سواء كان الحوثيون يريدون “إعادة أراضٍ يمنية اقتطعتها السعودية من اليمن” أو تريد إيران “كسر شوكة السعودية من خلالهم”، تدرك المملكة العربية السعودية أنها الخاسر الأكبر من تعملق حركة الحوثي وسيطرتها التامة على اليمن.

من أجل ذلك كانت معركة “عاصفة الحزم” التي أكدت السعودية أنها المعركة التي ستصد المد الشيعي عن الخليج العربي، ومع الإعلان عن انتهاء هذه “العاصفة” أحدث قصف الحوثيين لنجران السعودية تطورات عدة على ساحة المعركة بين الجهتين، في تقرير “ساسة بوست” الذي يُمهد بعرض تاريخ التصادم بين السعودية والحوثيين، نستعرض دلائل قصف “نجران” واحتمالات التدخل البري السعودي في اليمن لصد “الحوثيين”.

متى “عارك” الحوثيون الجيش السعودي؟

يمكننا تسجيل ثلاثة تواريخ لمواجهات مسلحة مؤكدة حدثت بين السعودية والحوثيين على الحدود السعودية اليمنية وهي:

معركة “الخوبة” عام 2009

واحدة من أبرز وأول المعارك بين السعودية والحوثيين كانت عام 2009 – انتهت فبراير 2010 – وهي معركة خلفت عشرات القتلى والجرحى عرفت بحرب الخوبة والتي عَبَرَ فيها عدد من الحوثيين الحدود إلى السعودية وسيطروا على جزء صغير مما حدا بالسعودية لردة فعل عسكرية تسببت في اشتباكات عنيفة.

في هذه المعركة اتهمت السعودية طهران بأنها تقف وراء المهارة العسكرية العالية التي تميز بها الحوثيون، وهذا ما أكده قبل أيام تقرير للأمم المتحدة كشف أن إيران سلحت الحوثيين عام 2009، وهو ما يعزز اتهامات دول عربية وغربية لطهران بدعم الحوثيين الذين سيطروا على مفاصل الدولة اليمنية منذ سبتمبر/أيلول الماضي.

اشتباكات  2014

في أكتوبر الماضي، اندلعت اشتباكات عنيفة بين السعودية والحوثيين بمديرية منبة الحدودية، وبرر الحوثيون ذلك بأنه جاء كرد على محاولة الجيش السعودي شق طريق على الحدود، فقام رجال قبيلة “آل عياش” بإطلاق النار لاعتبار ذلك انتهاكًا للاتفاقيات الموقعة بين القبائل المجاورة والسعودية بعدم شق طرقات في هذه الأماكن.

ونفت السعودية أن السبب يعود إلى الرواية الحوثية وعزت هذه الاشتباكات إلى كونها بين قبائل يمنية وحرس الحدود السعودية وقالت أن أشخاصًا مجهولين من الجانب اليمني أطلقوا النار على دوريات حرس الحدود لغرض منعهم من تسوية الطرق الترابية الخاصة بدوريات حرس الحدود والتي تقوم بالمراقبة الحدودية منها.

انتهت الاشتباكات بهدنة تمت بين الحوثيين ومعهم قبائل “عياش” وبين حرس الحدود السعودي، وذلك بعد أن تدخل عدد من المشايخ لإبرام هدنة حتى يتم النظر في الاتفاقيات السابقة الموقعة بين قبائل الحدود والحوثيين.

قصف نجران “2015”

في الأمس القريب، قصف الحوثيون مدينة نجران السعودية بقذائف هاون واضطرت السعودية إلى إعلان حالة الطوارئ وإغلاق جميع المدارس وإيقاف العمل في مطار نجران إلى أجل غير مسمى، فنجران هي المحافظة الحدودية الملاصقة لمحافظة صعدة اليمنية نقطة تمركز ونشأة الحوثيين، حيث تمكن الحوثيون من ضرب أهداف حدودية بسهولة وبأقل التكاليف، لكن الخسائر حتى الآن لم تتضح بسبب تجدد هذا القصف.

وذكر بيان وزارة الدفاع السعودية أنه “في عملية نوعية، قامت القوات البرية اليوم بصد هجوم قامت به مجموعات من الميليشيا الحوثية ومن يساندها من الألوية المتمردة على الشرعية، على حدودنا الجنوبية بقطاع نجران، حيث كانت تلك المجموعات تستهدف مراكزَ حدودية ونقاطَ مراقبة سعودية”.
ويمكننا القول أن الموقف السعودي يتمثل بتأكيد المتحدث باسم قوات التحالف العميد  أحمد عسيري “أن قوات التحالف سترد بحسم على ما جرى ولن تسمح للحوثيين بتكرار هذا الهجوم، حيث قامت القوات السعودية بنقل مروحيات الأباتشي إلى المنطقة الحدودية مع اليمن لتطارد الحوثيين في المناطق الجبلية.

ما هي دلائل قصف الحوثيين لـ”نجران”؟

جاء قصف الحوثيين لنجران ونقل الصراع من الداخل اليمني إلى الحدود السعودية كـ”نقلة نوعية” في مصير معركة “عاصفة الحزم”، فالمملكة العربية السعودية تفاجأت بتغيير الحوثيين لأيديولوجيتهم في نقل منطقة الصراع الساخنة من الداخل اليمني إلى مهاجمة الحدود السعودية، كرد قوي لهم على التغييرات داخل البيت السعودي، حسب ما يقول المحلل السياسي والمتخصص بالشأن العربي هاني الجمل الذي اعتبر أيضًا أن قصف نجران “أول مكاشفة حقيقية للصراع بين المد الشيعي المتمثل في “الحوثيين” والهلال السني المتمثل في “المملكة العربية السعودية”.

ويقرأ في هذا القصف حرص الحوثيين على الإيحاء بفشل عاصفة الحزم في إجهاض قواتهم، ومنع قدرتهم من الاعتداء على الأراضي السعودية، وتوجيه رسالة تحدٍ لدول التحالف العربي؛ خاصة أنها جاءت بعد لحظات من إعلان الملك سلمان بن عبد العزيز أن عمليات عاصفة الحزم التي تقودها بلاده ضد الحوثيين في اليمن “حققت أهدافها”.

كما يأتي ذلك كرسالة لرفْض الحوثيين عمليًا للحوار الذي دعا إليه الرئيس اليمني؛ ما قد يعني التعجيل بالحرب البرية، أو دفع السعوديين لخوض حرب برية، خصوصًا مع بدء تدفق قوات يمنية جنوبية تدربت في السعودية وقوات سنغالية (2100 جندي) وربما قوات أخرى في الطريق.

وتحمل طبيعة السلاح الذي تم ضرب نجران به وهو الهاون وصواريخ الكاتيوشا رسالة إيرانية، باستعداد هذه الميليشيات أو الأذرع الإيرانية للدخول في حرب عصابات طويلة الأمد، تعززها طبيعة الحدود الجبلية بين البلدين، وصعوبة القضاء على المتمردين الذين يقتربون في كل مرة لأقرب نقطة من الحدود لتوجيه عمليات قصف هدفها شل الحياة في المدن الحدودية السعودية؛ ما يعني سعي الحوثيين لحرب استنزاف عبر الحدود.

هل أفشل قصف نجران  دور “عاصفة الحزم” في تحجيم الحوثيين؟

ترى السعودية أن من أهم النتائج التي أفرزها قصف الحوثيين لمحافظة نجران هي توسيع دائرة الحشد الدولي لتأييد عملية عاصفة الحزم، حيث اعتبرت مصادر سعودية أن إعلان الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وفرنسا تأييد ودعم عملية عاصفة الحزم؛ يعني أن الخطوة الحوثية كانت في صالح المملكة العربية السعودية سياسيًا على الأقل.

على النقيض، اعتبرت مصادر يمنية أن هذا القصف دليل على فشل “عاصفة الحزم” وعلى أن الحوثيين هم الأقوى على  الأرض، يقول المحلل السياسي اليمني وليد العليمي أن ضرب الميليشيات اليمنية الحوثية للأراضي السعودية رسالة منها  لإظهار قوتها أمام المجتمع المدني بأنها مازالت قادرة على الحرب بعد انتهاء عاصفة الحزم.

وأضاف العليمي أن هجمات الحوثيين على السعودية  بقذائف الهاون دليل منهم على أنهم موجودون على الأرض، وأن عاصفة الحزم فشلت ولم تقضِ عليهم.

هل يُعجل قصف الحوثيين لـ”نجران” بتدخل بري؟

أحدث قصف نجران تطورات في الصراع بين السعودية والحوثيين قد تطول، فرغم أن السعودية تدرك أن تلك الهجمات ما هي إلا مجرد عمليات استفزازية من الحوثيين، في محاولة لجرها إلى التدخل البري إلا أن خياراتها كلها صعبة.

يقول المتحدث باسم قوات التحالف العربي العميد أحمد عسيري أن “استهداف نجران من (ميليشيا الحوثي) يعبر عن رفضهم لقرار مجلس الأمن، وأن جميع الخيارات أصبحت مفتوحة”؛ ما يعني اقتراب الحرب البرية، مع ملاحظة أن القيادة السعودية أمامها فترة زمنية لا تتجاوز الشهرين لتحقيق نجاح عسكري في اليمن؛ لأن إيران ستكون مكبلة بمسألة توقيع اتفاق الإطار النووي مع الدول الست الكبرى المقرر في نهاية شهر يونيو المقبل.

يقول الخبير العسكري والمحلل الإستراتيجي اللواء حمدي بخيت “أن هجوم الحوثيين اليوم على نجران، ليس إيذانًا بالتدخل البري، لكن ربما يتسبب في تزويد هذه المنطقة بقوات أخرى للدفاع عنها”، مؤكدًا على أن  التدخل البري يلزمه حسابات وآليات متعددة، ولابد أن تسبقه عملية جوية كبيرة، وقوات استطلاع تمهد له، وإن كان كل هذا موجودًا فعليًا على أرض الواقع.

في المحصلة، تمثل الطبيعة الجغرافية لليمن “الجبلية” والحسابات الأخرى عائقا أمام أي قوة برية نظامية ليست على دراية كاملة بطبيعة اليمن ووعورة مناطقه، لذلك  يرى العميد المصري المتقاعد والخبير العسكري صفوت الزيات أن التعامل الأمثل مع مثل هذه الطبيعة الجبلية لا يكون بالاجتياح البري، مقترحًا أن يكون هناك قوات لعمليات خاصة يكون لها دور مهمّ في صد الحوثيين.

المصادر

تحميل المزيد