في لحظة نادرة من لحظات التجلي السياسي والصدق مع الذات، وصف الرئيس اليمني السابق «على عبد الله صالح»، حكم اليمن بأنه «كالرقص على رؤوس الثعابين»، يصف بذلك صعوبة مهمّته، واستحالة إرضاء الجميع، ويبدو أن صالح حينئذ كان يمدح نفسه من حيثُ لم يقصد، فهو قد تمكن من «الرقص مع الثعابين» في اليمن طيلة ثلاثة وثلاثين عامًا كان فيهم رئيسًا للبلاد.

قد يكون اليمن قريبًا على موعد مع رقصة أخرى لصالح، الذي تخوض قواته اليوم – إلى جانب الحوثيين – حربًا مع قوات الحكومة اليمنية «الشرعية» برئاسة عبد ربه منصور هادي، مدعومة بتحالف سعودي – إماراتي، لكنَّ ثمة العديد من المؤشرات التي توحي بأن خريطة التحالفات والعداوات في البلد على موعد مع تغيرات دراماتيكية قريبًا.

صراع يطفو إلى السطح

«حرب كلامية»، هكذا يمكن وصف الخلافات الأخيرة الآخذة في التصاعد بين كل من الحوثي وصالح، إذ شهدت الأيام الماضية تصاعدًا في اللهجة الهجومية لكلا الطرفين إزاء الآخر، وصل إلى مستويات غير مسبوقة من الهجوم العنيف، ولم يعد التراشق الإعلامي مقتصرًا على القواعد والقيادات الوسيطة، بل تجاوزه إلى رؤوس الحزبيين، الذين تجاوزوا عبارات التلميح إلى التصريح والمباشَرة.

وقد خصص زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي جل خطاب سابق له في الهجوم على حزب المؤتمر الشعبي الذي يتزعمه صالح، متهمًا بعض قياداته بالخيانة، ومؤكدًا أنهم يسعون إلى عقد «صفقات استسلام»، واعتبر أنه «يتلقى طعنات في الظهر»، في إشارة إلى حزب صالح.

تلا ذلك بأيام بيان للجان الثورية التابعة للحوثيين، وصفت صالح بـ«الغدر»، وبأنه تجاوز الخطوط الحمراء بعد وصفهم بـ «الميليشيا»، مؤكدين بأن عليه «تحمل تبعات قوله، والبادئ أظلم»، وقد وصل تصعيد الحوثيين ضد صالح إلى حد دعوة وزير الشباب والرياضة التابع للحوثيين إلى «ضرب راس الفتنة» في إشارة إلى تصفية صالح.

ويحتشد أنصار المؤتمر الشعبي – تلبية لدعوة صالح – في صنعاء، للاحتفال بالذكرى الـ35 لتأسيس الحزب، فيما قرئ على أنه استعراض قوة، ومؤشر على مزيد من التصعيد من قبل صالح، الذي هدد بـ«رد عنيف» على كل من تسول له نفسه المساس بأمن وسلامة والمؤتمر، بعد أنباء عن توجيه الحوثيين أتباعهم للاحتشاد في مداخل صنعاء، في اليوم نفسه، تحت عنوان «التصعيد يقابل التصعيد».

صالح يتوجس من الحوثي

ليس جديدًا الحديث عن خلافات بين طرفي تحالف الحوثي – صالح، فتلك الأحاديث هي قديمة قدم التحالف نفسه، تختلط فيها حقائق الواقع بتمنّيات الخصوم، فقبل عامين وفيما كانت حملة التحالف العربي في اليمن في حماستها الأولى، تناقلت وسائل أنباء أحاديث عن رفض عناصر من الحرس الجمهوري التابع لصالح الامتثال لأوامر القادة الحوثيين لخوض معارك في محافظات عدة، فضلًا عن ضيقهم من سيطرة الحوثي على مفاصل القوة العسكرية، وإحلاله رجاله الأوفياء محل القادة السابقين الموالين لصالح.

وبعد سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء، قاموا بتحريك رجالهم للسيطرة على الوزارات المهمة، مثل الداخلية والدفاع والمالية والبنك المركزي؛ وهو ما أدى إلى تقليل نفوذ صالح في تلك القطاعات، كما تحدثت تقارير عن قيام الجماعة بزرع عناصر موالية لها في كافة المعسكرات والوحدات التابعة لصالح، لضمان ولائها.

وكانت إحدى المحطات الكبرى في الخلاف بين الرجلين، حين أصدر الحوثي «الإعلان الدستوري»، وأقدم الحوثي على حل البرلمان، الذي كان يتمتع فيه حزب صالح بنفوذ كبير، وكان الأخير يعول عليه في سحب شرعية هادي و«الانتقام» له من منافسيه، وفي المقابل شكل الحوثيون «اللجنة الثورية العليا» التي عدت بمثابة مجلس للحكم، كما شكلوا «اللجان الثورية» في المديريات والمحافظات المختلفة، الأمر الذي جعل للحوثي اليد الطولى على صالح.

وقد ظلت تلك القرارات محلًا للخلاف بين الجانبين، فلا يفوت أنصار صالح مناسبة، إلا ويطالبون بالتراجع عنها، حتى تم إعلان توصل الجانبين إلى ما يمكن وصفه باتفاق «لتقاسم السلطة» أواخر يوليو (تموز) 2016، تقرر بموجبه تشكيل مجلس سياسي لإدارة شؤون البلاد، يتساوى فيه عدد الأعضاء من حزب صالح مع عدد الأعضاء من جماعة الحوثي، ويتناوب على رئاسته كلا الطرفين، لكن ظلت الاتهامات تلاحق الحوثيين بعدم تنفيذ مقررات الاتفاق، حتى قيل بأن مسؤولي المجلس السياسي لا يستطيعون تلقي أي اتصال دون المرور على الحوثيين أولًا.

الصراع على «التمثيل السياسي» كان كذلك أحد جوانب الخلاف بين الرجلين، إذ ظهرت الخلافات بين الجانبين في الاجتماعات الدولية، فسعى كل منهما إلى الاستحواذ على تمثيل الطرف المعارض لهادي في المحافل الدولية، كما ذكرت تقارير أن صالح كان يعترض على المسلك الأحادي الذي ينتهجه الحوثيون في عملية التفاوض مع الرياض.

الحوثي لا يثق بصالح

وفقًا لقناة «العربية» السعودية، فقد كان أحمد صالح نجل الرئيس اليمني السابق في الرياض قبيل ساعات قليلة من انطلاق عاصفة الحزم، وبحسب القناة، فقد جاءت تلك الزيارة بطلب من نجل صالح نفسه، ليعرض على المسؤولين السعوديين ما يمكن وصفه بـ«صفقة» تحقن الدماء وتوقف العملية المرتقبة.

في اللقاء الذي جمعه بولي ولي العهد السعودي حينئذ -ولي العهد الحالي- «محمد بن سلمان»، طالب ابن صالح برفع العقوبات عن والده من قبل مجلس الأمن الدولي، والتي تشمل منعه من السفر وتجميد أصوله المالية، كما طلب تثبيت الحصانة عليه وعلى والده، ووقف الحملات الإعلامية ضدهما، وفي المقابل، تعهد بـ«الانقلاب» على الحوثيين، وأن يقاتلهم بمائة ألف من الحرس الجمهوري الذي يتبعه، ووفقًا للمصدر ذاته، فقد لاقت تلك الصفقة رفض ابن سلمان، الذي أصر على ضرورة الالتزام ببنود المبادرة الخليجية.

ويبدو أن الحوثيين لا يطمئنون تمامًا لصالح الذين يدركون مهارته في «الرقص على رؤوس الثعابين» كما ذكرنا، وكثيرًا ما تتّهم قوات صالح من قبل الحوثيين بالتراخي في القتال، والتنصل من تعزيز الجبهات ضد قوات هادي، وحمّلوا مسؤولية الإخفاقات في بعض المعارك لصالح ورجاله، معتبرين أن «الحوثيين وحدهم هم من يتحملون مسؤولية القتال في تلك الجبهات».

وكانت تقارير أخرى قد ذكرت أن السفارة الإيرانية في صنعاء قد وجهت نصائح للحوثيين حول كيفية التعامل مع صالح ورجاله، وتتلخص في تجنب استعدائه قدر ما يمكن، والحرص على استمالته أو تحييده، وفي الوقت نفسه عدم الاعتماد على استمرار التحالف معه، إذ إنه – بحسب المصادر ذاتها – ليس حليفًا موثوقًا.

لا تنحصر أسباب عدم ثقة الحوثيين بصالح في ماضيه فقط، بل لها علاقة بتحالفاته «المتناقضة» حاليًا مع دول التحالف العربية، وهي التي من المفترض أن الجانبين يخوضان حربًا ضروسًا ضدها، حيث يقيم نجل صالح حاليًا في الإمارات يصول ويجول، ويُنظر إليه على أنه «استثمار» إماراتي في مستقبل السياسة في اليمن، وتتكاثر في تلك الآونة التسريبات عن خطط محتملة تُرتّب بين الرياض وأبو ظبي، تتلاقى أغلبها في تأكيد منح دور محوري لنجل صالح في مستقبل اليمن، فيما يوصف بـ«إعادة تأهيل» حزب المؤتمر الشعبي.

وإلى جانب أن الإمارات ترى في «حزب الإصلاح اليمني» المحسوب على الإخوان المسلمين عدوا لا يقل ضراوة عن الحوثيين، فإنها تسعى دومًا إلى التفريق بين صالح والحوثي، ولا تضع الجماعتين في سلة واحدة، بل إنها أثنت مؤخرًا على خطاب لعلي عبد الله صالح، ووصفته بأنه «يمثل فرصة لكسر الجمود السياسي في اليمن الذي كرسه تعنت الحوثي».

تاريخ من الحرب والدم

إذا سارت الأمور نحو المزيد من التصعيد، ولم ينجح طرفا «تحالف الضرورة» في تهدئة التوترات المتصاعدة بينما، وإذا ما وصلت المسألة إلى القطيعة التامة التي ستنقلب بالضرورة إلى عداوة نظرًا لسيولة الحالة السياسية والوضع العسكري اليمنية، فلا  يُعلم حينها إن كان الماضي هو ما يلقي بظلاله على الحاضر، أم أن الحاضر هو الذي يصر على استدعاء الماضي بتفاصيله؟

بالرغم مما تمليه أحيانًا ضرورات السياسة والأزمات، فإن التاريخ لا يسمح لصالح والحوثي أن يحملا لبعضهما الكثير من الود، خاض الطرفان منذ العام 2004 ست جولات من الصراع،، واسفرت أولى الجولات عن مقتل حسين بدر الدين الحوثي في المعارك بين الطرفين.

استمرت جولات الصراع تباعًا، كال فيها صالح للحوثيين الكثير من الهجوم، واتهمهم بالتحالف مع حزب الله وإيران والسعي لإعادة نظام الإمامة، فيما كان معارضو صالح يقولون إنه يتخذ تلك الحروب وسيلة للهروب من واقع الفوضى والفساد الذي انتشر في البلاد واستشرى في مفاصل الدولة.

راح ضحية تلك الحروب آلاف القتلى، وإضعافهم من الجرحى والمشردين، وقدّرت الخسائر الاقتصادية بنحو خمسة مليارات دولار، إلى أن جاءت ثورة العام 2011 التي أطاحت بحكم صالح، لتفرض حينها ضرورات المصلحة التحالف بين عدوي الأمس، تحالف يبدو أن يواجه اليوم بوادر شقاق توقعه الجميع وانتظروه يومًا بعد يوم.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد