في الخمسينات من القرن الماضي كان تصورنا عن المستقبل يحمل صورًا عن التقدم المذهل في التكنولوجيا المبتكرة، كأن يصبح الطعام في شكل كبسولات صغيرة، ويستعمر البشر الفضاء، ويتنقلون بين الكواكب بسهولة ويُسر، وتغزو ناطحات السحاب الضخمة الأرض، وتمتلئ المنازل بالابتكارات والأجهزة الفارهة والموفرة للجهد، التي تعمل بسلاسة فائقة.

مع ذلك، لم يتغير الكثير في بعض النواحي منذ الخمسينات إلى الآن. ومع أننا ما زلنا نميل إلى النظر للمستقبل من زاوية التقدم التكنولوجي المذهل، ونتطلع إلى استعمار كواكب أخرى، وغيرها من الصور النمطية التي نراها في أفلام الخيال العلمي، إلا أن هناك بعض التغيرات التي طرأت على نظرتنا للمستقبل، خاصة في ظل التغير المناخي والمشكلات البيئية التي تواجه كوكبنا، وباتت تهدد إمكانية الحياة عليه.

يمكن القول إن الفرق الرئيس الذي تغير في نظرتنا للمستقبل اليوم عن ذي قبل، إدراكنا بأن مواردنا البيئية قد استنفدت بمعدل يُنذر بالخطر، ومن أجل تقليل تأثيرنا السلبي على هذا الكوكب، يرى العلماء أنه يجب أن تكون منازل المستقبل مختلفة جذريًا، مع التركيز على كفاءة الطاقة، والاعتماد على الموارد المستدامة، وتعزيز الشعور بالمسؤولية الاجتماعية تجاه الحفاظ على الحياة على كوكب الأرض.

وفي ضوء ذلك، كيف ستبدو المنازل في المستقبل؟ وما هي الموارد البديلة التي سنعتمد عليها؟ هذا ما نتناوله في السطور التالية.

البكتيريا تساعد في بناء المنازل!

جزء من مشروع مدعوم من الاتحاد الأوروبي، طورت شركة إسبانية في مدريد أسمنت بيئيًا أرخص، ومستدامًا، وقائمًا على البكتيريا. تتشكل المادة من خليط بكتيري، يجري تزويده بالمواد المغذية والتربة، ثم ينضج بعد تعريضه لدرجة حرارة 30 درجة مئوية لمدة ثلاث ساعات تقريبًا. وبعد عملية التخمير الأولية هذه تنتج البكتيريا الحجر الجيري، أحد مكونات الإسمنت الأساسية. ومع إضافة حفنة من الرمال، وبقايا الإسمنت الصناعية، بالإضافة إلى رماد قشر الأرز، ينتج الإسمنت في شكله النهائي.

تقول لورا سانشيز ألونسو، مهندسة التعدين ومنسقة مشروع الإسمنت البيئي: «جميع المواد الخام لدينا هي في الأساس مجموعة من النفايات. لذلك لم نتحمل تكاليف إضافية. على سبيل المثال، لسنا بحاجة إلى استخراج ونقل الحجر الجيري المستخدم عادة لإنتاج الإسمنت، إلى جانب توفير تكاليف الطاقة».

وإذا جرى تطبيق هذا النهج البكتيري في صناعة الإسمنت، سيساعد ذلك في خفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 11٪ تقريبًا، فضلًا عن خفض تكاليف إنتاج الإسمنت بنسبة 27٪. قد تبدو خطوة واعدة في الحفاظ على البيئة، ومواجهة مشكلات التغير المناخي المتفاقمة، ولكنه ما يزال يسبق تطبيقها عدة تجارب يجريها الباحثون لضمان كفاءتها العملية.

أقوى من الرخام وأسهل في الصنع.. ناطحات سحاب خشبية

تقول الأمثال الشعبية: «القديم ثمين»، وهو ما ينطبق تمامًا على الخشب الذي سوف نشهد عودته القوية ضمن مواد البناء. يمتلك الخشب مزايا عديدة ومغرية جدا؛ فهو مادة قوية ومستدامة، إلى جانب كونه متعدد الاستخدامات. وعلاوة على ذلك، فإذا كانت الحاجة تتطلب صنعها من الحديد الصلب، ولكنك تفضل صناعتها من الخشب، فبالإمكان فعل ذلك عن طريق جعل الخشب أكثر كثافة. كذلك، يمكن صناعة النوافذ من الخشب الشفاف الذي يعد أقوى من الزجاج وأسهل في الصنع.

تمكن برنامج «Wood Works BC» المعني بالخشب الكندي من تنفيذ مشروع ناطحة سحاب خشبية، تدعى «Brock Commons»، عبارة عن سكن للطلاب في حرم جامعة كولومبيا البريطانية. وقد علّق لين إمبري وليامز، المدير التنفيذي لمجلس البرنامج: «عندما يصبح مبنى مثل هذا حقيقة واقعة، فإنه يمهد الطريق لمشاريع إضافية في جميع أنحاء البلاد، بل ربما في جميع أنحاء أمريكا الشمالية وجميع أنحاء العالم».

ومن ناطحات السحاب الخشبية إلى توربينات الرياح، وناطحات السحاب العملاقة، يؤكد الخشب أهميته الراسخة في كونه أحد أقدم مواد البناء التي سنراها في المستقبل، وستظل تستخدم دائمًا وأبدًا.

بطاريات حرارية وترموستات ذكية.. أجهزة التدفئة المستقبلية

مع قدوم أشهر الشتاء الباردة، تظهر الحاجة إلى التحكم في درجة الحرارة، وتدفئة أماكن السكن المكان خلال فصل الشتاء. وتعد البطارية الحرارية التي طورتها المختبرات الفيدرالية السويسرية لاختبار المواد والبحث (EMPA) واحدة من أفضل الأجهزة في هذا المجال، وتقوم فكرة عملها على خلط هيدروكسيد الصوديوم (NaOH) بالماء؛ لتوليد الحرارة خلال الأشهر الباردة. وعند قدوم الصيف، يجري إعادة شحن البطارية عن طريق تركها في الشمس حتى تجف.

كذلك، سوف يتوفر ترموستات ذكية موفرة للطاقة، لها القدرة على إغلاق التيار المتردد عن بعد، أي غلق نفسها بنفسها؛ وبالتالي تساعد أولئك الذين ينسون أجهزة التدفئة مولعة بعد مغادرة المنزل. وبذلك سوف توفر منظمات الحرارة الذكية تلك كثيرًا في تكاليف الطاقة، بدرجة تُعوض أصحابها ثمن شرائها خلال فترة قصيرة.

تزايد الاعتماد على الطاقة النظيفة وتنقية المياه بالرمال

تعد أسقف الألواح الشمسية إحدى أفضل الطرق الحالية في توليد طاقة المنازل النظيفة، ونظرًا لأنها وسيلة نظيفة، ورخيصة نسبيًا، وسهلة الصيانة، وذات كفاءة عالية، فمن المرجح أن يستمر استخدام الأسطح الشمسية في منازل المستقبل. ومن أجل ضمان الحصول على أكبر قدر ممكن من الطاقة، فيمكن تحويل النوافذ إلى مصدر للطاقة أيضًا، إلى جانب الأسقف.

أما عن المياه؛ فقد كانت المياه دائمًا أكثر صعوبة في توليدها بشكل فعال في المنازل؛ إذ إن الآبار ليست خيارًا واقعيًا لمن يعيشون في المدن الكبيرة. وحتى إذا كنت تملك قطعة أرض كبيرة بما يكفي لحفرها جيدًا، فإن المياه الجوفية عادةً ما تكون ملوثة للغاية تحت المدن؛ لذلك يجب ألا تشربها. مع ذلك يملك الباحثون طرقًا أخرى للحصول على مياه شرب نظيفة من الطبيعة الأم.

تمكن فريق من الباحثين من تطوير طريقة تستخدم الرمال المغلفة بأكسيد المنجنيز لتنقية مياه الأمطار، وفيها تعمل جزيئات الرمل على التخلص من الشوائب فيزيائيًا، في حين يعمل أكسيد المنجنيز على تحليل الملوثات العضوية. وقد كان الفريق يعتزم استخدام هذه الطريقة على نطاق واسع من أجل تزويد المجتمعات النازحة بالمياه الجوفية النظيفة، التي يمكن ضخها في الأنابيب أو إقامة الآبار فوقها، إلا أنه يمكن أيضًا تكييفها لتوفير مياه الأمطار النظيفة للمنازل بشكل فردي كل على حدة.

خزانات ملابس ومرايا «فاشونستية».. الواقع الافتراضي يدخل غرف النوم

لا داعي للقلق حول ما ترتديه اليوم، وهل سيكون مناسبا للطقس أم لا، وما إذا كان الزي الذي تفكر في ارتدائه جاهزا أم لا، إذ أن خزانات الملابس المستقبلية سوف تعفيك من القلق حول كل هذه الأمور وغيرها.

سوف تشهد غرف النوم في المستقبل خزانات ملابس ومرايا تعمل بتقنية الواقع الافتراضي، والتي تستقبل البيانات حول الملابس التي تحويها، وتوقعات الطقس اليومية، وبناءً على ذلك تقترح عليك ملابس ترتديها في كل يوم. ليس هذا وحسب، تعرف تلك الخزانات أيضًا الملابس الجاهزة للارتداء عن غيرها؛ لأنها تستقبل المعلومات التي يجري تسجيلها تلقائيًا عند غسل الملابس، وكيّها عبر وحدة الغسيل الجاف. وعلاوة على ذلك، يعمل المصممون على صنع مرآة ذكية تُري الشخص كيف سيبدو مظهره، عندما يختار قِطعًا من الملابس ليُجربها، دون الحاجة لارتدائها فعليًا.

خزانات ملابس ومرايا تستخدم تكنولوجيا الواقع الافتراضي. المصدر: Property Buyer Expo

قد يبدو ذلك بعيد المنال قليلًا، ولكن هذه الاختراعات موجودة بالفعل في مراحل مختلفة من التطوير، ومن المقرر أن تصبح جزءًا من منازل المستقبل غير البعيد، وفقًا لكيلي ماير، منتجة معرض «Property Buyer»، التي تتنبأ أيضًا بإمكانية إيصال قطع الملابس، وأزواج الأحذية وغيرها جوًا عبر الدرونز (الطائرات بدون طيار) في غضون ساعات قليلة، بنقرة زر واحدة في المستقبل القريب.

أسرَّة وحمَّامات تراقب مؤشراتك الحيوية

لا تقتصر التصاميم في منزل المستقبل على الشكل والمظهر وحسب، بل تعتني أيضًا بالجانب الصحي عناية كبيرة. ويمكن أن تصبح بعض تصاميم المستقبل ثورية في عدة نواحٍ، خاصةً تلك المتعلقة بالصحة. على سبيل المثال، في حمامات المستقبل سوف تقوم المراحيض بتحليل مخرجات الجسم، مثل البول والبراز، وتجري لها اختبارات طبية، تبحث عن وجود أي مشاكل صحية بها، وفقًا للسيدة كيلي. وأضافت كيلي: «سوف يجري تحليل مستويات السكر لمرضى السكر، ومستوى السوائل في الجسم، إلى جانب بعض الاختبارات البسيطة التي يمكن القيام بها في المنزل».

حمامات المستقبل. المصدر: Property Buyer Expo

ويبدو أن الحمامات ليست وحدها التي ستشهد تغيرات ثورية؛ إذ تقول كيلي: «إن الأسرَّة كذلك سوف تساعد في زيادة دورات النوم إلى أقصى حد، من خلال مراقبة أنماط النوم، والتنفس، ونبض القلب. وعن الكيفية التي سيجري بها ذلك»، توضح كيلي أنه يجري تصميم سِوار يرتديه الشخص حول معصمه، وإذا تعرض لحدث ما مثل أن يتوقف تنفسه أثناء النوم، فستكون هناك مجسّات ذكية في السرير، متصلة بنظام تكنولوجي مركزي، يلتقط الإشارات إذا انخفض معدل ضربات القلب لدى شخص ما، ويحدد مكانه، ويملك المعلومات حول أبنائه للاتصال بهم.

كيف تنظم منزلك؟ الفلسفة الصينية «فينج شوي» تساعدك

المصادر

عرض التعليقات