هل تحوَّر فيروس كورونا مرة أخرى؟ تشير ورقة بحثية حديثة نشرها علماء في مختبر لوس ألاموس الوطني، ولم يراجعها بعد علماء مستقلون؛ إلى ظهور سلالة جديدة من فيروس كورونا (كوفيد-19) في أوروبا، وأن السلالة الجديدة أصبحت سائدة في جميع أنحاء كوكب الأرض، ما دفع الباحثين إلى الاعتقاد بتحوُّر الفيروس، وتحوله إلى نوع يتسبب في عدوى أكبر.

ومع ذلك، قابل العديد من خبراء الأمراض المعدية هذه الفرضية على الفور بالتشكيك؛ إذ ليس هناك إجماع علمي على أن أيًّا من الطفرات التي لا تعد ولا تحصى في الفيروس حتى الآن، قد غيَّرت العدوى أو درجة القتل العام لفيروس كورونا المستجد. لكن في الوقت ذاته، أشارت الدراسة إلى تميز فيروس كورونا بطفرة يطلق عليها اسم «Spike D614G»، والتي تفوقت بسرعة على سلالات أخرى بعد ظهورها في أوروبا.

تؤثر هذه الطفرة في بنية بروتينية في غلاف الفيروس تسمى «Spikes»، وهو أمر بالغ الأهمية لقدرة الفيروس على إصابة الخلايا البشرية، ويعتقد الباحثون أن هذا التغيير الهيكلي يعزز العدوى. وهي طفرة تثير القلق؛ منذ بدأ انتشارها – بحسب الدراسة – في أوروبا في أوائل فبراير (شباط)؛ بسبب ميزة اللياقة البدنية العالية لهذا الفيروس مقارنة بسلالة ووهان الأصلية.

مقطع يشرح كيف تحدث الطفرات في فيروس كورونا:

دراسات أخرى سبق وأن أوضحت وجود سلالتين رئيسيتين من الفيروس إحداهما شديد العدوانية. وقسَّم العلماء السلالتين إلى «S» و«L»، إذ تعد السلالة «S» الأقل عدوى، وهي الأقدم في الانتشار، أما السلالة «L» التي ظهرت لاحقًا، فتنتشر بمعدل أسرع، وتشكل النسبة الأكبر من الإصابات.

كل هذه الأخبار عن وقوع تحورات لفيروس كورونا تثير التساؤلات حول معنى «تحور الفيروس»، ولماذا هو أمر خطير ويمكن أن يهدد البشرية؟ ولماذا تكتسب الفيروسات هذه الميزة من الأساس؟ وهل تختلف عملية التحور من فيروس لآخر؟

لماذا يتحور الفيروس؟

الفيروسات ليست أكثر من مجرد أجزاء طفيلية من الحمض النووي (RNA) أو الحمض النووي (DNA). على الرغم من ذلك، فهي وفيرة بشكل مدهش من حيث العدد والتنوع الجيني، لدرجة أننا لا نعرف عدد أنواع الفيروسات الموجودة على كوكب الأرض، والتي قد تصل إلى تريليونات، وتفوق أعداد البشر 10 مرات.

وبالرغم من أن علماء الفيروسات مهتمون بشدة بكيفية تحور الفيروسات وانتقالها بين الأنواع المختلفة، وفهم هذه العملية إلى حد ما، فما تزال هناك العديد من الفجوات في المعرفة. فمعظم الفيروسات متخصصة، وتنشئ ارتباطات طويلة مع الأنواع المضيفة (العوائل) المفضلة لديها. في هذه العلاقات، قد لا يسبب الفيروس أعراض المرض، بل قد يستفيد كل من الفيروس والمضيف في التكافل.

ومثلما شكَّل الانتقاء الطبيعي تطور البشر والنباتات وجميع الكائنات الحية على كوكب الأرض، يشكل الانتقاء الطبيعي الفيروسات أيضًا. وعلى الرغم من أن الفيروسات غير حية تقنيًّا – فهي تحتاج إلى كائن مضيف من أجل التكاثر – فهي تخضع لضغوط تطورية. فالفيروس الذي يتسبب في موت مضيفه، مضطر للبحث عن مضيف جديد وصحي ليبقى ويستمر.

Embed from Getty Images

من حين لآخر، تنتشر الفيروسات من مضيفها الأصلي إلى مضيف جديد. عندما يحدث هذا، يزيد خطر الإصابة بالمرض. إن معظم الأمراض المعدية التي تصيب البشر والحيوانات ناجمة عن عملية الانتشار هذه. فيروس كورونا الجديد، ليس «جديدًا» في الواقع. فقد تحور الفيروس على مدى فترة طويلة، ربما ملايين السنين، في أنواع أخرى من الكائنات الحية ما تزال موجودة.

عملية انتشار الفيروس عملية معقدة وغير مفهومة بالكامل. في الطبيعة، تقتصر معظم الفيروسات على مضيفين معينين؛ بسبب تفاعلات بروتين تسمى «تفاعلات القفل والمفتاح». وهي تتعلق بوجود جزء من بروتين الغلاف الخارجي للفيروس (مفتاح)، يطابق ويكمل جزءًا من الغلاف البروتيني للخلية في المضيف (قفل). وهو ما يعني أن الفيروس لا يمكنه إصابة أي كائن طالما لا يوجد به أجزاء تتطابق مع الفيروس.

ولكي يصيب الفيروس مضيفًا جديدًا، قد يلزم تعديل بعض مفاتيح البروتين أو كلها. يمكن أن تحدث هذه التعديلات، التي تسمى «الطفرات»، داخل المضيف القديم أو الجديد أو كليهما. على سبيل المثال، يمكن للفيروس أن يقفز من «المضيف A» إلى «المضيف B»، لكنه لن يستطيع إجراء عملية الاستنساخ أو الانتقال بين أفراد المضيف الثاني، ما لم تحدث طفرات متعددة في مفاتيح البروتين، إما في وقت واحد، وإما على التوالي. الاحتمال المنخفض لوقوع هذه الطفرات بهذا الشكل بالتحديد يجعل الآثار غير المألوفة للفيروسات غير شائعة.

كيف تحدث الطفرات؟

لفهم كيفية حدوث الطفرات في الفيروسات يمكننا أن نتخيل أن الفيروس عبارة عن كتيب تعليمات محدد مطبوع على قطعة من الورق. يصف هذا الكتيب التالي:

1- كيف تعيش في نوع خلية معين، داخل مضيف معين.

2- كيفية الانتقال إلى الخلية المجاورة.

3- كيفية الانتقال إلى فرد جديد من النوع نفسه.

وتحتوي التعليمات أيضًا على كيفية صنع آلة نسخ الفيروسات. من المفترض أن تُنتِج هذه الآلة، وهي إنزيم يسمى إنزيم البلمرة، نسخًا متطابقة لا نهاية لها من كتيب التعليمات هذا. ومع ذلك، يرتكب الإنزيم أحيانًا أخطاء. قد يحدث فقد لإحدى الكلمات، أو قد تضاف إحدى الكلمات، أو حتى عبارة جديدة كاملة إلى كتيب التعليمات، مما يغير من التعليمات التي يجب أن يسير عليها الفيروس.

في بعض الأحيان، تضاف تعليمات جديدة تشرح كيف يمكن للفيروس أن يعيش داخل أنواع مضيفة جديدة تمامًا. فإذا التقى الفيروس والمضيف الجديد، يمكن أن يحدث تفشٍّ جديد. وهذا ما حدث في فيروس كورونا الجديد، فقد حدثت طفرة تسببت في إضافة تعليمة جديدة تتعلق بانتقاله إلى البشر، وهو ما تسبب في حالة التفسي الذي نعيش فيه.

المشكلة هنا هي وجود بعض العوامل المساعدة لحدوث الطفرات؛ إذ يؤدي النشاط البشري إلى ظهور فيروسات جديدة مسببة للأمراض. فبينما يزيل البشر الحدود القائمة بينهم وبين المناطق البرية الأخيرة على الأرض، عبر قطع الأشجار من أجل إنشاء المزارع والمنازل، تتفاعل فيروسات الحياة البرية مع المحاصيل، وحيوانات المزرعة، والبشر.

أنواع الفيروسات التي تطورت بشكل منفصل سابقًا، أصبحت تختلط الآن مع مضيفين جدد. وتسمح الأسواق العالمية بالتجارة الحرة للحيوانات الحية، بما في ذلك البيض واللحوم، والخضراوات، والزهور، وتأتي الفيروسات على طول هذه الرحلة. البشر أيضًا يتسببون في الاحتباس الحراري، ما يسمح لبعض الأنواع بتوسيع نطاقها الجغرافي إلى مناطق كانت شديدة البرودة في السابق للعيش فيها. ونتيجة لذلك، يتحور الفيروس ويلتقي بمضيفين جدد للمرة الأولى.

هل تختلف الطفرات بين أنواع الفيروسات؟

كما ذكرنا سابقًا، فإن الفيروسات – حسب تركيبها الجيني – تنقسم إلى قسمين رئيسيين، فيروسات الحمض النووي (RNA)، وفيروسات الحمض النووي (DNA). الفرق الأساسي بينهما أن «RNA» هو شريط مفرد من المادة الجينية، بينما «DNA» هو شريط مزدوج من المادة الوراثية.

الحمض النووي «DNA» جزيء أكثر استقرارًا من الحمض النووي «RNA»، وتتميز فيروسات «DNA» بأن لديها عملية فحص وتدقيق كجزء من عملية الاستنساخ التي تحدث عبر إنزيم البلمرة. إذ يستخدمون الخلية المضيفة للتحقق من صحة تكرار المادة الوراثية على الحمض النووي الفيروسي.

علوم

منذ شهر
متى سنحصل على مصل كورونا؟

إذا ارتكب فيروس «DNA» خطأ في نسخ الحمض النووي، يمكن للخلايا المضيفة في كثير من الأحيان تصحيح الخطأ. لذا، فإن فيروسات «DNA» لا تتغير أو تتحول كثيرًا. ومع ذلك، فإن الحمض النووي «RNA» جزيء غير مستقر، ولا تحتوي فيروساته على خطوة تدقيق مدمجة. وبالتالي تحدث أخطاء في عملية نسخ «RNA» بشكل متكرر، ولا تصحح الخلية المضيفة هذه الأخطاء. لذلك تتكرر طفرات فيروس «RNA»، ويمكن أن يكون لها عواقب مهمة على مضيفيها.

أشهر الأمثلة للفيروسات المتحورة

هناك العديد من الأمثلة المشهورة في التاريخ، خصوصًا كل تلك الأوبئة التي قتلت الملايين بسبب فيروسات. هذه بعض الأمثلة للتوضيح لا الحصر:

1- فيروس الإنفلونزا

ربما المثال الواضح والأبرز للفيروسات الأكثر تحوُّرًا هو فيروس الإنفلونزا. ينقسم إلى ثلاثة أنواع، A وB وC. ويتكون من سبع أو ثماني أجزاء من الحمض النووي «RNA» داخل غلاف بروتيني. الطفرات في فيروس الإنفلونزا تتعلق ببروتينات السطح في الغلاف الخارجي له، مما يجعله يظهر بشكل مختلف في كل مرة لجهاز المناعة، وبالتالي نحتاج لتطوير اللقاح سنويًّا.

مقطع يوضح تحور فيروس الإنفلونزا:

أحيانًا تحدث طفرات عنيفة تسببت في حدوث أشهر التفشيات الوبائية، مثل الإنفلونزا الإسبانية عام 1918، وإنفلونزا الطيور عام 2003، وإنفلونزا الطيور عام 2009، وغيرها.

2-  فيروس كورونا

الفيروسات التاجية هي مجموعة من فيروسات «RNA»، وبالتالي هي كثيرة التحور أيضًا. المميز في هذه الفيروسات أنها إلى وقت قريب كانت مقتصرة على الحيوانات. حدثت طفرة معينة تسببت في انتقال الفيروسات إلى البشر، وهو ما تسبب في تفشي «سارس» عام 2002. ثم تسببت إحدى الطفرات في تفشي «MERS» عام 2012. كلاهما كان يتعلق بانتقال المرض من الحيوانات إلى البشر.

لكن الطفرة الأقوى هي ما حدثت نهاية عام 2019 في ووهان الصينية، عندما مكَّنت الفيروس من الانتقال بين البشر، ليتسبب في الوباء الذي نعيشه حاليًا.

3- فيروس نقص المناعة المكتسبة

فيروس الإيدز يتميز بأنه متغير وراثيًّا للغاية. تكاثره بسرعة أكبر بكثير من معظم الكيانات الأخرى. إذ يمكنه إنتاج مليارات النسخ من نفسها كل يوم. ولكونه فيروس «RNA»، تحدث الكثير من الأخطاء والطفرات في الشفرة الجينية. وكلما زادت فائدة الطفرات في بقاء الفيروس، زاد احتمال أن يتكاثر الفيروس المتحور نفسه.

وبسبب المعدل السريع لتطور الفيروس، يمكن أن يطوِّر مقاومة للأدوية المضادة للفيروس بسرعة. وللسبب نفسه يصعب إيجاد لقاح ضد فيروس سريع التغيُّر.

صحة

منذ سنة واحدة
«فورين بوليسي»: موجة جديدة قاتلة من الإيدز تضرب العالم

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد