أثارت سيطرة جماعة «الحوثي» السريعة على مديرية جبل مراد بمحافظة مأرب في اليمن، بعد الاتفاق الذي جرى بينها وبين قبائل المنطقة، الكثير من التساؤلات حول مدى نفوذ جماعة «الحوثي» لدى القبائل اليمنية، وكيف تمكنت من تحييد القبائل في الصراع، على الرغم من أن أبناء هذه القبائل لطالما حاربوا «الحوثي» وقتلوا العشرات منهم.

فبعد تسليم قبائل «جبل مراد» مناطقهم للـ«حوثي» جرى وضع السياسة التي تبناها التحالف العربي الذي تقوده السعودية والإمارات والحكومة الشرعية وحزب التجمع اليمني للإصلاح، موضع تساؤل، خاصة أنهم تركوا أبناء القبائل في مأرب وحيدين يواجهون «الحوثي» دون دعم حقيقي بالسلاح أو العتاد.

وتحاول جماعة الحوثي بسط نفوذها على شيوخ القبائل، بدءًا من استغلال الشقاق فيما بينهم، وحتى التماهي الشكلي معهم، فالصورة التي يخرج بها عبد الملك الحوثي زعيم الجماعة، بالملابس اليمنية الخاصة بالقبائل، وتحديدًا ما يعرف بـ«الجنبية» (الخنجر الذي يلف حول الخصر) ترسل رسائل إيجابية لشيوخ القبائل الذين يحاول استمالتهم.

القبائل.. العنصر الصعب في المعادلة اليمنية

يصل عدد القبائل في اليمن إلى نحو 127 قبيلة موزعة على كامل مساحة اليمن، في الشمال، حيث يسكن أغلبها الجبال، وفيما تستقر معظم القبائل بالجنوب في المناطق الساحلية، وتشكل القبائل اليمنية نحو 85% من إجمالي عدد السكان، وتعد القبيلة المحرك الأساسي للحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وتتبع القبائل مذهبي السنة والزيدية، ومعظمها يتبع الأخير، خاصة في الشمال اليمني الذي يضم كثافة سكانية عالية.

وتحكم اليمن عادات وتقاليد معتمدة بشكل أساسي على النظام القبلي؛ إذ يوجد لكل قبيلة نظامها القضائي الخاص بها، ويحكمها ما يسمى بـ«الشيخ» (ويقصد به كبير القبيلة)، وكلمته مسموعة عند جميع أبناء القبيلة الذين قد يتبعونه بشكل أعمى، ويوجد لكل قبيلة أكثر من شيخ يتصارعون فيما بينهم، وهذه المسألة بالتحديد لعب على وترها جميع من حكم اليمن وآخرهم الحوثي الساعي للسيطرة على اليمن.

عربي

منذ شهر
من ميدان المعركة الحاسمة.. أين وصلت الحرب في مأرب؟

فقد اعتمد الملوك والحكام والأمراء والأئمة الزيدية منذ دخول الإسلام إلى اليمن وحتى العصر الحديث، على ولاء وطاعة شيوخ القبائل، وذلك لما لهم من تأثير كبير في تثبيت حكمهم أو تغييره، وكان يجري إمالتهم بالأموال والهبات والهدايا، فيما كان الشيوخ يبدلون ولاءهم لمن يدفع أكثر أو يعدهم بمنصب.

ولذا حرص الرئيس اليمني السابق، علي عبد الله صالح، المنحدر من قبيلة «سنحان» إحدى قبائل «حاشد» على شراء ولاء شيوخ اليمن، وقد قال سابقًا مقولته الشهرية إن «حكمه لليمن كالرقص على رؤوس الأفاعي».

الحوثي يرقص على رؤوس الأفاعي أيضًا

ينتمي عبد الملك الحوثي إلى قبيلة «حوث» التي تسكن محافظة صعدة شمال اليمن في منطقة سُميت باسم قبيلتهم، وكانت القبيلة حتى نشأة جماعة «الحوثي» بلا نفوذ؛ لذا حين سعت «الحوثي» للسيطرة على صنعاء رفضت العديد من القبائل أن تدين للجماعة بالولاء، بل قاتلتها بعض القبائل في بداية الأمر، إلا أن تحالف الرئيس اليمني السابق، علي عبد الله صالح، مع جماعة «الحوثي» منع هذه القبائل من الاستمرار في القتال، بحكم سيطرة عبد الله صالح على قرار الكثير من القبائل.

Embed from Getty Images

مقاتلون من أبناء قبائل مأرب موالون للحكومة الشرعية

لذا فقد أعطى التحالف مع عبد الله صالح دفعة قوية للـ«حوثي» ومكنها من السيطرة على العاصمة صنعاء عام 2014، لكن بعد أن قتلته الجماعة أواخر عام 2017، ظهرت خلخلة كبيرة في صفوف القبائل، وانتقل بعضها إلى الجانب المُعادي للجماعة، إلا أن كثيرًا من القبائل أبقت على تحالفها مع «الحوثي» لعدة أسباب منها عقائدي وسياسي؛ كون غالبية القبائل تنتمي للمذهب الزيدي، فضلًا عن حصولها على مناصب في السلطة التابعة للجماعة.

إذ ينتمي زعيم «الحوثي» للمذهب الزيدي رغم أنه يعد نفسه من آل بيت رسول الله ويُلقب بـ«السيد» أو «الهاشمي»، ويتوافق هذا مع تقسيم الطبقات الاجتماعية في اليمن، الأولى: طبقة السادة والثانية القبائل، أما الثالثة فهي «المزاينة» الذين يمتهنون مهنًا دونية مثل الحلاقة والجزارة والنظافة وغيرها، أو امتهنها أجدادهم، بينما تصف بعض التقارير زعيم الجماعة بأنه شيعي المذهب، وأنه بات يتبع للسياسة الإيرانية مثله مثل زعيم حزب الله اللبناني، حسن نصر الله.

تقرير مصور عن انتماء الحوثي للزيدية

ولعلمه بأهمية القبائل المركزية في المعادلة السياسية باليمن، فقد أسس الحوثي ما يسمى بـ«مجلس التلاحم القبلي» عام 2013، والذي يرأسه الشيخ «ضيف الله رسام»، وعمل هذا المجلس منذ تأسيسه على حل المشكلات العالقة بين القبائل في محافظة صعدة والصلح فيما بينها، ليتوسع عمله لاحقًا ليشمل كامل المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثي.

اللقاء القبلي الموسع لشيوخ ووجهاء مأرب

ومن مهام المجلس المستحدثة التواصل مع شيوخ القبائل في مناطق الحكومة الشرعية، وقد كان له الدور الأبرز في تسليم بعض المناطق بدون قتال مثل «الجوبة» و«جبل مراد»، ومؤخرًا نظَّم المجلس مؤتمرًا أطلق عليه «اللقاء القبلي الموسع لمشائخ ووجهاء مأرب»، اجتمع فيه عدد من شيوخ المحافظة لمناقشة مبادرة تقدم بها زعيم الجماعة «عبد الملك الحوثي».

مبادرة «الحوثي» التي قسَّمت شيوخ مأرب

لم يولِ الرئيس السابق، علي عبد الله صالح، أهمية كبيرة لمحافظة مأرب على مدار فترة حكمه الطويلة، من ناحية التنمية وتطوير البنية التحتية للمحافظة الغنية بالنفط؛ إذ كانت خيراتها تذهب لغيرها، وكانت قد تسببت هذه السياسة في توتر كبير في قبائل مأرب وحكومته، فكانت قبائل مأرب تعد صداعًا في رأس الحكومة من خلال قطعها للطرق واستهداف أنابيب النفط أحيانًا، وكان صالح يتعامل مع المحافظة بشكل حذر للغاية؛ كون غالبية قبائل مأرب ينتمون للمذهب السني، فكان نفوذه مقصورًا على بعض القبائل.

ولهذا السبب بالتحديد كان لا بد لعبد الملك الحوثي من تقديم مبادرة جاذبة لقبائل مأرب لتحييدها في الصراع الدائر مع الحكومة الشرعية وقوات التحالف، فدشن في أواخر أغسطس (آب) 2021، والتي تهدف، حسبما تقول الجماعة، لتحقيق السلام العادل والشراكة وحصول أبناء مأرب على النصيب الأكبر من ثروة المحافظة وخيراتها، ومن ثمَّ ضرب «الحوثي» على وتر الشعور بالتمهيش والإفقار لدى سكان المحافظة، لسحب البساط من تحت أقدام الحكومة الشرعية وحزب الإصلاح والتحالف العربي، وبث الفرقة بين القبائل أنفسها.

ففي تقرير لصحيفة «لوفيجارو» الفرنسية عقب إطلاق المبادرة بثلاثة شهور، ذكرت فيه أن سقوط مأرب مرهون بانتصار جماعة «الحوثي» على القبائل القوية، خاصة أن القبائل هم عمود الدفاع عن المحافظة، وأشارت الصحيفة إلى أن حصول اتفاق بين الحوثيين والقبائل سيمنع الاقتتال وتدمير مساحات كاملة من مدينة مأرب، وهذا ما روَّجت له «الحوثي» بدعوتها لحقن الدماء، وقد تمكنت بالفعل من استدراج العديد من المشايخ للقبول بالمبادرة وتسليم مناطقهم في مأرب، والعمل جارٍ مع قبائل المناطق الأخرى لتسليم مناطقهم أيضًا، فهل ينجح في ذلك؟

فقد لعب الحوثي على مسألة تعدد الشيوخ في مأرب والصراع فيما بينهم، بالإضافة إلى انعدام التناغم مع قوات الحكومة الشرعية والتحالف؛ إذ إن هناك اتهامات تسوقها بعض التقارير المعادية للحكومة الشرعية بتخاذل القبائل فيما بينها، وهو ما استفادت منه «الحوثي» في استمالة بعض الشيوخ إليها.

ما الذي دفع القبائل للتوافق مع «الحوثي»؟

لم يكن لمعظم قبائل مأرب أن تقبل بدخول جماعة الحوثي إلى مناطقها في السابق، لو كان هناك دعم فعَّال لهم في المعارك من قِبل التحالف، إلا أن هذا التخاذل حسبما أسموه، دفعهم للتفاوض والخروج بأقل الخسائر حفاظًا على مناطقهم وأرواح أبنائهم.

ففي مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 وجَّهت فروع الأحزاب والمكونات السياسية ومن بينها حزب الإصلاح بمحافظة مأرب، انتقاداتٍ شديدة للحكومة الشرعية وللتحالف لسوء إدارة المعركة عقب التقدم الكبير الذي أحرزته جماعة «الحوثي» على الأطراف الجنوبية والغربية من المحافظة، وكذلك اتهموهم بالفشل في مسؤولياتها سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا وإعلاميًّا، ويمكن تلخيص أخطاء التحالف في عنصرين مهمين:

أولًا: افتقدت إستراتيجية التحالف للدفاع عن مأرب التنسيق الفعلي مع القيادات العسكرية على الأرض، على الرغم من أن التحالف ينفذ يوميًّا أكثر من غارة جوية في مأرب، فإنها غالبًا ما تكون عشوائية وأحيانًا بعيدة عن مناطق الاشتباكات الفعلية أصلًا.

فحين دارت اشتباكات عنيفة بين قبائل مديرية العبدية و«الحوثي» لأكثر من ثلاثة أسابيع بشكلٍ متواصلٍ، وشنت خلالها طائرات التحالف غارات جوية مكثفة على مواقع «الحوثي» في المديرية أدَّت إلى مقتل وجرح العشرات منهم، حسب رواية التحالف، تمكنت «الحوثي» من السيطرة عليها رغم الغارات، وذلك لأن القبائل انسحبت بسبب نفاذ الذخيرة اللازمة لمواصلتهم القتال، وكذلك الغذاء، حسب رواية محرر الشئون اليمنية بقناة «الجزيرة» أحمد الشلفي، ليشن الحوثيون بعدها حملة اعتقالاتٍ واسعة وتنكيل بأبناء العبدية، وهو ما يوضح أن التنسيق بينهم في أدنى مستوى له، فضلًا عن غياب الدعم.

Embed from Getty Images

ثانيًا: استئثار حزب التجمع اليمني للإصلاح بالمناصب الإدارية والكثير من الوظائف داخل تشكيلات الجيش، على الرغم من أن بعض الكوادر التي جرى تعيينها مؤخرًا لا تملك المؤهلات أو الخبرة الكافية لشغل تلك الوظائف؛ إذ عمل الحزب على توسيع نفوذه في مأرب بشكلٍ كبيرٍ، مستفيدًا من انتماء محافظ مأرب اللواء سلطان العرادة له، والذي سهَّل هذه التعيينات، لذا فقد وجد أفراد القبائل الذين لا ينتمون إلى «الإصلاح» صعوبةً في الحصول على الوظائف والمساعدات، ورأى المأربيون أن هناك من يتحكم بنفطهم وخيراتهم ولا يصلهم شيء.

وأدت هذه الأخطاء والسياسات، بالإضافة إلى التخوف من مصير مشابه لأبناء مديرية «العبدية» إلى توافق قبائل مديرية «جبل مراد» مع «الحوثي» على تحييد مناطقهم والسماح لأرتال الجماعة بدخول مناطقهم والتوجه إلى الجبهات الأخرى.

وكذلك دارت مفاوضات أخرى مع قبائل في مديرية «الجوبة» أسفرت عن وصول «الحوثي» إلى جبال «البلق» لتصبح قوات الجماعة بهذا مطلة على مدينة مأرب، وهذا ما أشار إليه ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏المتحدث الرسمي باسم القوات الحوثية العميد يحيى سريع، حين شكر قبائل مأرب، التي ساعدت قواته للسيطرة على مديرتي «جبل مراد» و«الجوبة».

خريطة تظهر تقدم الحوثيين ووصولهم إلى جبال «البلق» المشرفة على مدينة مأرب (الأخضر مناطق الحكومة الشرعية والأحمر مناطق جماعة الحوثي) المصدر: حروب الشرق الأوسط

كما دارت أيضًا مفاوضات مع قبيلة «عبيدة» التي ينتمي محافظ مأرب سلطان العرادة لها، فرغم أن القبيلة أصدرت بيانًا هددت فيه بهدر دم أي شخص يتواصل أو يتعاون مع «الحوثي»، فإن عدد من مشايخها قد انخرط في التفاوض مع الجماعة.

وبسبب هذه المعطيات، فقد ينجح «الحوثي» في التوصل لاتفاق مع باقي قبائل مأرب، ويتمكن من دخول المديريات الأخرى بدون قتال، ففارق القوة شبه محسوم لصالح «الحوثي» الذي يملك السلاح والعتاد الأفضل والأقوى، في حين أن مساحة المراوغة لدى القبائل ضيقة للغاية.

وبعد أن ذاق سكان مأرب صواريخ «الحوثي» التي أدت إلى مقتل العشرات منهم، سيسعى المأربيون بكل السبل لمنع تكرار تلك الآلام، وإذا ما اتفقت القبائل مع الجماعة فلن يكون للحكومة الشرعية والتحالف أي خيار سوى مغادرة مأرب.

عربي

منذ 4 شهور
بعد معركة البيضاء.. لماذا تُفشل الإمارات معارك اليمن ضد جماعة الحوثي؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد