كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن جهود الإصلاح السياسي في اليمن بين جماعة “الحوثيين” ومؤسسة الرئاسة اليمنية والحكومية معًا، حتى بدأ الحديث عن احتمال فشل المفاوضات مع “الحوثيين” الذين يماطلون كلما اقترب التوصل إلى اتفاق، ليأتوا بمطالب جديدة وتعجيزية لدفع الحكومة اليمنية للرفض، وصولًا لسيناريو الفوضى المسلحة بهدف السيطرة على العاصمة، كما رجح مراقبون.

حتى أن سياسيين يمنيين رجحوا بفشل المفاوضات بين الدولة اليمنية و”الحوثيين”، وفي حال حدوث ذلك فلن يصمد الحوثي في وجه الجيش اليمني والقبائل اليمنية المتحالفة، وستكون معركة أكبر من حدود اليمن وسيكون لدول الخليج دور بها لأن تمدد الحوثي يهدد سلطنة عمان والسعودية.

واليوم، نجح أنصار الجماعة في إحكام قبضتهم على مقار البرلمان اليمني دون مقاومة، والبنك المركزي، والهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد وغيرها، بعد توصلهم مع الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي إلى اتفاق يقضي باستقالة الحكومة وتشكيل أخرى جديدة، مع وقف إطلاق النار في العاصمة.

نصوص الاتفاق

مسلحون من جماعة الحوثيين خلال اشتباكاتهم مع الجيش اليمني في العاصمة صنعاء

وكانت الرئاسة اليمنية وممثلو القوى السياسية اليمنية قد وقعوا – بوساطة من الأمم المتحدة – اتفاقًا مع جماعة الحوثيين يقضي بوقف القتال فورًا، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تضم مختلف الأطراف، لإنهاء الأزمة في البلاد، بيد أن الحوثيين رفضوا الملحق الأمني بالاتفاق.

المبعوث الأممي جمال بن عمر قال: “إن الاتفاق يستند إلى نتائج مؤتمر الحوار الوطني – الذي عقد من مارس/آذار 2013 حتى يناير/كانون الثاني 2014 – وينبغي على الجميع الالتزام بما ورد في بنوده”.

وأوضح بن عمر أن الاتفاق ينص على الوقف الفوري لإطلاق النار، وتعيين رئيس وزراء جديد خلال ثلاثة أيام، وتشكيل حكومة جديدة تضم مختلف الأطراف السياسية خلال شهر، على أن تعد هذه الحكومة برنامج عمل لتنفيذ برنامج الحوار الوطني خلال ثلاثين يومًا. وفي هذه الأثناء تواصل الحكومة الحالية تسيير الأعمال العادية.

وأشار إلى أن الاتفاق ينص على تعيين مستشارين سياسيين لرئيس البلاد خلال ثلاثة أيام من توقيعه، ومن بينهم شخصيات من الحوثيين والحراك الجنوبي، يتولون اختيار المرشحين لشغل الحقائب الوزارية، ويرفعون توصيات إلى رئيس الدولة والحكومة لضمان توزيع الحقائب على جميع القوى السياسية في البلاد.

كما ينص على حلِّ القضايا المتعلقة بصعدة وعمران، وإزالة المخيمات والمظاهر المسلحة، والتأكيد على ضرورة بسط سلطة الدولة ووقف إطلاق النار في الجوف ومأرب، وتشكيل لجنة مشتركة للمراقبة والتحقق من تنفيذ بنوده.

وينص أيضًا على أن يتم خفض سعر الوقود ليصبح ثلاثة آلاف ريال (ما يقرب من 14 دولارا) لصفيحة العشرين لترا بدلا من أربعة آلاف ريال (18.5 دولارا)، ليكون بذلك قد تم خفض نحو نصف الزيادة السعرية التي طبقت على أسعار الوقود اعتبارا من نهاية يوليو/تموز.

 

قضية شائكة

محمد عبد السلام المتحدث باسم جماعة الحوثيين

وقد رفضت جماعة الحوثي توقيع الملحق الأمني للاتفاق السياسي، مما يشير إلى أنها ليست مستعدة على الأرجح لسحب مسلحيها من صنعاء في الوقت الراهن. وينص الملحق الأمني على وقف إطلاق النار، وانسحاب جماعة الحوثي من المواقع التي سيطرت عليها في صنعاء.

وقال المتحدث الرسمي باسم الجماعة محمد عبد السلام: “إن الملحق الأمني لم يتم التوافق عليه في نتائج مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد العام الماضي”.

وأضاف السلام أن قضية السلاح “شائكة”، مشيرًا إلى أن أطرافا أخرى غير الحوثيين تملك السلاح، معتبرًا أن جماعته واجهت “مجاميع منشقة عن الدولة”.

 

استدراج الحزب

ويعد التصعيد الحوثي المسلح مؤشرًا خطيرًا على احتمال دخول اليمن في أتون حرب أهلية، في ظل التوتر الذي يسود معظم أنحاء البلاد، حيث يرى مراقبون أن الحوثيين ينفذون أجندة إيرانية تسعى إلى اختراق اليمن وتشكيل مليشيات مسلحة في سيناريو مشابه لحزب الله في لبنان، لتشكيل تهديد للأمن القومي السعودي.

ولذلك، تسارع الأحداث غير المتوقعة في اليمن والمتفاقمة لحظة بلحظة جعلت السعودية تفقد إلى ثقتها في الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي في مواجهة الحوثيين، وبالتالي توقف أي دعم مالي أو عسكري سعودي لليمن.

ويرى مراقبون يمنيون أنه بطريقة ما؛ نجح الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي؛ في استدراج حزب الإصلاح “الإخوان” – بأذرعه المختلفة – إلى محرقة سياسية وعسكرية في آن، لا يبدو أنه سيتعافى منها على المدى القريب، حيث اعتمد موقفًا مائعًا من الصراع الحوثي – الإصلاحي، في مناطق شمال الشمال، منذ اللحظات الأولى لنشوب المواجهات المسلحة بين الجانبين؛ في محافظة عمران، وأجزاء من محافظة صنعاء

ورغم أن هادي ظل يطلق تصريحات من وقت لآخر؛ تتضمن إيحاءات بانحيازه لجهة الإصلاح، إلا أن تحركاته على الواقع كانت تقول عكس ذلك تمامًا، ففي أكثر من مرة؛ خرج عبر وسائل الإعلام الحكومي؛ يرسل التحذيرات باتجاه زعيم الحوثيين، حد التلويح بشنِّ حرب سابعة ضد الجماعة؛ غير أنها ظلت مجرد تحذيرات تطمينية لحزب الإصلاح، إذْ لم تتجاوز ذلك إلى صيغ قرارات عملية.

 

دفعة قوية!

مظاهرات بين أنصار الحوثيين والجيش اليمن

تصريحات هادي المناوئة لزعيم الحوثيين، أعطت الإصلاح دفعة قوية لتصعيد حدة الصراع؛ إما بتوسيع خارطة المواجهات المسلحة وفتح جبهات قتال جديدة؛ أو بنقل المعارك من عمران إلى الجوف المناطق المتاخمة للعاصمة صنعاء من الشمال والغرب.

وتجدر الإشارة هنا، إلى أن الإصلاح أخطأ في تقدير موقف رئيس النظام من صراع عمران، رغم وجود مؤشرات عدة على أن السلطة لن تجازف بقوات الجيش في معركة بين جماعتين دينيتين متناقضتين فكرًا وأيديولوجية حد التصادم. فبينما كانت تحركات هادي وأركان نظامه، تعكس موقفًا مناهضًا لمحاولات إقحام الدولة في صراع ليست طرفًا فيه، بالتوازي مع تفعيل خيارات بديلة (لجان الوساطات) لاحتواء المواجهات بين الطرفين.

ولم يتوقف تعزيز الرئيس هادي لجبهة الإصلاح بقيادة العميد القشيبي، عند غارات جوية تنفذها مقاتلات من سلاح الجو، حيث أرسل تعزيزات عسكرية كبيرة إلى عمران؛ لكنه جردهم، بحيادته، من شرعية استخدامها، وبالتالي أعطب مفعولها لصالح الحوثيين، الذين منحهم أيضًا “تقرير بن عمر” غطاءً شرعيًا للحرب، تمثل في كون الدولة ليست طرفًا ثانيًا في الحرب، وإنما مليشيات الإصلاح. وبحسب كثيرين، فإن مجريات المعارك على امتداد جبهات القتال؛ تغيرت كثيرًا لصالح الحوثيين، فور وصول التعزيزات العسكرية لمعسكر القشيبي ودخول الطيران الحربي خط المواجهات.

وهو ما يعيده محللون إلى استثمار الحوثي لما بدا أنه تحيز رسمي طفيف لجبهة القشيبي؛ للتعبئة القتالية والتجييش العاطفي في صفوف مسلحيه ورجال القبائل على حد سواء، ومع تقادم المعارك؛ بدت قدم الحوثي هي الأقوى على الأرض؛ وكانت النتائج الأولية لا تكف تأكيدًا على أن مسلحيه يسيرون في اتجاه الحسم، وفي الطرف الآخر لجأ الإصلاح إلى التضليل الإعلامي باستخدام خطاب صاخب ومؤدلج، غير أنه لم يُحدث فارقًا على الأرض بقدر ما انتهى بنتائج عكسية.

 

موقف حاسم

اشتباكات بين الحوثيين ورجال الأمن في صنعاء

وفي الموضوع نفسه، وبحسب مصادر يمنية، قدمت السعودية لهادي الدعم الكافي “في سبيل مواجهة التوسع الحوثي” نحو صنعاء، إضافة إلى أنها تكفلت بمبلغ ملياري دولار وشحنات نفطية لمدة شهرين كاملين، فيما لم يثبت الرئيس اليمني أي جدارة لكي يكون الرجل الأول للسعودية في اليمن، لكن هادي لم يثبت أي تقدم واضح على الأرض في المواجهة.
ولفتت المصادر إلى أنَّ السعودية حاولت ترويض هادي لكي يكون “رجلها الأول” في اليمن، لكنها لم تستطع، كون الرجل لا يزال متأثرًا بالإرث القديم الأيديولوجي، وفشلت كل جهودها في الحصول على أفعال جديرة بثقته.

ويرى مراقبون، أن موقف السعودية لا يزال حاسمًا في مسألة التمرد الحوثي في اليمن، ويظهر ذلك من خلال التصريحات والتغطيات التي تفردها الصحف الرسمية السعودية للأحداث اليمنية وتصوير الحوثيين كمتمردين على الدولة وتطالب بضرورة الوقوف أمامهم بحزم، إلا أنها لم تجد التفاعل الحقيقي من قبل الرئاسة اليمنية، ما جعلها تقف موقف المتفرج.

 

 

 

 

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد