9,113

الاهتمام بالسياسة فكرًا أو عملًا، يقتضى قراءة التاريخ أولًا؛ لأن الذين لا يعلمون ما حدث قبل أن يُولدوا، محكومٌ عليهم أن يظلوا أطفالًا طوال عمرهم *محمد حسنين هيكل

الجيلُ الذي عاش شبابه في الأربعينات شاهدًا على الأحداث في أوج ظلامها، توشك شمسه أن تغيب للأبد، واللاجئون الذين تشتتوا في الأرض عشرات السنين على أمل العودة يومًا ما، يخشون الآن أن يقبعوا في التيه طول عمرهم، أو أن يُدفن أحفادهم في أوطانٍ غريبةٍ قاحلة بعدما شاهدوا من فصول الرواية الأخيرة أنّ القصة أوشكت على الانتهاء بتوقيع صفقة القرن كما يُروّج أبطالها، والسؤال الذي بات مُلحًا على الأجيال الوليدة التي لم تشهد على العصر، ولم تكن حاضرة في كتابة التاريخ: هل قرأوا  الماضي كما هو بأحداثه المخضبة بالخُذلان؟

التقرير التالي يرسم خيوطًا سوداء من صفحات الخذلان العربي، نقلًا عن أرشيف المخابرات البريطانية، ومذكرات تيودر هيرتزل، المؤسس الحقيقي لإسرائيل.

1-  الحكومة المصرية باركت «الصهيونية» وشيخ الأزهر تبرع لها

في أواخر القرن التاسع عشر، في عهد السُلطان عباس حلمي الثاني، ارتحل عدد من اليهود الأوروبيين إلى مصر، حيث أسسوا عام 1897 جمعية «باركوخيا الصهيونية»، التي تولت نشر الفكر الصهيوني، الذي بدأ مع قيام مؤتمر بازل بسويسرا في نفس عام إنشاء الجمعية بمصر، وتناول لأول مرة إنشاء وطن قومي لليهود، لتكون مصر هي نقطة انطلاقة المشروع الذي تحوّل لدولة إسرائيل فيما بعد.

Embed from Getty Images

(ثيودر هيرتزل مؤسس الصهيونية والأب الروحي لإسرائيل)

وقتها لم يكن أحد يعلمُ الوجهة الحقيقية للرغبات الصهيونية؛ وفي عام 1904 وصل هيرتزل – الأب الروحي للصهيونية – إلى مصر في استقبال رسمي من الحكومة المصرية، حاملًا مشروعه الطموح بإنشاء دولة يهودية في فلسطين، أو تجمع مؤقت في سيناء، لينجح بعدها في تأسيس جمعية ابن صهيون التي أنشئت في الإسكندرية، وأعلنت تبنيها لبرنامج المؤتمر الصهيوني الذي عقد في مدينة بازل بسويسرا.

 وفي عام 1918 وصل إلى مصر حاييم وايزمان، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، واستُقبل بحفاوة رسمية امتدت لتشمل شيخ الأزهر آنذاك، الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي، الذي لم يكتفِ بالمشاركة في الاستقبال الرسمي الذي عُزفت فيه الموسيقى اليهودية، بل تبرع أيضًا للمنظمة الصهيونية بمبلغ 100 جنيه مصري، وكانت مصر وقتها تحت الاحتلال البريطاني الذي أصدر وعد بلفور متعهدًا بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين عام 1917.

في كتابه «المفاوضات السريّة بين العرب وإسرائيل»، يقول المؤرخ والصحافي محمد حسنين هيكل: «زادت أعداد اليهود في مصر مع بداية الاحتلال البريطاني من بضعة آلاف إلى أكثر من 38 ألفًا عام 1907، وطبقًا لإحصاء عام 1927، فإن الرقم تضاعف حتى تجاوز 63 ألفًا».

ويضيف هيكل في سطورٍ أخرى: «قررت السلطات البريطانية تسهيل دخول اليهود إلى مصر، لكنّها أرادت أن يكون ذلك بإقناع السُلطان حسين كامل ورئيس وزراءه، وبالفعل وافقوا وأصدروا الأوامر بفتح معسكرات استقبال لهم في الاسكندرية شمال مصر»، وبحسب الوثائق البريطانية، فإنّ رئيس الطائفة اليهودية في مصر كان قد طلب من وزير الدفاع البريطاني السماح بتشكيل كتائب يهودية، ضمن جيش الجنرال اللنبي، الذي كان يستعد للزحف على جيش الدولة العثمانية في فلسطين والشام، وسمح أيضًا للجنود بوضع نجمة داود على مقدمة قبعاتهم.

وحتى عام 1948 لم تكن مصر قد اتخذت سياسة لوقف النشاط الصهيوني حتى بعدما اتضحت سياساتهم، إلا في حادثة واحدة وقعت في صيف عام 1944، عندما تقدم الاتحاد الصهيوني بطلب إلى رئيس الوزراء المصرى آنذاك، مصطفى باشا النحاس، يطلب فيه الاعتراف بالاتحاد ممثلًا للشعب اليهودى في مصر، فما كان من النحاس إلا أن رفض طلبهم، وأبلغهم بوقف نشاطهم في مصر؛ المثير أنّ هذا الوقف لم يستمر إلا شهورًا فقط، الأمر الذي يشير بقوة إلى تغلغل الصهيونية في الحياة السياسية المصرية وإنشاء صداقات مع رجال الطبقة الأولى، لا سيّما القصر نفسه، وعلى بُعد خُطوات من الملك فاروق وقتها.

2- الخذلان العربي مستمر.. هل باع شريف «مكة» القدس؟

لا داعي للخوف من العرب؛ فهم ضعفاء بطريقة بائسة
*وايز مان رئيس المنظمة الصهيونية العالمية

وبعيدًا عن مصر التي سقطت من أملاك الدولة العثمانية، كانت أطراف الخلافة الإسلامية إما تتمزق أو تحاول الانفصال، بعدما انتزعت منها دول الوفاق (إنجلترا، وفرنسا، وروسيا) أراضٍ شاسعة؛ مما استدعى السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1908) إلى إعلان الجهاد المقدس لاستنفار 50 مليون مسلم لإعادة أمجاد الإسلام الضائعة، وبالرغم من أن هذا النداء كان له صدًى مُزعجًا لدى دول الوفاق، إلاّ أنه أخاف أمراء البلدان العربية التي تسلّل حماس الفكرة إلى شعوبها.

يقول هيرتزل في مذكراته: «قابلتُ جاويد بك ابن الصدر الأعظم – رئيس الوزراء العثماني – ورتبنا الأمور جيدًا؛ جاويد مستعد لتفهم مشروعنا والمساعدة فيه، لكنّ اعتراضه الوحيد على مصير الأماكن المقدسة»، تنتهي السطور بالإحباط التام بعدما كتب: «أقرُّ على ضوء حديثي مع السلطان عبد الحميد الثاني أنه لا يًمكن الاستفادة من تركيا، إلا إذا تغيرت حالتها السياسية»، لكنّ هذا اليأس اليهودي سُرعان ما أحياه أمير عربي مُسلم.

الحسين بن علي، شريف مكة. مصدر الصورة: mar7aba

في تلك الأثناء، كان الحُسين بن علي، شريف مكة، يعمل على الاستقلال عن الدولة العُثمانية، شأنه في ذلك شأن الكثير من أمراء الجزيرة، لذا عرض الحُسين على البريطانيين أن يشترك معهم في الحرب ضد الأتراك؛ مقابل الاعتراف باستقلاله عن الدولة العثمانية، وبدأت مراسلات الشريف حسين وهنري مكماهون، المندوب السامي البريطاني لمصر، فيما عُرف بمراسلات «حسين – مكماهون»، والتي ظهر فيها طموح الأمير العربي، وأطماعه الشخصية في أن يكون الخليفة الجديد، وأن تتشكل دولة عربية كبرى مُستقلة، وفي عام 1916 أعلن الحسين بن علي الثورة العربية الكبرى بدعم بريطاني، وبمساندة عسكرية فرنسية، وخاضت قواته معارك في الشام لإسقاط الدولة العُثمانية.

مؤسس الدولة السعودية الأولى، عبد العزيز آل سعود، أمير الرياض وقتها، تحالف هو الآخر مع بريطانيا ضد الدولة العُثمانية، ودخل في مباحثات سرية أدت في النهاية إل توقيع معاهدة «دارين» التي حصل بموجبها على اعترافٍ رسمي بدولته الوليدة، وفيما كان آل سعود يحافظون على أمن الخليج ويؤمنون المواصلات البريطانية، سرّبت روسيا بنود اتفاقية «سايكس- بيكو» لاقتسام أراضي الدولة العثمانية بين فرنسا وبريطانيا، ليُفاجأ شريف مكة بأن حلفاءه غدروا به، وأنّ الشام الذي انتزعه من الخليفة العثماني لن يستطيع الاحتفاظ به، وأنّ فلسطين أيضًا وُضعت تحت إدارة دولية، تمهيدًا لتسليمها لأصدقاء آخرين بذلوا دورًا خفيًا في الحرب.

الخيانة التي تعرض لها الأمراء العرب لم تُغيّر أطماعهم ولا أصدقائهم، وبحسب المراسلات التي كانت بين فيصل بن الحسين ووايزمان، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، فإن الطرفين توصلّا إلى اتفاقية «فيصل- وايزمان»، والتي جاء فيها: «يجب أن تتخذ جميع الإجراءات لتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين»، يُسطّر وايز مان السطر الهام في القصة قائلًا: «لا داعي للخوف من العرب، فهم ضعفاء بطريقة بائسة».

3- الثورة العربية وحرب فلسطين.. الحُكام العرب توّسطوا لإسرائيل

ملوك العراق والسعودية والأردن واليمن طالبوا الفلسطينيين بإنهاء الثورة ثم خذلوا الثوار

بعدما وجدت بريطانيا أنّ أصدقاءها في الشرق يدعمون سياستها سرًا، بدأت الحكومة الإنجليزية في إصدار القوانين التي تسهل انتقال الأراضي المملوكة للدولة العثمانية إلى اليهود، وفي عام 1922 أصدرت بريطانيا الكتاب الأبيض الأول، والذي وعدت فيه بريطانيا العرب مرة أخرى بأن الاستيطان لن يؤثر على وجودهم، لكنّ الغضب العربي لم يكن ليقبل بالسياسات الجديدة، وفي عام 1930 صدر الكتاب الأبيض الثاني، الذي أكد صراحة على تنفيذ وعد بلفور، ليستمر الغضب المكتوم خمس سنوات أخرى.

اتفاق وقف إطلاق النار في حرب 1948 بين إسرائيل والأردن

في عام 1935؛ انتفض العرب أخيرًا بتشكيل لجنة عربية عُليا، طالبت بإيقاف الهجرة اليهودية، وتشكيل حكومة فلسطينية، ومنع انتقال الأراضي، وبعدما قوبلت طلباتها بالرفض، اندلعت الثورة العربية الكبرى في فلسطين عام 1936، واستمرت ثلاث سنوات، لكنها انتهت بالفشل والخُذلان؛ فبريطانيا لجأت إلى ملوك العراق والسعودية والأردن واليمن كي ينصحوا الثوار بـإنهاء الإضراب ووقف القتال واللجوء إلى التفاوض والتباحث مع لجنة بيل الإنجليزية، وطالبوهم أيضًا بأن يمنحوهم ثقتهم في التفاوض مع الجانب البريطاني الجاد في حل الأزمة، لتنتهي القصة بإصدار اللجنة البريطانية التي تباحثت مع الثوار، وتفاوضت مع اليهود، أول مشروع لتقسيم فلسطين إلى دولة فلسطينية ويهودية.

مع انتهاء الثلاثينات، انتهى الوجود البريطاني لصالح الولايات المتحدة، التي دعت مندوبي المنظمات الصهيونية الموجودة في فلسطين، وعقدت مؤتمر «بلتيمور» عام 1942،وكان من نتائجه تشكيل قوة عسكرية تحارب تحت علمها الخاص، كما منح القائمين على إدارة فلسطين حقوقًا إدارية تمهيدًا لاستلام أمور الحُكم، وفي تلك الأثناء كانت جامعة الدول العربية قد تشكلت بدعمٍ بريطاني، لكنها ظلّت عاجزة عن اتخاذ أي قرار؛ نظرًا لأن قرارتها غير ملزمة للدول الأعضاء، علاوة على أنّ أعضاءها لم يكونوا ليغامروا بفقد الحليف الأمريكي لصالح القدس، ومنهم الملك الأردني عبد الله الأول، الذي فقد حياته  في القدس بأيدٍ فلسطينية، خوفًا من توقيع اتفاق سلام منفردة مع إسرائيل بحسب الروايات؛ وبعد إحالة القضية إلى الأمم المتحدة عام 1947، اتفقت 23 دولة على قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين، واشتعلت الحربُ التي كان شعارها: تحرير فلسطين، لكنها انتهت بوابلٍ من قصص الخذلان أو ما أُطلق عليه فيما بعد؛ الحرب المزيفة.

دخلت ستة جيوش عربية إلى الأراضي الفلسطينية (الأردن والعراق وسوريا والسعودية ومصر) بقوات قليلة غير منظمة بلغت خُمس المليشيات الإسرائيلية، وكان الجيش الأكبر فيهم هو الجيش الأردني، لكنّ المفارقة أنّ قائد هذا الجيش كان بريطانيًا (غلوب باشا)، وتشير الوثائق إلى أنّ الملك الأردني حسين بن طلال توصل إلى صفقة سرية مع إسرائيل بألا يشتبك الجيش مع اليهود.

على الجانب الآخر؛ تعرض الجيش المصري رغم انتصاراته للخيانة فيما يُعرف تاريخيًا بالأسلحة الفاسدة، ومن جهة أخرى لم تقم الجامعة العربية بدعم الثوار الفلسطينيين بالسلاح والذخيرة والأموال من التبرعات التي كانت تتلقاها، واللافت للنظر أنّ الدول العربية الست التي دخلت الحرب، وافقت على هدنة لإيقاف القتال ليُعيد خصومهم الإسرائيليون ترتيب صفوفهم وتنتهي الحرب بهزيمة ساحقة.

وكانت نهاية هذه الحرب التي سميت فيما بعد بالمزيفة استيلاء إسرائيل على أراضٍ جديدة، واضطرار دول المواجهة: مصر، والأردن، وسوريا، ولبنان، إلى توقيع هُدنة رودس، والتي كانت نتيجتها استسلامًا عربيًا واعترافًا دوليًا بالحدود الجديدة.

4- الستينات وما بعدها.. كل الخيوط المُظلمة تشابكت

كان الرئيس المصري جمال عبد الناصر يقود حربًا مفتوحة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل والأنظمة الملكية التي وجدت القومية خطرًا عليها، مثل السعودية – حليف واشنطن – التي حاربها في اليمن، أما الأكثر خشية على عرشه من الزوال من تلك الاضطرابات السياسية، فكان الملك الأردني حسين بن طلال، الذي كان يرفض الدخول بجيشه في صدام مع إسرائيل إذا قامت مصر بشنّ حرب،لذا سارع بفتح علاقات سرية وتبادل معلومات مع مكتب الموساد الإسرائيلي حتى حين قامت حرب 1967 دخل الأردن الحرب على مضض، وهو ما ظهر فيما بعد في شهادة قادة الموساد على العصر.

Embed from Getty Images

قبل عامٍ واحدٍ من حرب النكسة عام 1967، أرسل الملك السعودي الراحل فيصل بن عبد العزيز، إلى الرئيس الأمريكي آنذاك، ليندن جونسون، رسالة سرية، يقول فيها: «إن القوّات المصريّة لن تنسحب من اليمن، إلا إذا احتلّت إسرائيل سيناء والضفّة الغربيّة وغزّة»، الأمر الذي اعتبر طلبًا صريحًا، بتشجيع إسرائيل على قيام الحرب، انتقامًا من نظام عبد الناصر الذي كان يُحارب السعودية في اليمن، وحتى الآن لم تنتهِ هذه المراسلات السرية بين الحُكام العرب والولايات المتحدة.

وحين خاضت مصر وسوريا حرب السادس من أكتوبر (تشرين الأول) 1973، قامت السعودية بحظر تصدير النفط، ليبعث وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، رسالة تهديد شديدة اللهجة للملك فيصل– بحسب الوثائق السرية – يُخبره فيها، بأنه إذا لم تُقنع المملكة الدول العربية برفع قرار حظر تصدير النفط، فإن الولايات المتحدة ستوقف كل مساعيها في سبيل السلام.

 من جهة أخرى، لم يكن قرار حظر النفط بحسب الوثائق المُسربة – إن صَحّتْ – بدافع المبادئ وحسب؛ لأنّ فيصل كان مستاءً من قيام الحرب، وخائفًا من تدهور علاقاته مع الأمريكيين، ورغم أنه كان صاحب قرار وقف تصدير النفط، إلا أنه كان فعليًا ضمن الرافضين لاستغلال النفط سلاحًا اقتصاديًا.

في صبيحة يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، وبعدما حصد الجيش انتصارات واسعة، بعث الرئيس أنور السادات ببرقية إلى وزير الخارجية الأمريكي هنري كسنجر يُخبره فيها بأنّ الجيش المصري ليس لديه خطة لتعميق الهجوم في سيناء أكثر من ذلك، ولم يكن قادة الجيش المصري على علم بهذه البرقية التي ذكرها كسنجر في مذكراته، واعتبرت في نظر البعض طعنة كبرى في ظهر الجيش، لأنّ الرئيس المصري كشف الهدف الاستراتيجي للحرب.

قبل إعلان الحرب، استقل الملك حسين طائرته الخاصة ذاهبًا إلى إسرائيل للقاء رئيسة الوزراء حينها جولدا مائير، وأخبرها بأنّ الرئيسين المصري والسوري سيهاجمان، يُعلقُ رئيس الاستخبارات الإسرائيلي بعد الهزيمة على الحديث: «لم نأخذ الموضوع على محمل الجدّ»، وحتى بعدما اندلعت الحرب ظل الملك الأردني في تل أبيب يتابع الأخبار من أرض العدو.

بعدما انتهت الحرب بانسحاب إسرائيل من سيناء، عدا مدينة أم الرشراش – إيلات حاليًا – الواقعة على خليج العقبة، بدأت مفاوضات السلام بين مصر وإسرائيل، وبحسب ما نقله هيكل في كتابه، فإن المستشار العسكري لملك المغرب بعث برسالة من رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتها إسحاق رابين إلى السادات عام 1976، ينصحه فيها: «عملية السلام بين مصر وإسرائيل لم يعد من السهل الرجوع فيها، ولا بد لمسارها أن يكتمل»، وتنتهي رحلة المفاوضات عام 1979 بتوقيع معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل.

وفي عام 1991 عقدت الولايات مؤتمر مدريد بمشاركة خمس دول عربية: مصر، وسوريا، والأردن، ولبنان، وفلسطين، بهدف تشجيع البلدان العربية على توقيع اتفاقيات سلام مع إسرائيل كان أهم بنودها السرية: منع إقامة دولة فلسطينية بين الأردن وإسرائيل، كما اعترفت بالوصاية الهاشمية على المقدسات بوصف الملك حارسًا للحرم الشريف، وكان هدف الملك حسين من ذلك الاتفاق بمنع قيام دولة فلسطينية لحرصه على عدم زوال ملكه حتى لا يُصبح اللاجئون هم الأغلبية الدستورية الذين يُمكنهم الإطاحة بالنظام السياسي في أي وقت، وعلى مرّ التاريخ كان الهاشميون وحدهم هم مفتاح الكنز الإسرائيلي الذي مهّد لاعتراف العرب بإسرائيل فيما بعد.

5- اتفاقية أوسلو.. «منظمة التحرير الفلسطينية» اعترفت بالـ«استعمار الفاخر»

شهدت التسعينات طفرة في العلاقات العربية الإسرائيلية، فكلٌّ من قطر، وتونس، والمغرب، وموريتانيا، وعُمان كانوا على علاقات علنية وتطبيع رسمي مع إسرائيل، إلا أنّ الحدث الهام كان الوصول لأول مفاوضات مباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، عقب انتهاء الانتفاضة بتوقيع اتفاقية «أوسلو» عام 1993، وهو الاتفاق الذي أنهي 60 عامًا من الصراع المسلح في سبيل القضية الفلسطينية، ووصفه مدير الاستخبارات الإسرائيلي فيما بعد بأنها: «استعمار فاخر».

لم يشمل الاتفاق كافة الفصائل الفلسطينية، بل كان قرارًا منفردًا من القائد العام لحركة فتح، ورئيس جبهة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، الذي أصبح رئيسًا للسلطة الفلسطينية فيما بعد بموجب الاتفاق، وفي الخطاب الذي بعثه عرفات إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين، جاء فيه: «تعترف منظمة التحرير بحق دولة إسرائيل في العيش في سلام وأمن جديد»، ليس هذا فقط فالسلطة الفلسطينية حذفت من الميثاق الوطني لجبهة التحرير كل البنود التي تدعو لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، واعتبرت أنّ التنسيق الأمني مقدس بين الطرفين، وبذلك أصبحت المقاومة المسلحة إرهابًا.

نصت أوسلو أيضًا على الاعتراف المتبادل، وعلى انسحاب إسرائيل من أجزاء من الضفة الغربي وغزة تمهيدًا لإنشاء سلطة حكم فلسطيني، وبهذا الاتفاق تشكلت السُلطة الفلسطينية الحالية، وتعهدت السُلطة الفلسطينية على انتهاج الحل السلمي، وقُسمت فلسطين إلى ثلاث مناطق (أ، ب، ج)، تفاوتت بين سيطرة إسرائيلية كاملة، وسيطرة مدنية فلسطينية، وسيطرة مدنية فلسطينية جنبًا إلى جنب مع سيطرة عسكرية إسرائيلية.

على أن يتناول الطرفان في السنوات اللاحقة للاتفاقية مفاوضات الوضع النهائي والتي تشمل: (القدس، والمستوطنات، واللاجئين، والترتيبات الأمنية، والحدود)، وهو ما لم يحدث حتى الآن؛ فالمستوطنات توسعت في الضفة الغربية، وشنّت إسرائيل ثلاث حروب على قطاع غزة في أعوام (2000، و2008، و2014)، ولم يتوقف تهويد القدس حتى الآن، أما الامتيازات التي حصلت عليها السُلطة الفلسطينية من الاتفاقية حتى الآن، فقد تمثلت في الحكم الشرعي فقط.

6- صفقة القرن.. الوثائق السرية لم تظهر بعد

عدما اعترفت الولايات المتحدة أواخر العام الماضي بالقدس عاصمة لإسرائيل، قدمت مصر في مجلس الأمن مشروع قرار يرفض إعلان الرئيس الأمريكي، لكنّ اللافت للنظر أنّ القاهرة تعمدت إغفال إدانة الولايات المتحدة في القرار، وبحسب القانون الدولي؛ تُمنع الدولة التي يستهدفها مشروع قرار من التصويت عليه، وكانت النتيجة أنّ حصل المشروع على موافقة جميع الدول الأعضاء في المجلس باستثناء الولايات المتحدة التي استخدمت الفيتو ضده، الأمر الذي يبدو أن مصر تعمدته من أجل حفظ ماء الوجه العربي، دون إغضاب الولايات المتحدة التي استعدت لطرح صفقة القرن.

أما طور الخذلان الأخير لتلك القصة، فلم يُكتب بعد؛ فصفقة القرن لم تظهر حتى الآن تفاصيلها رسميًا، لكن الصحافة الأجنبية سربت بعض بنودها المتمثلة في إقامة دولة فلسطينية تشمل حدودها قطاع غزة وأجزاءً من الضفة الغربية، وأجزاء من سيناء المصرية مع توفير الدول الراعية لذلك الاتفاق 10 مليارات دولار لإقامة الدولة وبنيتها التحتية بما في ذلك مطار وميناء بحري في غزة والإسكان والزراعة والمناطق الصناعية والمدن الجديدة، مع تأجيل وضع القدس وقضية عودة اللاجئين لمفاوضات لاحقة، على أن تبدأ محادثات سلام إقليمية بين إسرائيل والدول العربية، بقيادة المملكة العربية السعودية.

وحتى الآن تحظى الصفقة بمباركة أربع دول عربية وفق التسريبات الأجنبية: (مصر، والسعودية، والإمارات، وسوريا)، فيما يتحفظ عليها الأردن، ولا يرفضها، وتشير الوثائق السرية إلى ضلوع دول عربية أخرى فيها، لكنها لا تزال في السر طي الكتمان، ولم تظهر بعد.