سنواتٍ طويلةٍ مرت منذ أن بدأت الحرب في سوريا، والتي تسببت في نزوح الملايين خارج سوريا أو حتى داخلها، والتي شهدت أيضًا آلاف القتلى، والمصابين، من الأطفال، والنساء، والرجال، والشيوخ.

الآلاف مروا من سوريا، المئات من الأفراد؛ قد يكونون مبعوثين أمميين أو تابعين لبعثات دولية كانت تأمل في حفظ السلام؛ الآلاف من الأفراد الذين جاءوا من خلفياتٍ مختلفةٍ فقط من أجل الانضمام إلى الحرب ضمن أحد التنظيمات العسكرية المختلفة المتواجدة في سوريا، سواء كانت تنظيم القاعدة،، أو جبهة النصرة، أو هيئة تحرير الشام، أو الجيش السوري الحر، أو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، أو غيرهم؛ العشرات أيضًا مروا من هنا؛ العشرات من الدول، التي تداخلت بشكلٍ مباشرٍ في الحرب في سوريا من أجل وقف إطلاق النار، وتحقيق عملية السلام في البلاد.. فهل تقترب النهاية حقًا؟

بعد سيطرة نظام الأسد على معظم الأراضي التي كان قد فقدها من قبل لصالح أي من الجماعات المسلحة، تبقى إدلب المدينة الأكثر صعوبة في طريق الأسد، والتي تعتبر آخر مدن المعارضة السورية المسلحة.

وبرغم التهديدات الدولية والتحذيرات بعدم الهجوم على المدينة من قِبل نظام بشار الأسد بسبب وجود أكثر من 3 مليون شخص مدني في المدينة، من ضمنهم ما يقارب مليون طفل، وبرغم محاولة تركيا خلال الفترة الماضية لإيجاد حل للأزمة مع روسيا وإيران، إلا أن الأمر لم ينجح من قبل، ولكن بعد أيامٍ قليلةٍ فقط، يمكننا الآن القول بأن الأمر نجح أخيرًا، على الورق فقط، ولكن هل ينجح على مستوى الواقع أيضًا أم لا؟

هل تنتهي الحرب حقًا؟ ماذا عن مستقبل سوريا؟ هي أمورٌ فقط يمكن التحكم فيها من خلال الفاعلين الدوليين الأكثر تأثيرًا على الساحة الدولية، والمنضمين بالفعل إلى الحرب في سوريا، وهم وحدهم القادرون على تحديد ذلك أو الإجابة عن هذه الأسئلة.

«ڤوكس»: آخر قلاع الثورة السورية.. 3 أسئلة تشرح لك الوضع في إدلب الآن

ماذا عن الاتفاق التاريخي بين تركيا وروسيا؟

نجح الاتفاق بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي ​فلاديمير بوتين​ في إنهاء الجدل، الذي طغى على صفحات الأخبار العالمية خلال الأشهر الماضية، حول العملية العسكرية التي استعد الجانب السوري لها باتجاه إدلب؛ إذ تم الاتفاق بعد توافق أنقرة وموسكو على إنشاء منطقة «منزوعة السلاح»، تفصل بين مناطق سيطرة المعارضة السورية والجماعات المسلحة، المدعومة من قِبل تركيا، وتلك التي كان جيش النظام السوري قد نجح في استعادة السيطرة عليها في وقتٍ سابقٍ، بعد أن كانت الولايات المتحدة، بالإضافة إلى بعض الدول الأوروبية، قد هددت بتوجيه ضربة عسكرية لدمشق، في حال إطلاق الجيش السوري النظامي العملية العسكرية.

ويؤجل الاتفاق هجومًا بريًا اعتبر وشيكًا على إدلب؛ إذ حذر المجتمع الدولي مرارًا من أن يضع المدينة بين أنياب كارثة إنسانية حقيقية.

لكن يبدو أن الوضع في المدينة الواقعة شمال غربي سوريا سيظل معلقًا لفترة أطول مما كان الأسد وحلفاؤه يعتقدون، بعد الاتفاق الذي أبرمه بوتين وأردوغان في مدينة سوتشي الروسية، ولاقى ترحابًا من الأطراف التي تتقاتل على الأرض. وفي الوقت نفسه، أشارت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية أن الاتفاق قد يؤجل معركة إدلب لبعض الوقت، ولكنها يمكن أن تحدث خلال الفترة القادمة، في حال قام أي طرف بالإخلال ببنودها.

0.5 % من سكان إدلب جهاديون.. إيران تنوي تدميرها بينما تأوي آباءهم الروحيين!

ومن ناحية ردود الفعل، ترى حكومة النظام السوري الاتفاق على أنه «انتصار»، وأن «مؤسسات الدولة ستعود إلى إدلب» بموجبه، بعد أن يسلم مسلحو المعارضة أسلحتهم الثقيلة ويبتعدوا عن المناطق المدنية.

وفي الوقت ذاته، اعتبرت المعارضة أن الاتفاق «قضى على آمال الأسد في استعادة سيطرته الكاملة على سوريا»، وذلك بحسب ما أكده مصطفى السراج، المسؤول البارز في الجيش السوري الحر لوكالة «رويترز» للأنباء. وبين ثنايا هذا الترحاب المتبادل بالاتفاق، يبرز فهم متناقض بين النظام والمعارضة، وعلى جانب ثالث تأتي الإشادة إيرانية، إذ وصفت الأخيرة بحروف جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني، أن الصفقة الروسية التركية جاءت بسبب «الدبلوماسية المسؤولة»، بحسب تغريدته على موقع التواصل الاجتماعي، تويتر.

كيف بدت الصراعات الأخرى بعيدًا عن سوريا؟

بالرغم من اعتبار الاتفاق خطوة في طريق وقف الحرب في سوريا كما يراه الكثيرون، إلا أن الأطراف المتحاربة في معركة القتال استقبلته بطريقةٍ أخرى؛ إذ أنه جاء لتوفير فرصة لتأجيل معركة إدلب التي كانت وشيكة الحدوث، والتي لم يمكن إلغاؤها، وقد تحدث لاحقًا.

وبحسب الاتفاق، فإن جميع الأسلحة الثقيلة، بما فيها الدبابات، وأنظمة إطلاق الصواريخ، ووقاذفات الهاون، التي تملكها المعارضة سيتم نزعها من هذه المنطقة، وذلك بحلول 15 أكتوبر (تشرين الأول) القادم.

الجدير بالذكر أنه في حالة قام نظام الأسد، المدعوم من روسيا وإيران، بالهجوم على إدلب، فإن ذلك الأمر لن يمثل فقط أزمة من الناحية الإنسانية، وإنما كان يُنذر بحربٍ بين النظام السوري والتركي أيضًا؛ إذ استعدت تركيا للمعركة من قبل ونشرت قواتها في عدد من المناطق في إدلب؛ إذ أعلنت بعد فشل الاجتماع الثلاثي بين روسيا وتركيا وإيران في وقف إطلاق النار، أنها تسعى لردع أي هجوم حكومي من قبل الحكومة السورية؛ بل إن وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، قال إن تركيا عازمة على وقف الضربات الجوية على إدلب، مشيرًا إلى أن تركيا أرسلت تعزيزات لحوالي 12 موقعًا عسكريًا تركيًا داخل إدلب من أجل الاستعداد لأي هجوم من الحكومة السورية؛ كان ذلك في 12 سبتمبر (أيلول) 2018.

ولكن بعد الاتفاق بين تركيا وروسيا يوم الاثنين الماضي، والذي وافق 17 سبتمبر 2018، أعلنت الأولى أنها سترسل أيضًا المزيد من القوات إلى إدلب من أجل التأكد من سير وتطبيق الاتفاق بحسب ما ورد فيه.

«الثوار الذين لم يعودوا كذلك».. إدلب تعلن الحرب على «ضفادع الأسد»

الاتفاق برغم أنه بشكلٍ رئيسي يخص الحكومة والمعارضة السورية بشكلٍ مباشر، إلا أنه بطريقةٍ غير مباشرة يشير إلى علاقات أفضل، على الأقل في الوقت الحالي، بين تركيا وروسيا؛ إذ طرح هذا الاتفاق جملة من التساؤلات بشأن التفاصيل حول المنطقة العازلة، التي سيتم إنشاؤها في 15 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وحول تغيير رأي روسيا حول الوضع، بعد أيام قليلة من رفضها أي اتفاقيات لوقف إطلاق النار. وحيال هذا الشأن، قال بوتين بعد الاتفاق إنه «لم نتفاوض بعد بشأن العديد من القضايا الصعبة. ويجب علينا أن نجد المزيد من الحلول»، ولكن يبدو أن القيادة الروسية قررت تفضيل علاقاتها مع تركيا في الفترة الحالية قبل أن تقرر الموافقة على الاتفاق الذي دام النقاش حوله لمدة أربع ساعات من الزمن، قبل أن يخرج إلى النور.

خريطة التحالفات تتغير.. من الأهم لموسكو أردوغان أم الأسد؟

الاتفاق الذي تم بين تركيا وروسيا جاء لإحداث بعض التغييرات على الساحة الدولية؛ إذ اختلفت الأطراف والأنماط والتحالفات المتداخلة في سوريا في الوقت الحالي؛ بين الفاعلين المختلفين على الساحة الدولية، مثل روسيا، وتركيا، والولايات المتحدة الأمريكية، وإسرائيل، وإيران، والصين.

آخر أيام الأرض.. كيف يعيش سكان إدلب الآن في انتظار مصير حلب؟ 

وفي الوقت الذي تدهورت فيه العلاقات التركية الأمريكية بسبب الاتفاق؛ وبرغم اشتراكهما من قبل في مواجهة النظام السوري ودعم المعارضة السورية، إلا أن القيادة الأمريكية استهانت بالاتفاق المفاجئ الذي تم بين روسيا وتركيا.

ويبدو أن الاتفاق أغضب الولايات المتحدة الأمريكية؛ فقبل الخروج بالاتفاق الروسي التركي إلى النور، قلل وزير الدفاع الأمريكي، جيم ماتيس، من شأن أي فكرة تتعلق باتفاق يمكن أي يحدث بين تركيا وإيران، مشيرًا إلى أن أزمة إدلب في الوقت الحالي هل الأكثر تعقيدًا في القضية السورية، قائلًا حينها إنه «متأكد بأنه لن تحدث أي اتفاقيات بين روسيا وتركيا».

الجدير بالذكر أن موافقة روسيا على الاتفاق لم تكن مرتبطة فقط بسوريا وما يحدث فيها، وإنما أيضًا اتربطت بتعزيز علاقات موسكو مع أنقرة؛ فالأمر مرتبط قبل كل شيء بالتعاون الثنائي تجاريًا بين البلدين، وعبره تعاون ثنائي لمواجهة حرب ترامب الاقتصادية، وذلك من خلال اعتماد الروبل والليرة التركية في التجارة بين البلدين باعتبارها خطوةً أولى، وأيضًا ضمنت موسكو دعمًا تركيًا ضد استمرار تواجد القوات الأمريكية في منطقة شرق الفرات.

لكن في الوقت نفسه، وبالرغم من كل ذلك، يبقى ما خسره بوتين أو ما قدمه من تنازلات أهم مما كسبه فيما يخص الاتفاق مع تركيا على وقف إطلاق النار في سوريا.

أمَّا بعد.. كيف تتحكم التحالفات المختلفة في مستقبل سوريا؟

يمكننا ملاحظة التداخل والاختلاف في خريطة التحالفات السياسية في العالم، وما يتعلق بسوريا في هذا الأمر؛ إذ إن الاتفاق جاء لإحداث تغيير كبير على مستوى التحالفات الدولية المختلفة، وبالتأكيد هي التحالفات التي يمكنها التحكم في مستقبل سوريا خلال الفترة المقبلة، وفي الجزء المقبل من التقرير سنتحدث عن كل طرف فاعل في هذه التفاعلات على حدة.

روسيا

وبدايةً بروسيا، أحد أبرز المتحكمين في الأوضاع في سوريا، وبالتالي في مستقبل سوريا، فإن الاتفاق أعطاها مكاسب قوية، أهمها المؤشرات على ظهور حلف قوي يجمع بين كل من روسيا، والصين، وتركيا، خاصةً في ظل التباعد خلال الفترة الأخيرة بين تركيا من جهة، والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى؛ إذ إن مصلحة روسيا في المنطقة تدعم دفع تركيا إلى الانسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وذلك إضعافًا لأوروبا.

وبإتمام الاتفاق يمكن القول إن روسيا استطاعت كسب تركيا حليفًا، ولو مؤقتًا؛ حيث إن التصعيد العسكري في إدلب كان سيدفع بأنقرة إلى تقوية علاقاتها بالغرب، والبعد عن روسيا، وهو ما كان قد يتسبب في خسارة روسيا على عدة مراحل، إمَّا في الداخل السوري، أو حتى على مستوى علاقاتها التجارية والاقتصادية مع تركيا، أو حتى على مستوى العلاقات الدولية بشكل عام؛ إذ إن تركيا ظلت في نقطة تقارب مع الولايات المتحدة الأمريكية لفترات طويلة من أجل مهاجمة نظام الأسد، ودعم المعارضة السورية في كثير من الأحيان.

تركيا

أمَّا من جهة تركيا، فإنها عملت لشهور من أجل وقف الهجوم الذي كان متوقعًا على مدينة إدلب؛ إذ إنها تستضيف أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ سوري بالفعل، ولذلك فإنه كان من الصعب عليها أن تفتح الباب لمزيد من السوريين الفارين من حمام الدماء الذي كان متوقعًا حدوثه في إدلب، خاصةً في وقت تمركز القوات التركية على حدود إدلب، وفي مدينة عفرين أيضًا.

وبالإضافة إلى هذا، فإن تركيا عملت على الالتزام بتعهداتها التي قطعتها على نفسها حول استخدام مسار الدبلوماسية من أجل تحقيق وقف دائم لإطلاق النار. ويأتي هذا في الوقت الذي تدعم فيه تركيا المعارضة السورية المسلحة من أجل محاربة «قوات حماية الشعب الكردية»، والتي تتبع حزب العمال الكردستاني، المحظور في تركيا، وتعارضه الأخيرة منذ سنواتٍ عديدة.

الجدير بالذكر أن التعاون العسكري بين روسيا وتركيا قد يكون في إحدى أفضل لحظاته خلال الفترة الحالية، وذلك بعد الاتفاق الأخير، فمن المتوقَّع أن تقوم روسيا بتوريد صواريخ إس 400 (S400) إلى تركيا خلال العام المقبل 2019.

إيران والولايات المتحدة وإسرائيل

لطالما ظلت إيران داعمة للنظام السوري بقيادة بشَّار الأسد، إلا أن هذه الجهة دائمًا ما يقابلها جهة أخرى مكونة من الولايات المتحدة الأمريكية، وإسرائيل.

وفي الوقت الذي أعرب فيه الرئيس الإيراني، حسن روحاني، عن ترحيبه بالاتفاق بين روسيا وتركيا بوقف إطلاق النار وعمل منطقة منزوعة السلاح، إلا أنه في الوقت نفسه دعا إلى طرد القوى الأجنبية التي لم يكن وجودها في الداخل السوري مُرحبَّا به من قبل حكومة النظام السوري، والمقصود بهذا الأمر هو الولايات المتحدة وإسرائيل، خاصةً بعد عدة أشهر فقط من قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلغاء الاتفاق النووي مع إيران، وإعادة فرض العقوبات مرة أخرى عليها، فضلًا عن استهداف إسرائيل لطائرة روسية في سوريا، مما أغضب روسيا التي أكدت احتفاظها بحق الرد على ما وصفته بالأفعال الإسرائيلية المستفزة.

وبالعمل على تلخيص أزمة التحالفات الموجودة في سوريا وكيفية تأثيرها على المستقبل القريب أو البعيد في سوريا، فيمكننا القول بأن التحالف التركي الروسي هو تحالف يفيد البلدين على عدة مستويات، اقتصادية، وسياسية، وعسكرية.

وعلى الجانب الآخر، فإن التحالف بين إيران وروسيا أصبح أقوى مما كان بميل تركيا إلى ناحيته أكثر من ناحية التحالف الكبير الثاني المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وهو ما أغضب الولايات المتحدة الأمريكية بالفعل؛ إذ بدأت إسرائيل في إثارة الشغب في الداخل السوري باستهدافها الطائرة الروسية، وذلك بعد الإعلان عن الاتفاق الروسي التركي بيوم واحد فقط، أي أنه من المتوقَّع أن تبدأ الولايات المتحدة وإسرائيل إثارة الشغب وإحداث الفوضى في الداخل السوري تحت مسمى محاربة من تبقوا من «داعش».

ولكن السبب الخفي ربما يكون هو رغبة الولايات المتحدة في إضغاف التحالف الروسي الإيراني السوري، وغضبًا من تركيا التي دعمت علاقتها مع روسيا، وأخيرًا رغبةً في الانتقام من إيران، والتي تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية العدو الأول لها في الفترة الحالية؛ إذ ترغب الولايات المتحدة الأمريكية في القضاء على إيران، وتقليل وإضعاف نفوذها بالكامل في منطقة الشرق الأوسط، وذلك من أجل الحفاظ على أمن إسرائيل، الحليف التاريخي الأهم للولايات المتحدة.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!