رحلة الكائن الحي على كوكب الأرض؛ هي رحلة تعتمد مراحلها بشكل كبير على التكيف من أجل البقاء، وكلما تغيرت ظروف الكوكب المناخية والبيئية؛ أصبح من الضروري أن تجد الكائنات الحية وسيلة جديدة للتكيف مع تلك التغيرات الجديدة من أجل البقاء، والكائنات التي لا تجد وسيلة للتأقلم مع الظروف الجديدة للكوكب، غالبًا ما يكون مصيرها الانقراض.

يمر كوكب الأرض الآن بتغيرات مناخية جذرية بسبب الاحتباس الحراري، والحيوانات تتأثر بهذا الطقس والتغيرات أكثر من البشر؛ إذ ليس لديهم مكيف هواء يحتمون به من شدة الحرارة، أو وسائل تكنولوجية تخفف عنهم ظروف الحياة الصعبة، ولذلك قد يكون للتغير المناخي أثر أسرع في الحيوانات من البشر، مع ذلك فإن تغيرات ملحوظة ومدهشة تحدث للكائنات الحية الآن، ففي هذا التقرير نحدثك عن تأثير التغير المناخي في عملية تكيف الكائنات الحية على كوكب الأرض في الوقت الحالي، وكيف يتغير شكل الحيوانات والإنسان وفقًا لتلك المتغيرات.

ما هو التكيف؟ وما هو التغير المناخي؟

قبل أن نشرح التأثير الذي يتركه التغير المناخي في عملية التكيف لدى الكائنات الحية، يجب في البداية أن نوضح سريعًا ما هو التغير المناخي وما هي عملية التكيف. التغير المناخي هو أمر يحدث على كوكب الأرض طوال الزمن الجيولوجي (وهو الزمن الذي يمثل تاريخ الأرض ونشأتها)، ورغم ذلك فالسرعة التي تزيد بها درجات الحرارة الآن لم يشهدها كوكب الأرض من قبل، وقد أصبح مؤكدًا أن البشرية هي المسؤولة عن ارتفاع درجات الحرارة بسبب إطلاق غازات تحبس الحرارة، وهي التي يشار إليها بالغازات الدفيئة، التي تمد حياتنا الحديثة بالطاقة.

ونحن نقوم بذلك من خلال حرق الوقود الأحفوري، وغير ذلك من النشاطات التي تدفع لحدوث التغير المناخي، فالغازات الدفيئة في أعلى مستوياتها منذ 800 ألف سنة، وقد ارتفعت حرارة العالم بمقدار 1.2 درجات مئوية منذ انتشرت المصانع، وستظل درجات الحرارة في ارتفاع مطَّرد لحين إقدام الحكومات على اتخاذ خطوات تحول دون ذلك.

علوم

منذ شهرين
مصر ستكون بلا إسكندرية وكوارث أخرى.. كيف سيكون شكل الحياة عام 2050؟

وتتمثل الآثار المحتملة للتغير المناخي في نقص الغذاء، وفي موجات طقس حار، وعواصف، وفي ارتفاع منسوب المياه، وغير ذلك، ويعد الارتفاع السريع لدرجة الحرارة هذا مشكلة أيضًا لأنه يغير مناخنا بمعدل سريع يصعب على بعض الكائنات الحية التكيف معه ويهددها بالانقراض.

ولكن بعض الحيوانات استطاعت أن تثبت قدرة استثنائية على التكيف مع تلك المتغيرات، والتكيف هو قدرة الكائن الحي على تغيير شكل جسده، أو سلوكه أو بعض وظائف أعضائه بغرض التأقلم مع الأوضاع البيئية الجديدة التي فُرضت عليه بهدف البقاء، ومؤخرًا استطاع علماء الأحياء رصد بعض الحيوانات التي بدأت بالفعل في تغيير شكلها بما يتوافق مع درجات الحرارة الجديدة للكوكب.

هل ستنجو ذوات الدم الحار من التغير المناخي؟

في علم الأحياء تُقسم الكائنات الحية وفقًا لآلية عمل الدورة الدموية في أجسادهم؛ إلى ذوات الدم الحار وذوات الدم البارد، والكائنات ذات الدم الحار مثل الثدييات والطيور، هي من تحاول أن تجعل درجة حرارة أجسادها عند درجة حرارة ثابتة وهذا عن طريق توليد حرارتهم الداخلية عندما يكون الجو الخارجي باردًا، وتبريد أجسادهم من الداخل عندما تكون درجة حرارة الجو خارجها أعلى من المعتاد، وحتى تزيد من درجة حرارة أجسادها، تحوِّل ذوات الدم الحار الطعام إلى طاقة؛ ولذلك عادة ما تتناول تلك الكائنات الكثير من الطعام في فصل الشتاء لتحفظ درجة حرارة الجسم الداخلية ثابتة.

الكائنات ذات الدم البارد تتغير درجة حرارة أجسامها وفقًا لتغير درجة حرارة البيئة المحيطة ففي الصيف ترتفع درجة الحرارة فترتفع درجة حرارة أجسامها من الداخل، بينما تبرد في الشتاء كما تبرد البيئة المحيطة بها، وفي البيئات الحارة يمكن أن تكون دماء هذه الكائنات أكثر دفئًا من دماء الكائنات ذات الدم الحار. ولذلك  تنشط الكائنات ذات الدم البارد في الأجواء الدافئة بينما تشعر بالكثير من الخمول في الأجواء الباردة وذلك لأن حركتها تعتمد على مجموعة من التفاعلات الكيميائية التي تنشط في الحرارة وتبطئ في الجو البارد.

وفي دراسة نُشرت في السابع من شهر سبتمبر (أيلول) من العام الجاري 2021  في مجلة «Trends in Ecology and Evolution» تحت عنوان «The warming climate is causing animals to ‘shapeshift»، أو «المناخ الدافئ يتسبب في تغيير شكل الحيوانات»؛ أكد علماء الأحياء أن التغير المناخي ليس مشكلة بشرية فقط، بل إن الحيوانات أيضًا تحاول أن تجد وسيلة للتكيف مع درجة حرارة الكوكب التي تستمر في الارتفاع، ورصدت الدراسة أنواعًا من التكيف في الشكل لدى حيوانات ذوات الدم الحار من خلال تغير شكل المناقير والأرجل والأذنين لتنظيم درجة حرارة أجسامها.

وتؤكد عالمة الأحياء سارة رايدينج – مؤلفة تلك الدراسة – أن  التغيرات المناخية والاحتباس الحراري قد سرَّع وتيرة التكيف لدى الحيوانات، وبينما هناك حيوانات ستتمكن من التكيف، هناك بعض الحيوانات التي لن تستطيع التكيف، في تجسيد حي لجملة «البقاء للأكثر قدرة على التكيف».

حيوان الزبابة المقنع

ورصدت تلك الدراسة تغييرًا وصفته الدراسة «بالكبير والسريع» في الطيور، مثل عدة أنواع من طائر الببغاء الأسترالي، والذي زاد حجم منقاره بنسبة تصل إلى 10% بعد أن كان حجم منقاره ثابتًا منذ العام 1871، كما أن طائر «الجنك» – وهو أحد الطيور المغردة الموجودة في أمريكا الشمالية- أظهر  أيضًا تغيرًا في حجم المنقار، وهذا لأن – وفقًا للباحثين في الدراسة- هناك صلة بين حجم المنقار وقدرة الطائر على التكيف مع درجات الحرارة العالية.

الطيور لم تكن الكائنات الحية الوحيدة المذكورة في تلك الدراسة، بل رُصد أيضًا تغييرات في بعض أنواع الثدييات مثل تغير طول الذيل في بعض أنواع الفئران، وزيادة حجم الذيل والساق في حيوان «الزبابة المقنع» – وهو نوع من أنواع القوارض.

وتشير الدراسة إلى أن الزيادة في حجم ذيول القوارض المذكورة سلفًا قد تكون ضئيلة بنسبة تصل إلى 10%، أما عن الأذنين فتتوقع الدراسة أن تزيد بمعدل بارز وسريع، وشبهت سارة – مؤلفة الدراسة- التغير الذي قد يحدث لحيوان الزبابة أو الفأر في أذنيه (ليحافظ على توازن درجة حرارة الجسم)، بأنه قد يتحول إلى «Dumbo» وهو شخصية فيل كرتونية كان لديه أذنان كبيرتان للغاية لدرجة سمحت له بالطيران بهما.

وأضافت الدراسة أن تلك التغيرات الشكلية ليست دليلًا مؤكدًا على قدرة الكائنات على البقاء للأبد، هي فقط قدرات تكيفية للتعامل مع درجات الحرارة الشديدة، ولكن العلماء القائمين على الدراسة ليسوا متأكدين من قدرة تلك الحيوانات على مواكبة التغير المناخي السريع من خلال تغير شكلها بالدرجة التي تساعدها على حفظ حرارة أجسادها، أو أن باقي الحيوانات لديها القدرة على التكيف من الأساس، ولذلك هناك بعض الكائنات الحية قد تقاتل من أجل البقاء من خلال تغير شكلها، ولكن هذا التغيير لا يعني أنه بالضرورة سيكون كافيًا لبقائها على سطح كوكب الأرض.

شعار القرن المقبل «إما التطور وإما الانقراض» 

يقول توماس ريد، عالم البيئة التطورية في جامعة كوليدج كورك في تصريح له لمجلة: «ناشونال جيوجرافيك»: «يعتبر تغير المناخ أحد التهديدات الرئيسية للتنوع البيولوجي والمجتمع البشري في القرن المقبل وفي النهاية، يجب أن يتطور السكان – جميع الكائنات الحية-  للبقاء على قيد الحياة».

شاهد السنجاب الأحمر الذي غير موسم تزاوجه للتكيف مع التغير المناخي: 

في دراسة نُشرت في منتصف العام 2019 بمجلة «Nature» تحت عنوان «Adaptive responses of animals to climate change are most likely insufficient» أو «غالبًا ما تكون استجابات الحيوانات التكيفية لتغير المناخ غير كافية»، أكد مؤلفيها أن الكثير من الكائنات الحية تحاول التأقلم أو التكيف مع التغير المناخي من خلال التغيير في شكلها، ولكن أحيانًا لا تكون تلك التغيرات الشكلية كافية.

ولذلك بعض الطيور والسناجب لجأت لحيلة جديدة عندما وجدت صغارها يموتون بمجرد ولادتهم لعدم توفر الطعام الكافي لهم بسبب شدة الحرارة التي تقضي على مصدر غذائهم الرئيسي، ولذلك تلك الطيور والسناجب غيرت مواسم التزاوج والتكاثر الخاص بها ليصل صغارها إلى العالم ويجدون ما يعينهم على الحياة، ولكن حتى المجهود الذي تبذله الحيوانات في التكيف السلوكي والوظيفي والشكلي؛ – وفقًا للدراسة – لن يكون كافيًا لبقائها إذا لم تخف وتيرة التغير المناخي.

مخ الإنسان سينكمش!

ربما يكون الإنسان قادرًا على الاختباء نسبيًّا من درجات الحرارة العالية في مكيفات الهواء بالمنازل، ولكن هذا لن يمنع البشر من المشي في الطرقات تحت أشعة الشمس، ومع ظروف التغير المناخي والاحتباس الحراري سيحتاج الإنسان أن يتكيف أيضًا ليكون قادرًا على البقاء على كوكب الأرض في ظل ظروفه المناخية الجديدة.

صبغة الميلانين هي الصبغة الطبيعية التي تنتجها خلايا خاصة في الجسم تسمى الخلايا الصباغية لمنح لون معين لكل من الجلد والشعر والعيون، وتختلف درجات لون الجلد من البياض الشديد للسمار تبعًا لتركيز صبغة الميلانين في البشرة. وعلى سبيل المثال، يتميز ذوو البشرة السمراء بوجود نسب عالية من صبغة الميلانين في البشرة لديهم أكثر من تلك الموجودة لدى ذوي البشرة البيضاء أو الفاتحة.

وفي عام 2014 نشرت دراسة تحت عنوان: «Melanin-based colour polymorphism responding to climate change». أو كيفية تنوع وتأثر مادة الميلانين في الإنسان بسبب التغير المناخي.

وضحت تلك الدراسة أنه نظرًا إلى أن تغير المناخ يؤدي إلى ارتفاع في درجة الحرارة والأشعة فوق البنفسجية، سيكون أصحاب البشرة السمراء لديهم القدرة الأكبر على تحمل درجات الحرارة الشديدة، بينما سيكون على أصحاب البشرة البيضاء التكيف، من خلال تغير نسب فرز مادة الميلانين حتى تكون بشرتهم أكثر تحملًا لأشعة الشمس، وما توقعته تلك الدراسة أن بشرة البشرية – إذا لم يتم السيطرة على التغير المناخي- قد تتكيف لتكون قادرة على تحمل حرارة الطقس.

وفي دراسة أخرى أجريت بجامعة كامبريدج على أكثر من 300 حفرية من أجسام البشر الموجودة في أنحاء العالم، ونشرت في شهر يوليو (تموز) من العام الجاري 2021 تحت عنوان: «Climate changed the size of our bodies and, to some extent, our brains» أو «لقد غيَّر المناخ حجم أجسادنا، وإلى حد ما، أدمغتنا أيضًا»، وأكدت تلك الدراسة أنه على مدار ملايين الأعوام من تطور البشر على كوكب الأرض، تغير حجم جسم الإنسان وفقًا للتغيرات في درجات الحرارة، فدرجات الحرارة الباردة تدفع جسد الإنسان ليكون أكبر حجمًا، بينما درجات الحرارة الدافئة تدفعه ليكون أصغر حجمًا بما فيه مخه أيضًا.

وصرح أستاذ أندريا مانيكا عالم الحيوان بجامعة الكامبريدج، والمؤلف الرئيسي للدراسة، أن البيانات التي جمعها فريق البحث والتي يعود بعضها إلى ملايين السنين، قد أثبتت أن المحرك الرئيسي للتغيرات في حجم الجسم على مدى المليون السنة الماضية كان المناخ وخاصة درجة الحرارة، ولذلك تتوقع تلك الدراسة أن التغيرات الجذرية التي يمر بها كوكب الأرض الآن من زيادة في درجات الحرارة إن لم يجر السيطرة عليه؛ سيكون البشر أصغر في الحجم وهذا ينطبق على حجم المخ أيضًا، وعندما ينكمش المخ؛ يصبح الفرد معرضًا لفقدان الذاكرة، وعدم القدرة على اختيار الكلمات الصحيحة للتعبير عن النفس، كما يواجه صاحب المخ المنكمش صعوبات في التعلم وانخفاض تدفق الدم في الدماغ. 

وهو الأمر الذي لا يعد بعيدًا عن التحقق نظرًا لأن الكثير من الحيوانات وخاصة الطيور، بدأت حجمها يتقلص ويصغر بسبب درجات الحرارة العالية بالفعل، وهذا بحسب بيانات جمعها باحثون بجامعة كيب تاون الأمريكية على مدى 23 عامًا بين أعوام 1976 و1999، والتي أكدت أن التغير المناخي أدى إلى تقلص أحجام أجسام الحيوانات.

تلك هي التغيرات التي حاول العلماء رصدها بسبب التغير المناخي، وكلما زادت درجة الحرارة في الارتفاع، سيكون علينا التوقع بأن هناك المزيد من التغييرات، ليس فقط في أشكال الحيوانات والبشر، بل في مدى انتشار الأمراض وتطورها، وربما يكون مؤتمر جلاسكو (مؤتمر الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ في نوفمبر- تشرين الثاني القادم) هو الفرصة الأقرب للبشر في المحاولة للسيطرة على التغير المناخي.

سيعقد هذا المؤتمر في أسكتلندا، حيث سيجتمع قادة من 196 دولة، في مدينة جلاسكو الأسكتلندية لبحث قضية التغير المناخي.  وينظر إلى هذا المؤتمر كمحطة مفصلية للراغبين بوضع التغير المناخي تحت السيطرة، وسيكون مؤتمر جلاسكو فرصة مناسبة لقادة العالم لمناقشة ما أنجز على صعيد التغير المناخي منذ مؤتمر باريس عام 2015 حتى الآن.

المصادر

تحميل المزيد