أثار اكتشاف واشنطن لعملية تجسس من جانب تل أبيب، الأسبوع الماضي، أصداء واسعة، خصوصًا بعد تسريب تفاصيلها من جانب مسؤولين حاليين وسابقين لوسائل الإعلام الأمريكية، ويُثار نقاش حول وقائع التجسس بين الدول الحلفاء، وما طبيعة أدوات التجسس والتصنت التي يستخدمونها بعضهم تجاه بعض.

في التقرير التالي نستعرض أبرز وقائع التجسس بين نماذج الدول، التي اعتادت دومًا الاشتراك في موقف متطابق في أغلب القضايا السياسية ويعدون حلفاءً، ويبالغون في توصيف العلاقات فيما بينهم، ونعتها «بالأخوة»، وخاصة في العالم العربي.

«بي إيه إي سيستمز».. مورد أجهزة المراقبة والتجسس الجديد للدول العربية

تاريخ التجسس المتبادل بين إسرائيل والولايات المتحدة

على رأس قائمة الدول التي شكل التحالف السياسي والعسكري بعدًا مهمًّا في علاقاتهم كانت أمريكا وإسرائيل، بعدما تحولت الأولى لشريك ومُدافع عن قضايا الأخيرة، وتأييد وجهة نظرها في القضية الفلسطينية، خصوصًا خلال فترة الرئيس دونالد ترامب.

غير أن هذه العلاقة التي ارتقت لتكون في مصاف التحالف، لم تحل دون تجسس واشنطن وتل أبيب بعضهما على بعض في وقائع متباينة زمنيًّا، والتي انكشفت لاحقًا، عبر تسريبات من مسؤولين مُطلعين سردوها كافة.

ملصق لترامب مع نتنياهو على إحدى البنايات في إسرائيل

كانت المحاولة الأحدث زمنيًّا لتجسس إسرائيل على أمريكا العامين الأخيرين، بعدما سرب وقائعها مسؤولون أمريكيون لموقع «بوليتيكو» الإخباري الأمريكي، حول وضع إسرائيل أجهزة مراقبة الهواتف الجوالة التي عثر عليها قرب البيت الأبيض ومواقع حساسة أخرى حول واشنطن العاصمة، وفقًا لثلاثة مسؤولين أمريكيين كبار سابقين.

وتُعرف هذه الأجهزة باسم «صيادوا آى إم إس آى»، والمعروفون باسم «ستينغراي»، والتي عُثر عليها بالقرب من مقر الرئاسة والمواقع الحساسة الأخرى في جميع أنحاء العاصمة واشنطن، خلال العامين الماضيين، إذ تعمل هذه الأجهزة مثل أبراج الهواتف المحمولة، وتخدع الهواتف لإرسال مواقعها ومعلومات الهوية الخاصة بها، وكذلك محتوى الاتصال والبيانات المستخدمة.

كما أنها تعمل على التعرف إلى موقع الشخص المتصل بالهاتف القريب من الجهاز، فضلًا عن قدرتها على التقاط محتويات المكالمات، واستخدام البيانات المذكورة في نص المحادثة. واستخدمت هذه الأجهزة بهدف التجسس على هاتف ترامب وأقرب مساعديه.

وبحسب مسؤول رفيع سابق في المخابرات لـ«بوليتيكو» أن عملاء من «مكتب التحقيقات الفيدرالي لمكافحة التجسس» أجروا تحليلات لمعرفة من أين أتت الأبراج، «وبدا من الواضح أن الإسرائيليين كانوا مسؤولين».

في المقابل، لم تغب المهام التجسسية عن واشنطن تجاه حليفتها تل أبيب؛ إذ سبق للأولى تنفيذ أدوار عديدة ساعدتها في كثير من القضايا.

من بين هذه المهام كانت في عام 2012، وخلال ولاية الرئيس السابق باراك أوباما، حين نجحت واشنطن في معرفة خطط إسرائيل الأحادية في توجيه ضربة عسكرية لإيران، وتحديدًا لمنشأة نووية إيرانية، بعدما التقطت أقمار التجسس الأمريكية صورًا لإسرائيل تطلق طائرات استطلاع من دون طيار على إيران، من قاعدة لها في أذربيجان، وتطير جنوبًا عبر الحدود الإيرانية، وتلتقط صورًا واسعة للمواقع النووية الإيرانية.

كان التوصل للمعلومات السابقة مهمًّا لواشنطن في تسريع وتيرة المفاوضات مع طهران «بشكل سري»، دون معرفة إسرائيل، والانتهاء بتوقيع الاتفاق النووي الإيراني، للحيلولة دون تنفيذ إسرائيل لخططها العسكرية تجاه طهران.

بولارد وفرانكلين.. ضابطان أمريكيان حوكموا بعد سنوات من التجسس لصالح إسرائيل

لا تعد هذه الواقعة الوحيدة التي تجسست فيها تل أبيب على واشنطن، إذ تكررت محاولات في أوقات سابقة كان أبرز أبطالها الموظف السابق في وزارة الدفاع الأمريكية لورانس فرانكلين، الذي حوكم بالسجن لمدة 13 عامًا في عام 2006، بسبب تمريره وثائق سرية حول السياسة الأمريكية تجاه إيران إلى إسرائيل. وخُفض الحكم في وقت لاحق إلى الإقامة الجبرية لمدة 10 أشهر.
بطل آخر لأبرز وقائع التجسس الإسرائيلية هو جوناثان بولارد، ضابط سابق في استخبارات البحرية الأمريكية، والذي انكشف تجسسه لصالح تل أبيب؛ بعدما توصلوا له وهو يبيع وثائق أمريكية سرية لإسرائيل عام 1985.

وظل بولارد، المولود عام 1954، على مدار سبع سنوات من بدء أعماله داخل الاستخبارات الأمريكية، مُحللًا للشئون المدنية، على اتصال مع المخابرات الإسرائيلية من خلال تقديمه موادًا سرية، مقابل تقاضيه أموالًا علاوة على نفقات سفرات له ولزوجته التي انتقلت إلى تل أبيب.

أثمرت مهام بولارد التجسسية عن دعم تل أبيب بمعلومات شديدة الأهمية، كان أبرزها تقديم تقارير استطلاع عن مكاتب «منظمة التحرير الفلسطينية» في تونس، وأخرى عن العراق، وتقارير عن القدرات الإنتاجية السورية للسلاح الكيماوي، وشحنات السلاح الروسية إلى سوريا وغيرها من الدول العربية.

كما كانت المهمة الأهم لبولارد هي اضطلاعه بمد تل أبيب بالمعلومات السرية الغائبة عنها، خلال شغله عضوية في الوفد الأمريكي للتعاون الاستخباراتي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ما مكن إسرائيل من الاطلاع على ما لم تتمكن أمريكا من تبادله معها.

أمام انكشاف هذه المهام، حكمت المحكمة عليه بالسجن 30 عامًا، وانتقلت زوجته وأبنائها إلى تل أبيب، التي اعترفت، في وقت سابق، بأنه كان عميلًا يعمل لصالحها في الولايات المتحدة. وطالبت أكثر من مرة بالإفراج عنه، بعدما منحته جنسيتها الإسرائيلية.

دائرة التجسس تتسع لتشمل بريطانيا وفرنسا.. وألمانيا أيضًا

إلى جانب أمريكا، فقد عملت بريطانيا على التجسس لأكثر من 18 عامًا على منظومة «الطائرات دون طيار» التي تملكها إسرائيل، عبر قاعدة عسكرية لها في قبرص وأخرى في بريطانيا، لتنجح الأخيرة في فك الشفرات التي تستخدمها إسرائيل خلال أنشطتها العسكرية في الشرق الأوسط، كما أظهرت تسريبات العميل السابق في «وكالة الأمن القومي الأمريكية»، إدوارد سنودن.

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل

كما نجحت بريطانيا باستخدام تكنولوجيا مكثفة، في تقييم بيانات جمعتها طائرة عسكرية إسرائيلية بدون طيار من نوع «هيرون تي.بي (Heron TP)».

وقد امتدت مهام البريطانيين التجسسية إلى التصنت على دبلوماسيين إسرائيليين في الداخل والخارج، وكذلك اتصالات مكتبي رئيسي الوزراء الإسرائيليين بنيامين نتنياهو ويهود أولمرت، ومراقبة مؤسسات خاصة في قطاع الدفاع، وأجهزة في الدولة معنية بالتعاون الدولي، ومراكز جامعية معروفة بمستواها العلمي العالي، منها «الجامعة العبرية» في القدس.

وقد خضعت باريس، هي الأخرى، لوقائع تجسس عليها من جانب واشنطن، كشفت عنها في وقت سابق صحيفة «لفجارو» الفرنسية، حين كشفت وثيقة لمصالح الاستخبارات الفرنسية أن الولايات المتحدة تتجسس على الشركات الفرنسية.

عمليات التجسس هذه تشمل مجالات الطاقة، والصحة، والبحث، والطيران، وكل المجالات الاستراتيجية للاقتصاد الفرنسي. وتكررت وقائع تجسس مماثلة من جانب واشنطن تجاه باريس كان أبرزها عام 2002، حين لعبت الأولى دورًا في قرصنة الحواسب الآلية لمعاونين لرئيس الدولة نيكولا ساركوزي، خلال الفترة ما بين الدورتين الانتخابيتين الرئاسيتين في مايو (أيار) 2012.
وأظهرت وثائق نشرها موقع «ويكيليكس» عام 2015، أن آخر ثلاثة رؤساء فرنسييين: جاك شيراك، ونيكولا ساركوزي، وفرنسوا هولاند، بالإضافة إلى وزراء ونواب، تعرضوا للتجسس أيضًا من طرف الولايات المتحدة من 2006 إلى 2012 على الأقل.
ولا تُستثنى ألمانيا هي الأخرى من الدول التي وقعت تحت مهام التجسس، أو نفذت مهامًا بدورها تجاه دول تتعامل معها كحلفاء لها، كحال واشنطن.

إذ أظهرت وثائق مُسربة تجسس «وكالة الأمن القومي» الأمريكية على المكالمات الهاتفية الخاصة على الهاتف النقال الخاص بالمستشارة أنجيلا ميركل. وقد شملت أعمال التجسس الأمريكية كذلك أعدادًا كبيرة من الصحافيين الألمان، ووسائل الإعلام التي كان أبرزها مجلة «دير شبيغل».

في المقابل، راقبت المخابرات الألمانية عام 2008 اتصالات 300 مواطن أمريكي، على الأقل، أو أشخاص مقيمين في الولايات المتحدة، قبل أن تتأكد بتصريح لمدير المخابرات الوطنية الأمريكية السابق، جيمس كلابر، حين اتهم في جلسة استماع بمجلس النواب الأمريكي، دولًا في الاتحاد الأوروبي بالتجسس على بلاده.

والعالم العربي لا يغيب.. السعودية والإمارات نموذجًا

لا تستثنى صلات الحلفاء العرب بعضهم ببعض في اشتراك التجسس بعدًا رئيسيًّا في هذه العلاقة، متجاوزة بذلك مفردات الود المبالغ، التي يستخدمها الحكام العرب في توصيف هذه العلاقات.

على رأس هذه الدول: السعودية والإمارات، التي على الرغم من التحالف السياسي الذي نشأ بينهما على مر السنوات، فإن التجسس ظل حاضرًا بين الرياض وأبوظبي.

ففي الملف اليمني الذي تشترك فيه الرياض مع أبوظبي حول استراتيجية دفاع واحد، تشير شهادات موثقة ومُسجلة لعاملين في قنوات إخبارية سعودية، تضمنت مهامهم تغطية الحرب في اليمن، عن تعرضهم لضغوط كبيرة من جانب عناصر إماراتية انتهت بتقديم اعترافات ومعلومات عن تفاصيل عمل القوات السعودية في اليمن.

واحد من هؤلاء هو عبد الله صلاح، الذي عمل مصورًا سابقًا لقناتي «العربية» و«الحدث»، كاشفًا عن أنّ القوات الإماراتية استخدمت بعض أعضاء فريق العمل الخاص بالقناة السعودية في الحصول على معلومات استخباراتية عن القوات السعودية في اليمن، إذ كانوا يقدمون تقارير يومية بهذا الشأن.

وأشار كذلك إلى تورط الإمارات أيضًا في إسقاط مروحية سعودية حربية على الأراضي اليمنية خلال 2017، مؤكدًا أن الإماراتيين لا الحوثيين هم من قصفوا «مسجد كوفل» في منطقة صرواح بمحافظة مأرب، فقُتل العشرات من قوات الشرعية.

ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد

واقعة أخرى للإمارات تورطت فيها في التجسس على الحلفاء العرب، وكانت الضحية هذه المرة هي سلطنة عُمان، إذ تأكد بدء محاكمة خلية التجسس الإماراتية المكونة من خمسة أشخاص، والتي قبض عليها في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي.

أكثر من أمير سعودي خضع، هو الآخر، لعملية التجسس الإماراتية كان على رأسهم الأمير متعب بن عبد الله، نجل الملك عبد الله آل سعود، ووزير الحرس الوطني السابق، خلال شغل الأخير لمنصبه، إذ نجحت أبوظبي بمساعدة مجموعة «NSO» المصنّعة لبرامج التجسس، والتي تتخذ من إسرائيل مقرًّا لها، في التصنت على هاتفه، حسب ما كشف الصحافيان ديفيد كيركباتريك وعزام أحمد في تحقيق نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.

سعد الحريري الحليف أيضًا كان هدفًا لخلايا التجسس الإماراتية

تحول سعد الحريري رئيس الوزراء اللبناني، للواجهة التي تُفضل أبوظبي دعمها ماليًّا وسياسيًّا للحد من نفوذ «حزب الله»، كما اعتاد الأول زيارة الإمارات ولقاء حُكامها باستمرار، وتأكيد العلاقات الأبدية بعد نهاية كُل لقاء.

رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري

كان هذا الود والحفاء المُتبادل ظاهرًا في مناسبات إعلامية عديدة، روجت لها وسائل الإعلام الإماراتية، والتي كان من بينها إطلاق اسم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان على شارع ودوار ونصب تذكاري، في العاصمة اللبنانية بيروت.

وهو الإجراء الذي قوبل بترحيب كبير من ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد وشقيقه الحاكم، اللذين أكدا على استمرار العلاقات الأخوية. غير أن هذه الأخوية لم تمنع أبوظبي من اختراق هاتف الحريري، عبر إحدى الشركات التابعة لـ«NSO» التي طوّرت رسائل وخدع تناسب منطقة الخليج مثل: «رمضان قريب- خصومات لا تصدق» و«حافظ على إطارات سيارتك من الانفجار في الحرارة».

لاحقًا، بعد اختراق هاتف الحريري، أمدت الشركة أبوظبي بالبيانات التي اكتسبتها لتحليلها عبر شبكة حاسوب متطورة.

على عكس السعودية.. لماذا لا تتجسس أمريكا على الإمارات؟

المصادر

تحميل المزيد