تركت سنوات الغزو الأمريكي للعراق مآسي عميقة في المجتمع العراقي، كان أبرزها انتشار مجموعات مُسلحة عرفت باسم «فرق الموت»، داخل أرجاء المدن العراقية، وتشكلت بدعم لوجيستي وعسكري أمريكي، أدى بعد ذلك لنشوب حرب طائفية أدخلت البلاد في دوامة من الصراعات والنزاعات لسنوات طويلة.

وبرغم تفكك أغلب هذه الجماعات بعد نهاية الغزو الأمريكي، إلا أن الطائفية ظلت حاضرة لتتهيأ من جديد ظروف أدت لنشوء هذه الفرق المُسلحة بأهداف جديدة، وفي ظروف مغايرة لما تشكلت به في المرة الأولى، مورست سلسلة اغتيالات موسعة بحق نشطاء سياسيين ونساء شهيرات.

يحاول التقرير التالي التعرف على السياقات المرتبطة بعودة «فرق الموت» من جديد في العراق، وما هي أهدافها، والجهات التي تقف خلفها.

في البدء كان الغزو الأمريكي.. هكذا نشأت «فرق الموت» بالعراق

بعد عام واحد من الغزو الأمريكي للعراق، بدأ الفشل في فرض الهيمنة بالتجلي، وتعثر جمع الخصوم السياسيين تحت المظلة الأمريكية؛ ما عزى بالبنتاجون إلى إرسال الخبير العسكري جيمس ستيل إلى بغداد، باعتباره ورقة أخيرة قد تعمل على تثبيت النفوذ الأمريكي الذي لطالما تعرض لهزات عنيفة وفشل واسع، كانت أدلته كثيرة، أبرزها سقوط آلاف القتلى من الجنود الأمريكيين.

Embed from Getty Images

وزير الدفاع الأمريكي السابق خلال حضوره إحدى الفعاليات بعد سنوات من الخروج من منصبه

لم يكن دور ستيل في بغداد استثناءً عن مهامه «المشبوهة» التي ذاع صيتها في حروب أمريكا بمنطقة أمريكا الوسطى؛ إذ وكلته الإدارة الأمريكية آنذاك بمُهمة مُشابهة في بلاد الرافدين، مانحة إياه السلطات المفتوحة والصلاحيات المُطلقة، ليعود من جديد لهوايته المُفضلة وأداته المُحببة في الحروب وهو تشكيل «فرق الموت».

إنه ذكي. صارم. ومُراقب حريص لماح. قُلتم إنكم تريدون شيئاً ملموساً؛ وهذا شيء ملموس.

ترسم هذه الأوصاف بعض ملامح شخصية ستيل، والمسؤولية التي يضعها عليه رامسفيلد في العراق، وذلك حسبما ذكر في  الخطاب «السري» الذي بعث به وزير الدفاع الأمريكي إلى الرئيس جورج بوش ونائبه ديك تشيني، يُعلمهما فيه بإيفاد ستيل إلى العراق.

«فرق الموت» هى إحدى الوسائل التي ابتدعتها واشنطن في حروبها العسكرية، عبر تفويض أحد قادتها العسكريين بمهمة تشكيل وحدات قتالية غير رسمية من مواطنين البلد أنفسهم للقيام بمهام «غير شرعية»؛ مثل اغتيال المعارضين، أو إدارة مراكز اعتقال وتعذيب سرية، قبل أن تنتقل هذه الفكرة للعديد من التنظيمات والأشخاص مثل «حزب الله» في لبنان، ومحمد دحلان في غزة، وبشار الأسد في سوريا.

وجيمس ستيل، ضابط سابق في القوات الخاصة الأمريكية، وسبق له القيام بمهمة مماثلة في جمهورية السلفادور، حين كان مسؤولًا عن اختيار وتدريب الوحدات الصغيرة المُسلحة في حرب السلفادور، والتي بلغ عدد ضحاياها قرابة 75 ألف شخص بعد أن قام ستيل بتدريب وحدات ميليشيا سلفادورية لقتال المعارضة اليسارية؛ ما أدى إلى تشريد قرابة مليون شخص.

وقد استعان الضابط السابق، الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 58 عامًا، بزملاء سابقين له للإشراف على تدريب هذه الوحدات القتالية مثل الكولونيل جيمس كوفمان (59 عامًا)، مستشارًا خاصًا ثانيًا في مراكز الاعتقال العراقية التي أُنشئت بتمويل أمريكي، والذي أوفد إلى العراق في يونيو (حزيران) عام 2004، وستيفن كاستيل، الذي كان يعمل مستشارًا أمنيًا داخل وزارة الداخلية الأمريكية، وكذلك السفير الأمريكي السابق جون نجروبونتي المتخصص في «الإرهاب».

وتكونت هذه الفرق المُسلحة من ضباط عراقيين سابقين وعناصر أخرى، بلغ تعدادهم نحو 11 ألف من العراقيين، اختارتهم واشنطن بدقة وعناية بالغة؛ وأشرف الجنرالات الذين أوفدتهم برئاسة ستيل على تطوير قدراتهم القتالية، واستخدام وسائل التعذيب المختلفة لانتزاع الاعترافات منهم.

وساهم دمج عناصر شرطية عراقية سابقة في هذه الفرق المُسلحة إلى تواطؤ الجهاز الشرطي معها في عمليات الانتقام الطائفية التي نفذتها، حتى وصل الحال إلى انكشاف لواء شرطة عراقي بأكمله يتألف من 800 عنصر، يعمل مع هذه الوحدات المُسلحة؛ ليصدر قرارًا بوقف هذه اللواء، وإحالة أفراده للتحقيق، وكانت المرة الوحيدة التي تم اتخاذ إجراءات فيها ضد متهمين بتنفيذ عمليات قتل واختطاف.

اعتقدت واشنطن أن تشكيل فرق مُسلحة في العراق، سيكون الوسيلة الأساسية وعامل تهديد مُباشر لكُل مُخالف للرؤية الأمريكية التي عجزت عن تطبيقها عبر قنوات الحوار، وأن استخدام وسائل ترهيبية مثل فرق الموت بحق كُل معارض للوجود الأمريكي سينعكس إيجابًا على الفصائل السنية من أجل الانضواء تحت «الخيمة الأمريكية» وذلك بعدما فشلت واشنطن في ضبط إيقاعات العملية السياسية المتراجعة بسبب نظام المحاصصة الطائفية.

«مصائب قوم عند قوم فوائد».. كيف استفاد العراقيون من عقوبات واشنطن على إيران؟

الجثث تملأ شوارع المدينة.. هذا حصاد فرق الموت!

لم يمُر عامان على تشكيل هذه الوحدات التي ذاع صيتها باسم «فرق الموت» حتى باتت شوارع بغداد مكتظة بالجثث التي تم العثور عليها مقيدة ومعصوبة الأعين وفي رأس كل منهم طلقة واحدة أو أكثر، مع وجود آثار تعذيب وحشي على أجسادها، حتى بات من المُعتاد أن تظهر 3 آلاف جثة شهرياً في الشوارع، فضلًا عن اضطلاع أفراد «فرق الموت» بإدارة مراكز اعتقال وتعذيب سرية بحق كُل معارض للوجود الأمريكي في العراق، وانتزاع اعترافات المتمردين تحت إشراف وسمع وبصر الإدارة الأمريكية.

Embed from Getty Images

عدد من الجنود الأمريكيين يستمعون لخطبة لوزير الدفاع الأمريكي خلال فترة غزو العراق

وبحسب الكاتب الأمريكي ماكس فولر، مؤلف كتاب «العراق: الخيار السلفادوري يصبح حقيقة»، في دراسته المُعنونة بـ«استغاثة كاذبة عن ذئب: معلومات مضللة للإعلام وفرق القتل في العراق المحتل»، في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2005، وترجمتها الوكالة الفرنسية، فإن «كل المعلومات التي تسربت منذ وقت عن حقيقة فرق الموت أكدت أن وكالة المخابرات الأمريكية (سي آي أيه)، على صلة وثيقة بها، ومن المرجح جدًا أنها أسستها، لبناء قواعد تحتية، تؤسس بالتالي لحرب طائفية تريدها الولايات المتحدة للعراق، إذا فشلت في ضبط إيقاعات العملية السياسية المتراجعة جدًا بسبب نظام المحاصصة الطائفية».

فيلم مصور عن «فرق الموت» العراقية

وتُشير شهادة الضابط العراقي السابق منتظر السامرائي الذي عمل مع الجنرالين ستيل وكوفمان لمدة عام، في فيلم وثائقي أعدته هيئة الإذاعة البريطانية بالتعاون مع صحيفة «الجارديان» البريطانية عن العلاقة الوثيقة التي جمعتهما، قائلًا: «لقد عملا يدًا بيد، ولم أرهما قط مفترقين عن بعضهما خلال الأربعين أو الخمسين مرة التي رأيتهما فيها داخل مراكز الاعتقال. فقد كانا على دراية بكل ما يحدث هناك من تعذيب».

ويقول السامرائي: «كان لكل مركز اعتقال لجنة استجواب خاصة، ففي كل مركز يوجد رجل مخابرات واحد وثمانية محققين. وكانت هذه اللجان تستخدم كل أنواع التعذيب لإجبار المعتقل على الاعتراف منها التعذيب بالكهرباء أو التعليق أو استخدام مواد حارقة أو قلع أظافر المعتقل أو ضربه على أماكن حساسة من جسده».

«ذي إنترسبت»: هكذا صنعت أمريكا داعش بـ3 قرارات فقط!

«مُستأجر جديد» نفض الرماد عن «فرق الموت» وأعادها للحياة

بعد انقضاء ما يزيد عن 10 سنوات على تشكيل الولايات المُتحدة الأمريكية هذه الفرق القتالية؛ أُعيد تشكيلها من جديد، بأعضاء جُدد، وأهداف مختلفة عما كانت عليه أيام الاحتلال الأمريكي؛ إذ تحولت هذه المجموعات إلى العمل لصالح مُستأجر جديد لها وهو في نظر العديد من المراقبين إيران، أحد أهم الدول صاحبة النفوذ في بلاد الرافدين، بينما الهدف المُستجد هو إرهاب خصوم إيران في العراق.

Embed from Getty Images

أحد العروض العسكرية للحرس الثوري الإيراني

وقد بدأت فكرة إعادة استخدام فرق الموت بعد اتفاق بين نائب رئيس الجمهورية، نوري المالكي، وقيادات في «الحشد الشعبي»، لتنتقل أغلب عناصر «الحشد» إلى ما يعرف بـ«فرق الموت»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «القدس العربي»، نقلاً عن مسؤول عراقي رفيع المستوى.

و«الحشد الشعبي» هى ميليشيات قتالية غير نظامية تشكلت في أوائل يونيو 2014، بفتوى من المرجع الديني الشيعي آية الله علي السيستاني، لقتال مسلحي «تنظيم الدولة الإسلامية»، قبل أن تنقل مهامها وأدوارها بعد ذلك لمهام طائفية، ويُسيطر عليه الفصائل الشيعية، على الرغم من الزعم الدائم بأن «الحشد الشعبي»  يضُم فصائل سنية.

وأضافت الصحيفة أن «أصل فكرة تشكيل فرق الموت الجديدة جاءت بالاتفاق بين نائب رئيس الجمهورية، نوري المالكي، وقيادات في الحشد الشعبي، مثل اقتراح قدمه المالكي إلى المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي وافق عليه مباشرة خلال اللقاء الذي جمعهما في طهران قبل حوالي أربعة أشهر».

الشاهد الأهم على عودة هذه الفرق من جديد لتنفيذ مهامها هو عودة انتشار الجثث مرة أخرى في كُلٍ من الفلوجة والرمادي وهيت في الأنبار، وحزام بغداد وسامراء، إضافة إلى المناطق المحررة في الموصل، وقد عزز من ضلوع إيران خلف تشكيل هذه الميليشيات، ما نشرته صحيفة «التلجراف» البريطانية في تقرير حصري أشار إلى أن تشكيل هذه الفرق جاء بأوامر من قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، وأن الهدف منها هو إرهاب خصوم إيران في العراق.

وبدأت سلسلة الاغتيالات تتوسع من جانب هذه الفرق في المرحلة التي تلت إجراء الانتخابات العراقية في مايو (أيار) الماضي، في محاولة من جانب طهران للتأثير على الحكومة العراقية بعد فشل الكتلة المدعومة من طهران في الحصول على نتائج جيدة بالانتخابات العامة.

وكان من أبرز الوقائع في هذه الفترة الزمنية مقتل القيادي الشيعي العراقي شوقي الحداد، في يوليو (تموز) 2018 على يد مسلحين، بعد اقتحام منزله في محافظة النجف العراقية، وذلك عقب اتهامه لإيران بتزوير الانتخابات العراقية، إلى جانب عادل شاكر التميمي، المُقرب من رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، ويحمل الجنسية العراقية والكندية، وعمل مبعوثًا خاصًا للعبادي بصفة غير رسمية في العديد من القضايا الخارجية، إلى جانب دوره في التقريب بين السنة والشيعة.

وسبقت هذه الوقائع سلسلة اغتيالات تعرضت لها ناشطات عراقيات، إلى جانب نساء عراقيات شهيرات فى مناطق مختلفة، يجمعهن الاهتمام بمجالات الموضة وعروض الأزياء من خلال الظهور في برامج تلفزيونية، أو الاشتراك في مسابقات الجمال، مثل رشا الحسن، خبيرة التجميل، ورفيف الياسري، صاحبة مركز «باربي»، والتي تدعم كذلك نشاطات إنسانية في علاج الفقراء وإغاثة النازحين.

وربط مسؤول أمني بريطاني بين لجوء إيران لتشكيل فرق الاغتيال ضد منتقدي سياسة طهران وبين المساعي الدولية والضغوط المُستمرة على الحكومة العراقية لإنهاء تدخل إيران في العراق، بينما يزيد من صعوبة الإيقاع بهذه الجهات المُنفذة هو تخوف المسؤولين الأمنيين من اتهام أشخاص بعينها، حماية لمناصبهم، وذلك كون المنصب الأمني يذهب للشخص بعد أن يتم التوافق بين الميليشيات المسلحة والأحزاب والعشائر، وهي الفئات التي ينضوي أغلب أفرادها في هذه الفرق المُسلحة.

وحسب إحصائية أعدّها مُحرر بصحيفة «الحياة» فإن عدد جثث النساء مجهولات الهوية التي عُثر عليها من تاريخ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 2015 ولغاية 21 سبتمبر (أيلول) 2016 نقلًا عن مصادر أمنية في وزارة الداخلية بلغ 52 جثة تتراوح أعمارهن ما بين 20 و35 سنة. وأشار كذلك إلى أنّ «غالبيتها كانت مرميّة في مناطق جنوب شرقي العاصمة، ومن بينها منطقة الزعفرانية، وكانت تحمل في معظمها آثار إطلاق نار في منطقة الرأس والصدر أو آثار طعن بالسكين».

من يغتال جميلات «إنستجرام» في العراق؟

المصادر

تحميل المزيد