لطالما كانت دول أفريقيا جنوب الصحراء مرادفًا للأوبئة والأمراض في عيون العالم، لاسيَّما الأول، فلا يعوَّل عليها ولا يرجى منها فعل شيء أمام اجتياح أي وباء. لكن وعلى عكس المتوقع، أظهرت جائحة فيروس كورونا المستجد، التي ظهرت أولًا في مدينة ووهان الصينية، نهاية العام الماضي، ومن ثم تفشت في أرجاء العالم؛ أن القارة السمراء قادرة على تدبير الأزمة الوبائية ذاتيًّا، وتحقيق ما لم تستطع أوروبا والأمريكتان فعله، وذلك بعد أن منعت الوباء من الانفجار على أراضيها.

أفريقيا تُخيِّب التوقعات المتشائمة

في الواقع لم يكن نجاح دول أفريقية حتى الآن في محاصرة الفيروس أمرًا مُنتظرًا، ففي أواخر مارس (آذار) الماضي، تداولت وسائل الإعلام وثيقة منسوبة لوزارة الخارجية الفرنسية، تحذر فيها من أن الدول الأفريقية على وشك الانفجار، واحتمالية اندلاع مظاهرات ضخمة ضد السلطة، بعد أن تفشل حكوماتها في تدبير الأزمات الصحية، والاقتصادية، والأمنية الناجمة عن الوباء.

وعليه ذهبت جل وسائل الإعلام الدولية في الطريق نفسه، وصوَّرت منذ الأسابيع الأولى للوباء كأن قيامة الموت والخراب وشيكة الحدوث في أفريقيا، ونشرت تقارير تميل بقوة إلى التشاؤم، راسمة مشهدًا مأساويًّا مرتقبًا للوفيات الجماعية في البلدان الأفريقية بسبب نقص أجهزة التنفس الصناعي، والملابس الواقية.

حتى إن منظمة الصحة العالمية ذاتها تنبأت بأن حوالي 29 مليون إلى 44 مليون شخص سيصابون بمرض كوفيد-19  في القارة السمراء، إذا فشلت تدابير الاحتواء في دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. ومن بين هؤلاء المصابين – المحتملين – سيحتاج ما يصل إلى 107 آلاف مصاب إلى دعم التنفس الاصطناعي، فيما قد يموت حوالي 190 ألف شخص بسبب الفيروس التاجي في 47 بلدًا أفريقيًّا، بحسب توقعات المنظمة.

لكن الحقيقة الظاهرة حاليًا، وبعد نصف عام من بداية تفشي الفيروس، هي أن أفريقيا نجحت في تفادي أسوأ جائحة عرفها العالم منذ عقود، على الأقل في مرحلتها الأولى. الأمر الذي دفع رئيس منظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم جيبريسوس، إلى الإشادة صراحة بالقارة، مشيرًا إلى أنها تحتوي على 1.5% فقط من حالات الإصابة المبلَّغ عنها في العالم من الفيروس التاجي، وأقل من 0.1% من الوفيات. مضيفًا أن «أفريقيا هي المنطقة الأقل تأثرًا على مستوى العالم من حيث عدد حالات مرض كوفيد-19 والوفيات المبلغ عنها لمنظمة الصحة العالمية».

ويبلغ عدد المصابين بفيروس كورونا في القارة الأفريقية، بشمالها وجنوبها حتى كتابة هذا التقرير، حوالي 190 ألف إصابة، شُفي منها ما يناهز 83 ألف حالة، بينما لم يتجاوز عدد الوفيات 5200 شخص، وهو رقم سجَّلت أضعافَه بعضُ المدن الأوروبية.

نجاحات أفريقية في مواجهة الجائحة

في الوقت الذي نرى الإعلام العالمي يتناول نجاح تجارب دول مثل الصين، ونيوزيلاندا، وتايوان، واليونان، وكوريا الجنوبية، في مواجهة الفيروس، نراه يتجاهل إنجازات أفريقيا، البالغ عدد سكانها 1.4 مليار نسمة، وذلك في الوقت الذي تستحق فيه العديد من البلدان الأفريقية بجنوب الصحراء، إضافتها إلى قصص نجاحات بعض مناطق العالم في تطويق الوباء.

السنغال: 49 حالة وفاة فقط

السنغال واحدة من هذه الدول، إذ وضعت خطتها للسيطرة على تفشي فيروس كورونا منذ أول إنذار دولي للوباء في يناير (كانون الثاني) 2020، فأغلقت الحدود، وبدأت خطة شاملة للتتبع، وعرضت الخدمة الصحية المجانية أمام أي شخص مصاب في مراكزها الاستشفائية. وهي الآن تطوِّر أداة للكشف السريع عن الإصابة بمرض كوفيد-19، بسعر لا يتجاوز دولارًا واحدًا لكل مريض وفي ظرف 10 دقائق.

ونتيجة لذلك، فإن السنغال، التي يبلغ عدد سكانها 16 مليون نسمة، لا تتجاوز الإصابات النشطة لديها 1679 حالة حسب «جامعة هوبكنز»، ولم تشهد سوى 49 حالة وفاة إلى اللحظة، حتى إن مسؤولي الحكومة قدموا التعازي  الشخصية لأسر كل حالة وفاة على حدة.

غانا وتقنية الاختبار الجمعي

غانا هي الأخرى، الواصل عدد سكانها إلى 30 مليون نسمة، سجلت 48 وفاة فقط من جراء الفيروس التاجي. ويرجع ذلك جزئيًّا إلى النظام الواسع النطاق في البحث والاختبار الذي تعتمده، بالإضافة إلى العدد الكبير في العاملين الصحيين المجتمعيين. وبخلاف بلدان العالم ابتكرت غانا تقنيتها الخاصة في الكشف، التي تقوم على «الاختبار الجمعي»؛ إذ يجري اختبار عينة مختلطة تضم عينات دم متعددة، ثم تختبر فرديًّا إذا عُثر على نتيجة إيجابية، وتدرس منظمة الصحة العالمية مزايا هذا النهج الآن.

جنوب أفريقيا وحملات توعية عبر «واتساب»

بل كذلك جنوب أفريقيا، التي تعرف حركة تنقل عالمية، استجابت بسرعة للوباء وأعلنت حكومتها حالة «كارثة وطنية»، لتبدأ إغلاقًا تامًّا للبلاد حتى قبل الإبلاغ عن وفاتها الأولى بكوفيد-19، وتدشن حملة توعوية بخصوص الفيروس موجهة لمواطنيها عبر تطبيق «واتساب»، الشيء الذي حماها من التفشي، وهي الآن تسعى لإنتاج 10 آلاف جهاز تنفس اصطناعي بنهاية هذا الشهر.

إثيوبيا تنجح بدون حجر شامل

لم تسجل إثيوبيا، رغم كثافتها السكانية الكبيرة والتي تبلغ أكثر من 114 مليون نسمة، سوى 32 وفاة بسبب الفيروس حتى اللحظة، مع أنها بخلاف معظم دول العالم لم تنفذ حجرًا وطنيًّا شاملًا، بل شجعت الإنتاج والأنشطة الاقتصادية الأخرى على الاستمرار خلال الأزمة، لكن إجراؤها المبكر في بدء حملة واسعة للفحوصات والاختبارات التشخيصية، كان حاسمًا في الحد من تفشي الوباء.

أوغندا تفرض المسافة الاجتماعية

سُجِّل في أوغندا منذ ظهور الفيروس وحتى الآن 657 إصابة فقط، وذلك بفضل حيطة حكومتها من تسرب الفيروس، وفرضها قيود المسافة الاجتماعية في الأسواق والأماكن العامة.  وحاليًا تعمل شركة السيارات «كيرا موتورز» لديها في تصنيع أجهزة تنفس اصطناعية بأسعار ميسرة.

رواندا تلجأ للطائرات المُسيَّرة

أما رواندا، البلد الأفريقي الأخضر الصاعد، فلم تسجل سوى حالتي وفاة؛ إذ أقدمت على حظر كامل صارم للبلاد بعد أول ظهور للوباء. واستخدمت رواندا في مكافحتها للفيروس التاجي طائرات الدرون لتقديم الخدمات الطبية للمجتمعات الريفية في بلادها.

إجراءات صارمة وأوبئة سابقة.. أسباب نجاح أفريقيا

رغم أن بلدان أفريقيا لا تملك منظومة صحية قوية ومجهزة، فإنها أبلت بلاء حسنًا حتى اللحظة أمام جائحة فيروس كورونا التي يواجهها العالم، وسجَّلت معدلات وفيات وإصابات منخفضة للغاية، وهو ما يحير العديد من المراقبين.

يعود الفضل بالأساس إلى الاستجابة السريعة للدول الأفريقية في التعامل مع الوباء؛ إذ يقول المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بأفريقيا، الدكتور ماتشيديسو مويتي، إن «الحكومات الأفريقية اتخذت مبكرًا إجراءات صارمة، على الرغم من تكلفتها العالية على المجتمعات والاقتصادات، وكان المواطنون الأفريقيون مستعدين للامتثال لبعض الإجراءات التي كانت صعبة للغاية، كل ذلك ساهم في إبطاء تفشي الفيروس».

كما تتمتع البلدان في جميع أنحاء غرب ووسط أفريقيا بخبرة واسعة في التعامل مع وباء الإيبولا في السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى خبرتها في إدارة الأمراض المتوطنة مثل الملاريا، والتهاب السحايا، والحمى الصفراء. وربما أعطتها هذه الخبرة كفاءة في مواجهة الأوبئة الجديدة أكثر من العديد من البلدان الغنية.

في حين قد تكون هناك أسباب أخرى ساهمت أيضًا في تفادي انفجار الوباء بالقارة الأفريقية، على سبيل المثال ميزة الشباب للسكان الأفارقة؛ إذ يبلغ نسبة 3% فقط من السكان 65 عامًا أو أكثر. على النقيض من ذلك، فإن 20% من السكان يبلغون 65 عامًا أو أكثر في الاتحاد الأوروبي، ما يمكن أن يفسر جانبًا من اللغز إذا علمنا أن كبار السن المصابين بالفيروس التاجي، معرضون بشكل كبير للخطر كما تشير البيانات.

علاوة على ذلك، فأفريقيا، معزولة عن الحركة الجوية الدولية مقارنة بأجزاء أخرى غنية من العالم، ولا يشيع التدخين والسمنة بين مواطنيها، وهما عاملا خطر مهم. وربما يكون هناك دور للمناخ الدافئ في كبح انتقال العدوى، ولكن هذا يبدو ثانويًّا في أحسن الأحوال عندما يأخذ المرء في الاعتبار الانتشار السريع للفيروس في بلد استوائي مثل البرازيل.

وتبقى التداعيات الاقتصادية من جراء جائحة فيروس كورونا أسوأ ما تواجهه اليوم بلدان القارة السمراء، مما يستدعي حاجتها إلى التوجه نحو الابتكار ومزيد من الشفافية؛ للنهوض باقتصادات البلدان الأفريقية.

صحة

منذ شهرين
مترجم: مدغشقر تروج لـ«وصفة عشبية» لعلاج كورونا وتصدرها لدول أفريقية!

المصادر

تحميل المزيد