معلمو البشرية المجهولون.. كيف ألهمت الحيوانات الحضارة الحديثة للبشر؟

قد نرى – نحن البشر – الحيوانات في مكانة أقل منّا، ولكن للحيوان الكثير من الفضل على حياة البشر منذ بداية الكون وحتى وقتنا هذا، وكانت الحيوانات والطيور هي معلم الإنسان الأول في عاداته الغذائية، والتزاوج، ولم يزل الإنسان يتعلم من الحيوان حتى الآن، ويظهر هذا في الكثير من أوجه التكنولوجيا الحديثة المستلهمة من سلوك الحيوان وطريقة عيشه.

في هذا التقرير نأخذكم في رحلة إلى عالم الحيوان، نخبركم من خلالها أمثلة تكنولوجية وهندسية مستلهمة من سلوك الطيور، أو الحيوانات، أو الحشرات. في الواقع أهمية الحيوان في حياة البشر، لا تتمثل فقط في أنه مصدر للغذاء والطعام، بل هو ملهم أشد أهمية للبشر وعلمهم تطويع الطبيعة.

علوم  منذ سنتين

ليس كل الأطباء بشرًا! كيف تمارس الحيوانات «المثقفة» مهنة الطب؟

البعوضة: «إبر أقل إيلامًا»

البعوض من أكثر الأشياء التي تثير ضيق البشر، مجرد أن نسمع أزيزها نحاول مطاردتها لقتلها، وبعد قتلها نرى دماءنا التي امتصتها دون أن ندري تخرج من جثتها، ولكن تلك البعوضة التي قتلتها لها الفضل في واحد من أهم الإنجازات الطبية التي لابد وأن استخدمها كل إنسان مرة واحدة على أقل تقدير في حياته.

قد تكون نائمًا، والبعوضة تقف وتغرس إبرتها التي تشبه الخرطوم الصغير للغاية في جلدك ولا تشعر بها، تدخل إبرة البعوضة في الجلد دون الشعور بأي ألم، وهذا الأمر لفت نظر الأطباء في اليابان بجامعة كانساي، ودرسوا الشكل التشريحي لإبرة البعوضة وصمموا حقنة جراحية على نفس الشكل، حتى أنها تهتز بمعدل 15 هرتز كما يفعل خرطوم البعوضة؛ لأن هذا الاهتزاز يقلل الإحساس بالألم عند دخول الإبرة في الجلد.

اليراعة المضيئة.. لمبة أكثر فعالية

اليراعة المضيئة أو الخنافس المضيئة تتميز بأن لديها القدرة على إضاءة جسدها، ويوجد منها ما يقرب من ألفي نوع حول العالم، وعادًة ما تتواجد في الغابات والمناطق الاستوائية الحارة، ويستخدم اليراع هذا الضوء، والذي يكون باردًا بسبب تواجدها في أماكن درجة حرارتها عالية، وله أكثر من استخدام آخر مثل جذب الشريك في موسم التزاوج، والإنارة في الليل، ولتخويف أي عدو يحاول الهجوم عليها كوسيلة للدفاع عن النفس.

ألهم هذا الوميض الليلي لليراعات العلماء لتعديل الصمام الثنائي الباعث للضوء وهي اللمبات التي نعرفها باسم لمبات الـ«ليد (LED)»، وهو التعديل الذي جعلها أكثر كفاءة في الإضاءة بنسبة 55%، ولتنفيذ هذا؛ درس الباحثون البنية الداخلية لما يُعرف بفوانيس اليراع – الجزء المنير في جسدها – والأعضاء الموجودة على بطون الحشرات المضيئة، وحدد العلماء النمط المستخدم في التوهج الذي يميز إضاءة تلك الحشرة لتطوير هذا النوع من الإضاءة في منازلنا.

المحار وقدرته على الالتصاق

الصمغ الذي عادة ما نستخدمه في منازلنا يمكنه لصق الأشياء لصقًا جيدًا، ولكنه غير قادر على الصمود تحت الماء، وهو الأمر الذي احتاجه العلماء للصق بعض الاختراعات التي يتوجب عليها التعامل تحت الماء، ولذلك كان عليهم ابتكار نوع جديد من الصمغ يكون أقوى من الصمغ المتعارف عليه، وهنا جاء دور المحار ليلهم العلماء.

يفرز المحار مادة لزجة لديها القدرة على الالتصاق القوي بالأسطح، وقرروا محاكاة تلك المادة اللزجة ليكون الصمغ أكثر فعالية تحت الماء. المواد اللاصقة التي صُنعت من قبل كانت تحتوي على مواد كيميائية من نوع الـ«كاتيكول» والتي تُصنع من مادة البوليسترين، لكن الصمغ الجديد المستوحى من قدرات المحار البحري، يصنّع من البروتينات، نفس مكونات المادة اللزجة التي ينتجها المحار تحت الماء ويستطيع من خلالها الالتصاق على أي سطح رطب.

نقار الخشب.. امتصاص الصدمات

نقار الخشب – وكما يدل اسمه – لديه القدرة على النقر والدق على خشب الأشجار طوال الوقت دون أن يشعر بالإرهاق أو الألم، وهذا الأمر لفت نظر الكثير من علماء الحيوان، ولهذا السبب درسوا الهيكل العظمي لرأس نقار الخشب بمعرفة سر تحمله لتلك الصدمات دون أن يصاب بضرر.

استخدم الباحثون في جامعة كاليفورنيا التصوير المقطعي على جمجمة نقار الخشب، واكتشفوا أن جمجمته مصممة بأربعة هياكل تمتص الصدمات المتكررة، وتحتوي مناقيرها على سائل إسفنجي يعمل على منع الارتجاجات، وكان لهذا الكشف الفضل في تصميم الصندوق الأسود الموجود بالطائرات، وهو الجزء الوحيد الذي يبقى سليمًا بعد تحطم أي طائرة، والذي تستخدمه التحقيقات في معرفة ما الذي أدى لتحطم الطائرة.

الفراشات.. لها الفضل في مكافحة تزوير الأموال

تخيل ثقبًا صغيرًا لا يمكن للهواء المرور منه، أو ثقبًا أصغر من أن يتمكن من استيعاب طول موجة واحدة من الضوء، تلك هي تقنية النانو، والتي تستخدمها شركة «نانوتيك سيكورتي كروب» بمساعدة باحثين من جامعة «سيمون فريزر» لتطوير تقنيات تمنع تزييف الأموال، ولكن تلك التقنية التي تستطيع التعامل مع أشياء أرق 1500 مرة من شعرة الإنسان؛ تحتاج لمساعدة من عالم الحيوان لتطوير نفسها، حتى تمنح تلك الشركة ميزات أكثر في مكافحة تزييف الأموال.

فراشة مورفو الزرقاء كانت الوحي الذي ألهم الباحثين في تلك الشركة، وهذا لكونها تستخدم تقنية نتيجة آلاف السنين من التطور، تلك الفراشة تستخدم العلامات الملونة في أجنحتها لتعريف نفسها، وهي تقنية دقيقة للغاية مثل تقنية النانو، ولذلك اهتم بها الباحثون العاملون على مشروع مكافحة تزييف الأموال، واستلهموا من تصميم أجنحتها تقنيات في طباعة الأموال تمنع محاولات تزييفها.

خرطوم الفيل.. تكنولوجيا الأطراف الصناعية 

الفيل هذا الحيوان الحساس، قوي الذاكرة، وضخم الجثة؛ له الفضل أيضًا على البشرية في نوع من التكنولوجيا شديد الحساسية والأهمية وهو تكنولوجيا الأطراف الصناعية.

 

خرطوم الفيل يعتبر من أكثر الأطراف في جسده غرابة، نظرًا أنه يحتوي على 40 ألف عضلة ولا يحتوي على عظمة واحدة، وشركة «فيستو» الألمانية، والتي تعمل على تطوير أطراف صناعية للبشر أكثر عملية؛ رأت في خرطوم الفيل إلهامًا لها لتطوير ذراع صناعي لمن فقد ذراعه، وأطلقوا على هذه الذراع اسم « Bionic Handling Assistant» وهذا لقدرتها على رفع الأحمال الثقيلة أيضًا في عمليات الزراعة وبناء المنازل، وليست فقط كبديل للذراع البشرية.

القطرس والطيران الآلي

يتميز طائر القطرس بقدرته على قطع آلاف الكيلومترات في الرحلة الواحدة نظرًا لامتلاكه جناحين يمتدان لأكثر من ثلاثة أمتار، ولكن ما يميز هذا الطائر، وما لفت نظر مهندسي الطيران له، هو قدرته على التحليق لفترات طويلة دون أن يرفرف بجناحيه، فهو لديه القدرة على التحليق وهو فارد جناحيه بثبات، وتلك الميزة ألهمت تكنولوجيا صناعة الطيران.

بدلًا عن أن يرفرف بجناحيه ليطير؛ يستخدم القطرس الريح للطيران لمسافة تزيد عن 600 ميل في اليوم، واستخدم الباحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تلك الخاصية في الطائر لمساعدتهم في تصميم طائرات بدون طيار تُدفع بالرياح فقط، وعادة ما تستخدم تلك الطائرات في الأعمال، وليس لنفس الركاب، مثل رش الحقول.

جلد سمكة القرش والبحرية الأمريكية

سمكة القرش التي نخشاها شاركت أيضًا في إلهام البشر، وساعدتهم على تطوير التكنولوجيا، والتي ساعدت بدورها على تحسين اقتصاد واحدة من أهم الصناعات في العالم، وهي صناعة الغواصات والسفن في البحرية الأمريكية.

يتميز جلد سمكة القرش يكونه ناعم وحريري يساعدها على السباحة بسرعة ورشاقة في مياه البحار والمحيطات، كما أن جلد سمكة القرش يحتوي على أجزاء تسمى أسنان جلدية تساعدها على صد الكائنات الحية الدقيقة التي يمكن أن تلتصق بجسدها وتؤثر على قدرتها على السباحة تأثيرًا سلبيًا، وبهذا الكشف عن جلد سمكة القرش طورت البحرية الأمريكية مادة تسمى «شاركليت» تستخدم في صناعة الغواصات والسفن بالحرية الأمريكية، الأمر الذي ساعد في تحسين أداء السفن والغواصات وقلل في تكاليف الوقود المستخدمة؛ ما وفر ما يقرب من 60% من تكاليف الوقود.

طائر الرفراف والقطار الياباني 

يتميز طائر الرفراف – الكنج فيشر – بقدرته الفائقة على صيد السمك من داخل المياه بسرعة، ودون إحداث اي ضجة من شأنها تحذير السمكة التي ينوي اصطيادها، ويعود هذا لتصميم منقاره الهندسي المميز، والذي يساعد على اختراق الهواء والماء دون أي تأثير ضوضائي يُذكر.

لاحظ تلك الميزة في طائر الرفراف المهندس الياباني المحب للطيور إيجي ناكاتسو، ومن هذا الوحي فكر في حل لمشكلة القطار فائق السرعة في اليابان، والذي يعاني منه ركاب القطار حين يدخل القطار المحطة أو يخرج منها ويصدر صوتًا عاليًا يشبه صوت الرعد، ومن خلال دراسة منقار الطائر وتصميمه، طوّر قطارًا فائق السرعة مقدمته على شكل منقار الطائر؛ ما ساعد القطار على الدخول والخروج من المحطات والسير دون إحداث الضجة المخيفة التي كان يفعلها من قبل، كما أن هذا التصميم ساعد على توفير الوقود بنسبة تصل إلى 20%.

الخفاش.. هكذا ساعد المكفوفين دون أن يدروا

يعتبر الخفاش من أكثر الكائنات الحية المكروهة في وقتنا هذا بسبب انتشار فيروس كورونا، ولكن هذا الحيوان كان له الفضل في تسهيل حياة المكفوفين، فقط طوّرت واحدة من شركات التكنولوجيا جهازًا يرتديه الشخص المكفوف ليحذره من أي عوائق تواجهه في طريقه.

يعتمد هذا الجهاز قدرة الخفاش على التحليق في الليل دون الحاجة إلى الرؤية، باستخدام أصداء الموجات فوق الصوتية والتي تكشف عن موقع أي عائق يقف أمام الخفاش، وتلك هي نفس التقنية التي استخدمتها التكنولوجيا لصنع جهاز للمكفوفين.

المعلم المجهول

اللجوء للحيوانات لحل مشكلات تواجه الإنسان لم تتوقف عند استلهام المميزات التشريحية في الحيوان فقط، بل إن الحيوان يتم الاستعانة به والتضحية به من أجل خدمة البشر، ويعتبر استخدام الطيور في الكشف عن الغازات السامة من أكثر التضحيات التي قدمتها الطيور للبشر، كما أن الخيول وقفت جنبًا إلى جنب مع البشر في حروبهم والافيال أيضًا، وقُتلت في حروب لا ناقة لها فيها ولا جمل، والجمل أيضًا تحملنا على ظهره سنوات طويلة قبل أن نكتشف وسائل المواصلات الحديثة ونقلنا من بلد إلى آخرى، حتى حينما نشعر بالوحدة أول ما نلجأ إليه هو الحيوان، فنقتني حيوانًا أليفًا بغرض التواصل معه، والبحث عن الحب داخل كائن نقي وتلقائي، وكما اكتشفنا في هذا التقرير، فليس هذا وحسب، وإنما ألهمنا الحيوان بالعديد من الاختراعات التي تشكل أساسًا في حضارتنا الحديثة.

علوم  منذ سنة واحدة

جمال مفخخة وبراغيث معدية.. أهم الحيوانات التي استخدمتها الجيوش في العصر الحديث

الأفيالالبعوضالحشراتالحيواناتسمك القرش

المصادر