قبل أيام قليلة أصدرت حركة أنصار الله اليمنية، والمعروفة باسم «جماعة الحوثي« بيانًا تعبر فيه عن رفضها خطة السلام التي اقترحتها الأمم المتحدة مؤخرًا لإيجاد حل سياسي بين الفرقاء المتخاصمة، لعدم اعتمادها الاتفاق على سلطة تنفيذية توافقية كما اشترطت الجماعة مسبقًا، فيما وافقت الحكومة اليمنية على بنودها.

قبل أيامٍ قليلة أصدرت حركة أنصار الله اليمنية، والمعروفة باسم «جماعة الحوثي»، بيانًا تعبر فيه عن رفضها خطة السلام التي اقترحتها الأمم المتحدة مؤخرًا، لإيجاد حل سياسي بين الفرقاء المتخاصمة، لعدم اعتماد الاتفاق على سلطة تنفيذية توافقية كما اشترطت مسبقًا، فيما وافقت الحكومة اليمنية على بنودها.

سبق رفض الجماعة المقترح، إعلانها التعاون مع الرئيس اليمني المخلوع «علي عبد الله صالح»، وتشكيل مجلس سياسي لإدارة شؤون البلاد، وهو ما اعتبرته الأمم المتحدة خرقًا لمقترحها الأخير، ومباحثات الكويت المتعثرة بين فترة وأخرى، إلى جانب المبادرة الخليجية.

ينظر المراقبون إلى إعلان تشكيل مجلس سياسي، والذي كان من المفترض أن يعلن عن أسمائه بشكل رسمي يوم أمس، بيد أن ضغوط واتصالات دولية، منها جهود تولتها سلطنة عُمان، التي تعمل وسيطًا مع الطرفين منذ تصاعد الأزمة اليمنية، وطلبت وقف إعلان المجلس، ينظرون إليه أنه ضرب بعرض الحائط لكل المشاورات الجارية منذ بدء الأزمة اليمنية، ودخول البلاد جولات متعددة من الصراع السياسي والأمني، وهو يعني تفاقم الوضع أكثر من ذي قبل.

مجلس سياسي لإدارة البلاد

الجدير بالذكر أنه كان من المقرر عقد اجتماع في القصر الجمهوري اليمني، لاستكمال الاتفاق السياسي المبرم أواخر الأسبوع الماضي، لاختيار الرئيس الدوري للمجلس ونائبه، وتحديد مهام الأعضاء، إلى جانب إعلان الأمانة العامة للمجلس.

وعليه، فإن إعلان تشكيل مجلس سياسي لإدارة البلاد اعتبره البعض محاولةً لإثبات فشل المباحثات الجارية بين الأطراف المتخاصمة، خاصةً أنه يأتي بعد يومين فقط من انتهاء المدة التي حددتها الكويت للمتحاورين على أراضيها، بغية الوصول إلى اتفاق سلمي خلال 15 يومًا، أو مغادرة البلاد.

وقوبلت الفكرة بالرفض والاستنكار من قبل الحكومة اليمنية، والأمم المتحدة، ودول مجلس التعاون الخليجي، والدول الغربية، باعتبارها تهديدًا مباشرًا لمشاورات الكويت، وخرقًا للدستور اليمني وبنود المبادرة الخليجية.

تقوم فكرة المجلس على عشرة أعضاء من المؤتمر الشعبي وحلفائه، وأنصار الله «الحوثيين» وحلفائهم بالتساوي، بهدف توحيد الجهود لمواجهة ما يسميه الطرفان «العدوان السعودي وحلفاؤه»، فضلًا عن إدارة شؤون الدولة في البلاد سياسيًّا وعسكريًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا وإداريًّا واجتماعيًّا وفقًا للدستور.

ومن ضمن سياسات المجلس أنه يصدر القرارات واللوائح المنظمة اللازمة لإدارة البلاد، ويرسم السياسة العامة للدولة، إلى جانب أن تكون رئاسته دورية بين المؤتمر الشعبي العام وحلفائه، والحوثيين وحلفائهم.

صالح والحوثيون وتشكيل المجلس.. ماذا يعني ذلك؟

المبعوث الأممي الخاص لليمن «إسماعيل ولد الشيخ»

نظر الرئيس المخلوع إلى الاتفاق على أنه يحل محل رئاسة الدولة، فهو بمثابة الإنجاز التاريخي لسد فراغ دستوري استمر أكثر من عام، فيما تشكيله يعني حل «اللجنة الثورية العليا»، والتي كانت عبارة عن «سلطة الأمر الواقع» العليا في البلاد، والتي يديرها الحوثيون.

ويعني تشكيل المجلس، إلغاء الإعلان الدستوري الذي أقره الحوثيون في شباط (فبراير) 2015، وحل اللجنة الثورية التي كانت تحكم البلاد، بعد سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء، وبعض المدن اليمنية.

ومن بين الدلالات التي يحملها تشكيل المجلس هو عدم الاعتراف بالمباحثات الكويتية، ولا الخطة الأممية، أو حتى قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بتسوية الخلافات سياسيًّا بين الأطراف المتصارعة، بيد أن الرئيس المخلوع والجماعة سبقوا سير المباحثات، وأعلنوا تشكيل مجلسهم في رسالة واضحة إلى تنفيذ سياساتهم المعدة مسبقًا.

وبالتالي، رأى الطرفان أن يمسكا بزمام المبادرة سياسيًّا في البلاد، بعد أن وقفت الأراضي اليمنية على شفا الانهيار الأمني والسياسي والاقتصادي الشامل.

ولم يستغرب بعض نشطاء السياسة ضرب جماعة الحوثي بعرض الحائط للمشاورات الجارية في الكويت، أو حتى قرارات الأمم المتحدة، لأن تاريخهم معروف بـ«نقض العهود وبنود الاتفاقات» مع أي جهة تحاول وضع حد للأطراف المتنازعة، على حد قول هؤلاء النشطاء.

الكاتب السياسي اليمني «محمود الطاهر» رأى أن المجلس سيدفع السعودية إلى قراءة الاتفاق ومآله السياسي والعسكري، كونها طرفًا أساسيًّا في دعم الرئيس «عبد ربه منصور هادي«، وتحاول جاهدة وقف سيطرة الجماعة على المدن اليمنية، وهو ما اتضح جليًّا في العملية الأخيرة التي أطلقتها «عاصفة الحزم« العام الماضي.

السعودية والتي تدير العمليات الجارية ضد معاقل الحوثيين في اليمن، لم تعلق بشكل رسمي على إعلان المجلس، رغم دعمها الحوار السياسي طيلة الفترة الماضية، وتأييدها لمفاوضات الكويت، لا سيما وأن الحرب أنهكتها على الحدود الجنوبية، متكبدة من ورائها خسائر مادية ومعنوية كبيرة.

ويوافقه الرأي بعض السياسيين، الذين تساءلوا إذا ما كان الاتفاق الجديد يمثل تحديًا للتحركات السعودية لحل الأزمة اليمنية، وإظهار كل الجهود التي قادتها المملكة لاحتواء خطر الحوثيين في اليمن، بما في ذلك العمل العسكري.

لذلك، لم تصل السعودية بعد إلى نتيجة واضحة، عقب الاستنزاف المادي والعسكري داخل الأراضي اليمنية، حيث إن وجود مجلس يمني مشترك لإدارة شؤون البلاد، ربما يمثل تحديًا للمشاركة السعودية في محادثات اليمن، ويلقي بظلال من الشك على مدى نجاحها.

ومنذ أن سقطت صنعاء في يد الجماعة، يحاول أنصارها وزعماؤها التحول، بين فترة وأخرى لإنقاذ مشروع التمدد الذي تورطوا فيه، وذلك بلبس عباءة الدولة، وبالرجوع إلى شروطهم التي سعوا إلى فرضها على الرئيس اليمني هادي مؤخرًا، ما جعل مفاوضات الكويت وقرار الأمم المتحدة يفشلان حتى اللحظة في التنفيذ.

من ضمن شروط الجماعة أن يكون نائب الرئيس منهم؛ حتى يكون لهم نصيب من التأثير في القرار السياسي، وأن يكون منهم عشرة آلاف جندي في الجيش؛ حتى يضمنوا نسبة من السيطرة على أقوى مؤسسة في الدولة، إلى جانب عشرة آلاف رجل أمن في الشرطة اليمنية.

وعلى الرغم من نقاط الخلاف بين المخلوع والجماعة، إلا أن ثمة ملفات جعلتهما يفتحان الباب واسعًا أمام تشكيل مجلس سياسي لإدارة البلاد، أبرزها تناغم الخطاب الإعلامي للطرفين تجاه القضايا المصيرية والاستحقاقات السياسية التي تواجه اليمن، مثل رفض المبادرة الخليجية، ووصفها بأنها تدخل أمريكي وسعودي في الشؤون الداخلية.

وما زاد العلاقة قوة، هي سماح المخلوع للحوثيين ببسط سيطرتهم على صعدة، والتمدد في مناطق أخرى، وتسهيل استيلائهم على معسكرات موالية للرئيس صالح وابنه، وحصولهم على أسلحة ثقيلة ومعدات حربية لم تكن لتصلهم إلا من هذا الطريق.

وبالعودة إلى الكاتب اليمني «الطاهر»، فإن المجلس يعد اتفاقًا سياسيًّا يعزز من تماسك الجبهة الداخلية أكثر من كونه شرعية جديدة، وما زال غامضًا في بعض بنوده التي تركت مفتوحة لعدم تحديد اختصاصاته آنيًّا.

ووفقًا لوجهة نظره فإنه سيقطع الطريق على محاولات شق الصف بين حزب المؤتمر والحوثيين، وما زالت نقطة إحياء المؤسسة التشريعية، كخط موازٍ لشرعية الرئاسة، لم يحدد مصيرها بعد في الاتفاق، وما إذا كانت «اللجنة الثورية العليا« قد حلت حسب المتابعين أم لا.

ما هي الخطة الأممية للسلام في اليمن؟ ولماذا رفضها الحوثيون؟

كما أشرنا مسبقًا أن الحوثيين، وهم طرف أساسي في مفاوضات الكويت التي انطلقت في أبريل (نيسان) من العام الجاري، انسحبوا في مرات عديدة من جلسات الحوار، وعرقلوا بدء المراحل الأولى، لعدم التزام قوات الرئيس اليمني بوقف إطلاق النار.

أعقب ذلك أيضًا قبل أيام قليلة إعلانهم رفض خطة سلام اقترحتها الأمم المتحدة، وقبلت بها الحكومة اليمنية، كونهم يرون أن أي تسوية سياسية قادمة في اليمن يجب أن تشمل أولًا الاتفاق على سلطة تنفيذية توافقية.

وهو ما دفع وفد الحكومة اليمنية المشارك في المشاورات الكويتية، التي ترعاها الأمم المتحدة، إلى مغادرة الكويت دون الانسحاب النهائي من المفاوضات، حيث كان من المقرر الانتهاء منها في السابع من الشهر الجاري.

ويجري الحديث في الوقت الحالي عن مسودة اتفاق جديدة طرحها مبعوث الأمم المتحدة لليمن «إسماعيل ولد الشيخ«، قد يكون الإعلان عنها خلال الأيام القادمة، أي مع انتهاء مهلة المفاوضات، كرد فعل على تشكيل مجلس رئاسي مشترك بين الحوثيين وصالح.

ووفقًا للأنباء الواردة من المحادثات فإن المسودة الجديدة تنص على تسوية الخلافات عسكريًّا على الأرض أولًا، ومن ثم يتم بحث التسوية السياسية، وهو ما يعد جوهر الخلاف بين الأطراف المتنازعة، لأن جماعة الحوثي تشترط الحل السياسي، والبحث عن الرئاسة وحكومة تدير شؤون البلاد.

الخيار العسكري المرتقب ربما لحل الخلافات الجارية في اليمن، يتوقعه ويريده أيضًا الكاتب «فرج طاحس» قائلًا: «في ظل فشل كل اللقاءات التي تمت، والاحتمال الكبير في فشل لقاء الكويت، لا سيما بعد إقدام الانقلابيين على تشكيل مجلس سياسي لإدارة المناطق الخاضعة لسيطرتهم، لا خيار آخر غير الحسم العسكري أمام الشرعية وقواتها، إذا كانوا جادين في ذلك، فالانقلابيون ليست لديهم نوايا حقيقية في السلام أو تسليم السلاح«.

أكثر التساؤلات المطروحة على الساحة اليمنية هو: هل يعني تشكيل مجلس سياسي لإدارة البلاد انتهاء المفاوضات بين الخصوم السياسية؟ أم أنها ستستمر رغم أن تواجد جماعة الحوثي أمر غاية في الأهمية لنجاح مسارها؟

ثمة من يرى أن القائمين على تشكيل المجلس أرادا الرد على انسداد أفق المحادثات، وكسب ورقة قوة خلال المسار السياسي الذي يريدانه أن يستمر، وبالتالي لن يلغي تشكيل المجلس السياسي الأعلى المسار التفاوضي، بل سيضيف إلى جعبة وفد صنعاء ورقة قوة، لا يستطيع الطرف الآخر تجاوزها.

وتجد حكومة هادي أن الاتفاق مع جماعة الحوثي يشمل تسليم المتمردين لسلاحهم، والانسحاب من مناطق عدة أبرزها صنعاء، وحل المجلس السياسي الذي أعلن الحوثيون والموالون لصالح تشكيله مؤخرًا، إلى جانب الإفراج عن المعتقلين.

لكن الجماعة سارعت إلى رفض كافة بنود المقترح، واعتبرته حلًّا جزئيًّا لا يصلح، كونها ما زالت عند مطلبها باتفاق يشمل الرئاسة والحكومة، وتكون هي إحدى أدواتها الرئيسية، وهو ما ترفضه الحكومة حتى اللحظة.

وأورد «ساسة بوست« في تقرير سابق، بعد أيام قليلة من انطلاق مفاوضات الكويت، أن 3 أسباب كفيلة بفشل المفاوضات اليمنية في الكويت، وهي عدم التزام الأطراف بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216، واختلاف الرؤى بين الأطراف المشاركة، إلى جانب ضبابية موقف الأمم المتحدة في التعاطي مع القرار الأممي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد