيم داوود نونو، ويتفرغ هو لتعمير المعبد اليهودي في السوق القديم وتمويله.

/

واحد من عقود المملكة البحرينية أشرفت عليه هدى نونو، سفيرة البحرين إلى الولايات المتحدة. مصدر الصورة: موقع وزارة العدل الأمريكية.

مشوار التطبيع يبدؤه الملك وتكمله هدى نونو

بين 2008- 2009 بدأت رحلة التطبيع الناعم في الخليج، فلم تنحصر رحلات اللجنة اليهودية الأمريكية (منظمة مناصرة ومدافعة عن إسرائيل) للإمارات وفقط، بل شملت أيضًا مملكة البحرين.

قال جاسون أساكسون، مسؤول الشؤون الدولية في اللجنة، متحدثًا عن وضع اليهود في البحرين: «تتمتع الجالية اليهودية بالاحترام والحماية من الملك، فهم يعيشون في البلد منذ قرن ونصف، ويمارسون دينهم بحرية»، وكان أساكسون يجول في الخليج، ويتردد على البحرين دوريًّا في تلك الفترة. وفي مارس (آذار) 2009، حضر وفدٌ من اللجنة إلى البحرين لتقديم هدية «القيادة للسلام» لملك البحرين.

في هذه الأجواء الدافئة، لم يكن مستغربًا تعيين هدى سفيرة للولايات المتحدة في 3 يوليو (تموز) 2008، في الشهر نفسه الذي عُيِّن فيه العتيبة سفير الإمارات للولايات المتحدة.

وبدأ سفراء التطبيع بإرسال رسائل الاطمئنان والحب والود للمنظمات الصهيونية والمناصرة لإسرائيل في واشنطن، ورغم وضوح الرؤية، كان يراود هدى في بداية عملها قلقٌ من أي زلات إعلامية، خاصةً في الشأن العربي الإسرائيلي.

وفي عام 2008، استطاعت هدى تنسيق اجتماعٍ في نيويورك بين 50 بحرينيًّا يهوديًّا مغتربًا والملك حمد، وبعدها بعامين نسقت لوزير الخارجية البحريني، خالد بن أحمد، عشاءً مع الحاخام ليفي شيمتوف، واجتماعات أخرى لاحقًا بين الملك والحاخام مارك شينير، رئيس سابق للمؤتمر اليهودي العالمي.

لقاء ملك البحرين حمد ببعض اليهود البحرينيين في نيويورك عام 2008. مصدر الصورة.

ثم بدأت الخطوط الدبلوماسية غير الرسمية بالعمل، فقد سُجِّلت في 13 يوليو 2009، شركة في البحرين اسمها «مركز التنمية الدولية»، تقدم بحسب الوثائق خدمات تسويقية وعلاقات عامة، واستخدمها الإسرائيليون غطاءً للعمل الدبلوماسي، ووظَّفت الشركة دبلوماسيين إسرائيليين ممن يحملون أكثر من جواز.

وبعدها بثلاثة أيام من تسجيل الشركة، نشر ولي العهد البحريني، سلمان آل خليفة، مقالًا جريئًا على موقع «واشنطن بوست»، يدعو فيه الدول العربية للتواصل المباشر مع الإسرائيليين، لإيجاد حل سلميًٍ للـ«نزاع».

يبدأ سلمان آل خليفة مقاله: «نحن بحاجة لتفكير جديد تجاه مبادرة السلام العربية إذا ما كانت ستفقر الفلسطينيين وتعرض أمن إسرائيل للخطر»، ويضيف: «هذه الأزمة ليست صفرية؛ أي إذا ربح طرف يُكتب على الآخر الخسارة». ويدعو سلمان فيها العرب للتواصل مع الشعب الإسرائيلي، فالسلام عملية طويلة تحتاج إلى جهد ووقت. وينهي مقالته: «عندما نحقق السلام، ستأتي التجارة».

وكشف موقع «ويكيليكس» عن وثيقة للقاءٍ سريٍّ في 23 يوليو 2009، جمع بين ولي عهد إمارة أبوظبي، محمد بن زايد، وأندرو شابيرو، مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون السياسية والعسكرية، لمناقشة بعض قضايا المنطقة ومنها الخطر الإيراني، وخلال اللقاء أشاد ابن زايد بمقالة سلمان على صحيفة «واشنطن بوست» واصفًا سلمان بالـ«شجاع»، بأنَّ العديد من الدول العربية مخطئة في نظرتها إلى الحل في المسألة الفلسطينية.

كلُها مصطلحات ألفتها الشعوب العربية وهي تشاهد مسيرة التطبيع اليوم، سلام، ازدهار، فرص جديدة، وانفتاح وتجارة. ولكن يأتي الربيع عام 2011 ليؤخِّر التطبيع قليلًا.

الربيع العربي يفاجئ هدى في واشنطن ويبرزها

أثناء عملها سفيرة للبحرين في الولايات المتحدة، اعتمدت هدى على الخطاب الناعم، خطاب التعددية الدينية والإثنية، وروجت للبحرين على هذا الأساس. ففي مقابلة بعد تعيينها بفترة بسيطة، تحدثت عن التعددية الدينية الموجودة في المملكة، وبعد سؤال المقدم: كيف تختلف البحرين عن جارتها السعودية؟ أجابت السفيرة بأن المجتمع البحريني منفتح ومتنوِّع، وفيه بجانب المسلمين: مسيحيون ويهود وبهائيون، ولم يفتها أن تذكر وجود دور للسينما على عكس السعودية التي كانت تحظرها آنذاك.

وفي 2009، تحدثت السفيرة هدى في مؤتمر سنوي مؤكدةً ما كتبه الشيخ سلمان في مقالته، وتحدثت عن أهمية السلام مع إسرائيل، والخطر الإيراني على المنطقة.

وجاء الربيع العربي ليهز البحرين معه، ويعيد ترتيب أولوياته باحتجاجات شعبية واسعة ضدَّ النظام الحاكم، وصلت مطالبها للمطالبة بإنهاء النظام الملكي، ورفعت شعارات الديمقراطية ومطلب انتخابات حرة ونزيهة.

Embed from Getty Images

وجدت هدى نفسها محط اهتمام إعلامي غير مسبوق لتغطية الحدث الفريد في البحرين، وتصدَّرت جهد التبرير لقمع النظام للتظاهرات، وتحدثت عن الديمقراطية في البحرين التي سمحت لها بأن تكون سفيرةً يهودية، وكيف أنَّ دولتها تعطي فرصًا وتمكن المواطنين. وفي بداية الأحداث شرحت هدى موقف الحكومة البحرينية ولماذا استجابت بالقوة للاحتجاجات قائلة أنّ «ليس جميع المتظاهرين مسالمين».

وفي مقابلة لها تحدثت هدى عن أنَّ «الربيع العربي» أحدث تحولًا في عملها الدبلوماسي، فلم يكن يعرف الأمريكان دولة البحرين إلا بعد اندلاع المظاهرات عام 2011.

ومن خلال استئجار شركات الضغط السياسي والعلاقات العامة، نسَّقت هدى ونشرت مقالات رأي لها على مواقع إعلامية، وبمساعدة الشركات كانت ترد على بعض التغطيات التي تقوم بها وسائل الإعلام الأمريكية، دفاعًا عن موقف المملكة في أحداث الربيع.

وبعد إعلان ملك البحرين إنشاء اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق، روجت هدى لهذه الخطوة وقالت إن المملكة عازمة على الإصلاح وتحسين حياة المواطن البحريني.

ومع تصاعد الاحتجاجات وهبوطها حتى 2014 في البحرين، ختمت هدى مسيرتها بالتشكيك بمظاهرات أغسطس (آب) 2013، والتي نظمتها «حركة تمرد البحرين»، وقالت هدى: «لقد فشلت المعارضة السياسية في الاستفادة من الفرص لعقدٍ حوار مع الحكومة البحرينية»، وانتهى عملها سفيرةً في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، لتعود للعمل في وزارة الخارجية البحرينية، ممهدة طريقها وطريق دولتها إلى «صهيون».

هذه القصة جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

المصادر

تحميل المزيد